الموت خير للفتى فليهلكن وبه بقية محبرة وقلم

0 209

سؤال مستحق: هل الموت خير من الحياة؟
أعرف الإجابة فمعظم البشر لا يحبون الموت ويعشقون الحياة، ديننا الحنيف الإسلام لم يترك بابا إلا وطرقه، هذا رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول في حديث شريف رواه خادمه الأمين أنس بن مالك الأنصاري: “لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً فليقل: اللهم أحيني، ما دامت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي”.
هذا الحديث الشريف واضح فالموت والحياة بيد الله تعالى، وباب الدعاء مفتوح للعبد المسلم، لكن بعض الناس إذا أنهكه المرض وأصبح عبئاً على غيره تمنى الموت، وهذا ما لا يجوز أبداً.
أما البيت الذي أشرت إليه في عنوان الموضوع، فهو بيت شعر قيل في الجاهلية يبين صاحبه أن موت الإنسان قبل هرمه ومرضه خير له، وقد ذكر أسبابا عدة في سياق القصيدة أهمها هرم الإنسان، وهو شاعر من كبار شعراء الجاهلية كما أنه أحد المعمرين اسمه زهير بن جناب الكلبي، يقول في قصيدته:
ابني إن أهلك فإني
قد بنيت لكم بنيه
وجعلتكم أولاد سادات
زنادكم وريه
من كل ما نال الفتى
قد نلته… الا التحيه
فالموت خير للفتى
فليهلكن وبه بقية
من إن يرى الشيخ الكبير
يقاد يهدى بالعشيه
ولقد شهدت النار للاسلاف
توقد في طميه
وخطبت خطبة حازم
غير الضعيفة ولا العييه
ولقد غدوت بمشرق الحجبات
لم يغمز شظيه
فأصبت من بقر الحباب
وصدت من حمر القفيه
ولقد رحلت البازل الكوماء
ليس لها وليه
وشرح هذه الأبيات طويل جداً لكن هذا الشاعر يتمنى الموت قبل أن يصل إلى مرحلة يقاد فيها من مكان إلى مكان لا يقدر على السير بمفرده لكبر سنه، وضعف بصره.
العجيب أن هذا الشاعر تمنى أن يموت وبه بقية إلا أنه مات عكس ما تمنى فقد بلغ من الكبر عتياً وكان سيد قومه، قال لقومه يوما: “إن الحي “ظاعن” “منتقلين من مكان إلى مكان” فقال ابن اخيه: عبدالله بن عليم بن جناب: “إن الحي مقيم”! فقال زهير: “من هذا المخالف لي”؟ قالوا: “ابن اخيك عبدالله”.
فغضب غضبا شديدا وكان لا يعصى له أمر، فهانت عليه نفسه، وأحس بالإهانة كيف يطاع ابن اخيه ويعصى، فدعا بالخمر وجعل يشربها صرفاً حتى مات وهو ابن مئة وخمسين عاما، قبل الهجرة بستين عاما، وهو: زهير بن جناب بن هبل بن عبدالله بن كنانة الكلبي، وكلب قبيلة حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، زيد بن حارثة، وزهير هذا من كبار شعراء الجاهلية واولى الذكر النابه فيهم سيد بني كلب بلا مدافع، وقائدهم في حروبهم، شجاعا بطلا مظفرا ميمون النقيبة. هناك من يقول إن سبب وفاته غير ما ذكرته لكم، وهو انه مل طول عمره فشرب الخمر صرفاً حتى قتلته، وذكر ابن الكلبي في رواية متصلة له، ان زهيرا هذا عاش مئتي سنة أوقع بها في العرب مئتي وقعة، ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى حن بن زيد العدري، ولم يكن في اليمن أشجع ولا أخطب ولا أوجه عند الملوك منه، وكان يسمى الكاهن لصحة رأيه،فانظر ما آل إليه أمره في النهاية، وهناك من يذكر أنه عاش أربعمئة سنة حتى رأى أحفاد أحفاده وهو الذي يقول في ذلك:
لقد عمرت حتى لا ابالي
احتفي في صباحي أم مسائي
وحق لمن أتت مئتي عام
عليه ان يمل من الثواء”
جدير بالذكر أن زهير بن جناب غزا بكرا وتغلب وهم على ماء فهزمهم هزيمة منكرة وأسر كليب وائل ومهلهل “الزير سالم” ابنا ربيعة، وهما من أشهر فرسان العرب، وقد أوصى زهير ابنه فقال له: “يا بني قد كبرت سني وبلغت حرسا من دهري، فاحكمتني التجارب والأمور تجربة واختباراً، فاحفظ عني ما أقول، وإياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب فإن ذلك داعية للغم وشماتة للعدو، وسوء ظن بالرب وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قوم من قوم قط، إلا ابتلوا ولكن توقعوها، فإن الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصر دونه ومجاوز لموضعه وواقع عن يمينه وشماله ثم لابد أن يصيبه”.
أكتفي بهذا القدر، دمتم سالمين في أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like