منها.. الحوت الأزرق وجنية النار والبوكيمون ومريم وتشارلي

الموت… في لعبة منها.. الحوت الأزرق وجنية النار والبوكيمون ومريم وتشارلي

استغراق في متابعة الألعاب الخطرة

القاهرة – علا نجيب:
انتشر في السنوات الأخيرة الكثير من الألعاب الالكترونية التي باتت تهدد حياة الأطفال والمراهقين، تصيبهم بالأمراض النفسية،الانطوائية،التوحد، الاغتراب، بل وصل خطرها إلى الإقدام على الانتحار بالكثير من الطرق، لعل أشهرها لعبة «الحوت الأزرق» التي دفعت بالكثير من المراهقين والأطفال إلى الانتحار،بعد اتباعهم سلسلة من التعليمات القاسية سواء في مصر أو غيرها من الدول العربية بصورة جعلت الأسر الجزائرية تطالب حكومتها باتخاذ إجراءات صارمة لمنع تداولها.
عن تأثير تلك الألعاب الالكترونية وكيف يمكن حماية الابناء من مخاطرها وهل يمكن حجبها وكيف يراها الدين، أجرت «السياسة « هذا التحقيق مع عدد من المتخصصين.
تتعدد الألعاب الالكترونية التي يضعها الأطفال والمراهقون على تليفوناتهم وحواسيبهم، يلعبونها لساعات طويلة، منها «لعبة مريم» المنتشرة بدول الخليج، تدور حول طفلة تاهت عن منزلها،تطلب من اللاعب مساعدتها في العودة إلى المنزل، وخلال ذلك تبدأ طرح سلسلة من الأسئلة التي تنتهك الخصوصية،الميول السياسية والدينية، تقود اللاعب إلى الإثارة والصراع النفسي، الذي يقوده إلى العزلة والميل إلى العنف، في المرحلة الأخيرة تطلب منه الانتحار أو إلحاق الأذى بالأسرة، وغالبا ما ينتهي الأمر بانتحاره.

جنية النار
أما لعبة» جنية النار» فظهرت لتسلية الأطفال، بمرور الوقت تصدر أوامرها لمن يلعبها بحرق المنزل، مع تكرار بعض الكلمات الساحرة، معتمدة على المؤثرات الصوتية والرسوم الكارتونية، كما تطلب منهم التواجد ليلا في غرفهم لتنفيذ الأوامر حتى يتحولوا إلى جنيات ساحرات والقضاء على الأشرار الذين يهددون كوكب الأرض. وقد سجلت روسيا، الموطن الأصلي لتلك اللعبة، الكثير من حالات الاختناق بالغاز لأطفال أدمنوا اللعبة.

الحوت الأزرق
ابتدع روسي أواخر 2015، لعبة «الحوت الأزرق» التي دفعت عددا من الشباب الروسي للانتحار، ما جعل السلطات الروسية تحاكم صانع اللعبة والحكم عليه بالسجن. وتتكون اللعبة من خمسين مرحلة، بين مشاهدة أفلام رعب بعينها لساعات يوميا، تشويه الأجساد باستخدام آلات حادة،رسم صورة الحوت على الذراع، لإثبات ولائه وقدرته على تنفيذ المهام الموكل بها، في اليوم الخمسين يكون الانتحار هو النتيجة النهائية.

لعبة البوكيمون
أما لعبة البوكيمون فقد ظهرت أواخر العام 2016، ومنذ ذلك الوقت أصبح الشباب يسيرون هائمين في الشوارع لالتقاط حيوان البوكيمون وإنقاذه،يتم تحديد الأماكن التي عليهم الذهاب إليها لالتقاطه قبل أن يختفي، ما جعل الكثير من خبراء الاتصالات يرون أنها تهدد الأمن القومي، بل تسببت في الكثير من الحوادث لأن اللاعب يركز في العثور عليه من دون الاهتمام بالأخطار التي قد تحيق به، كما أصابت عدداً ممن يلعبها بالاكتئاب الحاد،العزلة،عدم الاندماج في المجتمع.
كما ظهرت لعبة» تشارلي»،التي تعتمد على استحضار روح شخص ويوجهون له أسئلة تكون إجابتها بالإيجاب أو السلب،البعض اعتقد أن فكرتها روح لطفل صغير مكسيكي مات من شدة الفقر والجوع،ظلت روحه غاضبة تطوف حول العالم،تحاول الانتقام ممن تطوله يده، إلا أن أطباء علم النفس أكدوا أن مدمني اللعبة أصابهم الكثير من الهلاوس السمعية والبصرية، مثل، رؤية الظلال، سماع أصوات ليست موجودة، رؤية كوابيس بطلها الطفل شارلي.

العزلة الحادة
يقول الدكتور محمد بدوي، أستاذ علم النفس،جامعة عين شمس: التطور التكنولوجي الذي عصف بحياتنا في القرن الواحد والعشرين، أثر بالسلب على الأطفال والمراهقين، إذ باتوا حبيسي العالم الافتراضي، بشخصياته وأحداثه، ما يجعلهم عاجزين عن إقامة علاقات اجتماعية صحية في المدرسة و مع الأقارب، فيعيشون في عزلة عن الآخرين، ما يعمل على تكوين الشخصية الأنانية التي لا تفكر سوى في ذاتها فقط،لأن معظم تلك الألعاب تعتمد على العنف وردود الأفعال القوية، ما يزيد من معدلات الجريمة في المجتمع. كما أن الطفل الذي يمارس تلك الألعاب، يتوحد معها توحدا كاملا، فيصاب باضطرابات نفسية كثيرة، مثل الهلاوس السمعية والبصرية، التي تحاصره في أحلامه وكوابيسه، فتؤثر على تحصيلهم الدراسي،تجعل كل واحد منهم راغبا في العزلة،عدم الاختلاط، الاغتراب في مجتمعه، يشعر بأنه غريب عنهم، والمحيطون به لا يتفهمون أفكاره ومعتقداته، مما يدفعه للبحث عن أقران يشبهونه فيصبح فريسة سهلة لأصدقاء السوء.
يتابع: لذا لابد للأم والأب أن يكونا بمثابة حائط صد الأخطار عن أطفالهما،لا يتركانهم فريسة لتلك الألعاب، لأن غياب الرقابة يجعلهم أسرى للتكنولوجيا الضارة، عليهما المتابعة المستمرة لألعابهم، تحديد أوقات معينة لممارستها لا تتعدى الساعتين يوميا،ممارستها مع الأصدقاء حتى لا ينعزلوا عنهم، إدماجهم في مجتمعات صحية، مثل، النوادي الرياضية،التي تمنحهم مزيدا من الثقة بالنفس، غرس هوايات أخرى أكثر نفعا وجدوى، مثل القراءة،الرياضة، لوقايتهم من العزلة وإدمان التكنولوجيا.
اضطراب السلوك
يقول الدكتور رشدي زيد، أستاذ علم النفس: كثير من الأمهات يلجأن إلى ملء أوقات فراغ الأبناء بممارسة الألعاب الالكترونية لاعتقادهن أنها تنمي الذكاء من دون معرفة أخطارها سواء على المدى القريب أوالبعيد، في حين أن هناك دراسات نفسية كشفت الآثار الضارة لتلك الألعاب،منها،عدم رغبته في اللعب مع أقرانه، ما يجعله يفقد حياته الاجتماعية تدريجيا، يقلل من فرص خروجه واندماجه في المجتمع وتكوين صداقات جديدة، شعوره دوما بالخوف والجبن، لافتا إلى أن هناك ألعابا معينة تدعم تلك الأحاسيس، ما يؤثر على ثقته بنفسه،يكون غير قادر على مواجهة المشكلات والأخطار التي قد تقابله في حياته،علاوة على أن الميل للعنف إحساس أصيل تولده تلك الألعاب، كما تركز على عشق مناظر القتل والدماء، يألفونها، يحاولون تطبيقها في الواقع، محاكاة لهذه الألعاب، كما أن إدمان هذه الألعاب يؤثر على القدرات العقلية للأطفال،يقلل من فرص تحصيلهم الدراسي.
يضيف: اكدت دراسة أجريت بجامعة بوسطن الأميركية حول تأثيرات تلك الألعاب على عقول الأطفال، أن الهواتف الذكية التي يتم إعطاؤها للأطفال للخلاص من بكائهم وغضبهم تدمر قدراتهم العقلية،تصيبهم بالتوحد، فلا يشعر الطفل بالأحداث المحيطة به، كما تستنزف أوقاتهم،تجعلهم لا يقدرون قيمة الوقت. وأوضحت دراسة اسبانية أجرتها رابطة أطباء علم النفس، أن الأطفال الذين يمارسون الألعاب الالكترونية لأكثر من ساعة يوميا، يعانون من مشكلات سلوكية،فيما تتحسن القدرات الادراكية للأطفال الذين تقتصر ممارستهم على ساعة أو اثنتين أسبوعيا. مشيرا إلى أن التشتت الذي يصيب الأطفال بسبب الانتقال من مرحلة الى أخرى في اللعبة، يجعلهم عرضة للوسواس القهري،الانطوائية،المزج بين الواقع والخيال، كما تصيبهم بالسمنة، لقضائهم أوقاتا طويلة أمام شاشة الهاتف وهو يتناول كميات كبيرة من الطعام ما يؤثر على ثقته بالنفس.

غياب الرقابة
تقول الدكتورة سامية نصر، أستاذ ةعلم الاجتماع: إن الأسرة هي صمام الأمان للأطفال والمراهقين، في مواجهة انتشار مثل تلك الظواهر الاجتماعية، التي دعمتها مواقع التواصل الاجتماعي، لأن انشغال الوالدين بأعمالهما وبعدهما عن مشاركة أطفالهما هواياتهم وتحليل ميولهم، يضطر الأبناء للجوء إلى التكنولوجيا والانترنت للبحث عما يشغلهم ويكسر مللهم. ومما يؤسف له أن الطفل والمراهق أصبحا صيدا سهلا لألعاب العنف،التي تؤدي بهما إلى الانتحار،لعل لعبة «الحوت الأزرق» كانت بمثابة جرس انذار لكل أب وأم بضرورة الاقتراب من الأبناء والتحدث معهم وبناء أواصر الثقة معهم.
تتابع: تأثرت المجتمعات العربية بالألعاب العدوانية، التي تنتشر بها انتشار النار في الهشيم، لازدياد معدلات البطالة وقلة فرص الحصول على عمل كريم، ما يصيب الشباب بالاكتئاب المزمن والإحباط، فيلجأ لممارسة ألعاب تؤدي بهم إلى الانتحار أو الإصابة بصدمات نفسية، مثل فقدان الذاكرة المؤقت أو الاغتراب،،لافتة إلى أن مرحلة المراهقة تعد المرحلة العمرية الأصعب على الاطلاق، لأنها المسؤولة عن تكوين الشخصية، فاذا لم يجد المراهق مرشدا واعيا، فإنه سينجرف وراء أصدقاء السوء والألعاب الخطرة، بدليل أن حوادث القتل التي شهدتها بعض مدارس أميركا ثبت من خلال التحقيق فيها بأن مرتكبيها كانوا مراهقين أدمنوا الألعاب الالكترونية العنيفة. خصوصا أن الألعاب العنيفة تعتبر عاملاً جاذباً للكثير من الأطفال الذين يعيشون في جو أسرى مفكك لطلاق الأبوين أو موت أحدهما، فكثير من الإرهابيين،الذين يرتكبون أعمالا تخريبية، كانوا يعشقون ممارستها،لأنها تفرغ طاقتهم،تثير فضولهم عن الدفاع عن مبادئ يؤمنون بها، حتى إن بعضهم يرى أن السرقات عمل مشروع لأنه يخدم هدفا وغاية معينة.

التأثير الأخلاقي
يشير الدكتور علي سميح، الاستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، إلى أن تأثير تلك الألعاب لا يقتصر على العنف والقتل فقط،بل يمتد إلى المساس بالقيم العقائدية والدينية، فبعضها ينفي وجود الله ويشكك في قدراته، ما يجعل المراهق عرضة للانجراف وراء تلك الأفكار والإيمان بها إذا لم يجد رقابة من الأسرة، كما أن كثيراً منها يحوي عدداً من الصور العارية والشذوذ الجنسي المنافي لتعاليم ديننا الحنيف، ما يتسبب في ارتفاع معدلات التحرش الجنسي وحالات الاغتصاب التي يرتكبها الشباب والمراهقون ممن هم دون سن الثامنة عشرة.
يضيف: بعض هذه الألعاب يدعم فكرة الانتحار على أنها فكرة وجودية وذات شأن، فيرى اللاعب أنه بإقباله على الانتحار يفيد عالمه الذي يعيش به،ينقذ ذويه من أخطار محدقة بهم، كما أن الجروح التي يسببها لنفسه تجعله يشعر بلذة غريبة ونشوة سادية تشعره بقيمة العمل الذي يقوم به، بالطبع كلها أفكار مشوهة، تفتقد إلى التوجيه وإعادة التصحيح،هذا دور الأسرة والمدرسة والإعلام أيضا.

حجب الألعاب
وعن امكانية حجب مثل هذه الألعاب لحماية الأطفال والمراهقين منها، يقول شريف عبد الباقي، رئيس الاتحاد المصري للألعاب الالكترونية: يتطلب حجب أي لعبة الكترونية عالمية من أية دولة امكانيات فنية وتقنيات عالية غير موجودة بالكثير من الدول، وبالتالي لا أرى أن المشكلة تكمن في خطر اللعبة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم القدرة على توفير لعب الكترونية محلية تتناسب مع مجتمعاتنا المحافظة وبيئاتنا المتدينة،تدعم أواصر صلة المجتمع حتى لا يصبح الأطفال و المراهقون صيدا سهلا، كما أن الأمر يتطلب أيضا عمل حملات توعوية لهم بأخطارها في التليفزيون،الجامعات،المدارس.

لعبة محرمة
يقول الدكتور محمد ناصر، أستاذ الشريعة الدينية: الألعاب الإلكترونية الخطرة تعتمد على إلحاق الضرر بالنفس كما في «الحوت الأزرق « وغيرها، حيث يجرح مستخدموها بعض اعضاء الجسم بآلات حادة إذعانا للأوامر، وهو أمر حرمه الله تعالى، فحفظ النفس من أهم مقاصد شريعتنا الإسلامية وحمايتها من أي ضرر قد يصيبها، امتثالا لقول الله تعالى «ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة «.