النبي سليمان والطير ولحية التقوى الزائفة

يروى أن طائرا ظمآنا رأى من علٍ بركة ماء، وحولها أطفال يلعبون، فخاف إذا هبط ليشرب أن يؤذيه الصغار بطيشهم، فانتظر حتى ذهبوا، وبينما هو يشرب إذ برجل ملتح يبدو عليه الوقار يقترب منه فظن الطائر أنه لن يؤذيه فآمن له واكمل عب الماء غير أن الرجل رماه بحجر فقأ عينه.
ذهب الطائر إلى نبي الله سليمان (عليه السلام) شاكياً مما أصابه فاستدعى النبي الرجل، وأصدر حكمه بفقء عينه مقابل عين الطير إلا أن الأخير اعترض قائلا:” عينه لم تؤذني، بل لحيته خدعتني، ولذلك أطلب من نبي الله سليمان أن يأمر بحلق لحية الرجل كي لا ينخدع بها غيري”.
كثرت في العقود الاخيرة ظاهرة التدين الانتهازي، القائمة على المظهر، خصوصا بين اتباع الحركات والجماعات السياسية الذين يسعون إلى إيهام الناس بتقواهم لتسويق مشاريعهم السياسية، ورأينا في العقود الأربعة الماضية كيف مارس هؤلاء ديكتاتورية اللحى والمسابح في غالبية المجتمعات العربية، واستطاعوا بتلك الخدعة تحقيق بعض أهدافهم، أكان في مصر حيث انطلت الحيلة على الناس فانساقت خلفهم، خصوصا اثناء انتفاضة 25 يناير التي سادتها العاطفة فعملت جماعة”الاخوان” على استغلال ذلك بتوجيهها وفقا لمخططها، ما سهل لها السطو على حكم حاولت منذ العام 1928 الوصول إليه إلا أنها لم تفلح إلا في تلك اللحظة التاريخية العاطفية، لكن عندما اكتشف الشعب حقيقة الجماعة ثار على حكم”مكتب الاوغاد” بعد أقل من سنة أي في 30 يونيو حين تضامن الجيش والشعب لانقاذ مصر.
تاريخياً كانت هذه اللحى الانتهازية تخفي خلفها العصابات الارهابية المنسلة من عباءة تلك الجماعة، أكان في مصر أو في ليبيا والعراق وسورية والكويت والسعودية والبحرين والجزائر ومختلف الدول العربية، فيما قابلتهم لحى انتهازية اخرى لا تختلف عنها في شيء إلا باللغة، وهي لحى نظام الملالي الذي نشر فايروس الميليشيات الارهابية، أكان بتشكيلة من”احزاب الله” أو بالتحالف مع “الاخوان” فيما عرف بـ”القاعدة” و”داعش” وغيرهما في طول العالم العربي وعرضه.
لا شك أن خدعة اللحى التي سعت إلى قلب أنظمة الحكم في الكويت والسعودية والبحرين وغيرها من دول”مجلس التعاون” رمت في شباكها كثيرا من الأبرياء، بل انها وصلت الى خداع النخب في مختلف مؤسسات تلك الدول، وفيما كانت تظهر صورة التقوى كانت في الوقت نفسه المسؤولة، مباشرة أو غير مباشرة، عن مئات آلاف القتلى في الجزائر واليمن ولبنان وليبيا والعراق وسورية والصومال.
في كل هذه الدول تسبب أصحاب اللحى المخادعة، في تخلف المجتمعات، وزيادة انتشار الفساد والرشوة، بالاضافة الى ممارسة وصاية بقوة المظهر على الناس، ولذلك اذا كان لا بد من حل للخروج من المأزق الذي يعيشه العالمان العربي والاسلامي، فهو بحلقها سياسيا، عبر اجتثاث تلك الجماعات، وإلا سنبقى أسرى الدوران في حلقة العنف إلى ما لا نهاية.
نعم، آن الاوان كي يضع المسلمون والعرب حدا لهذه الجماعات والدول التي تمولها وتوظفها لتحقيق مآربها ومخططاتها التي هي في الحقيقة اكبر بكثير من قدراتها، لكنها تستفيد من تلك اللحى المزيفة في نشر وباء تفكيك المجتمعات والمؤسسات، وخير دليل على ذلك المقارنة بين الحال العربية قبل أربعة عقود والحال اليوم، وذلك القحط الثقافي الذي بذرته اللحى المسيسة عبر خدعة المظاهر الإيمانية فيما تخفي في داخلها وحشاً لا يشبع من الدم والخراب، وحيال هذه الكارثة التي تسببت بها تلك اللحى لاضير إذا دعونا للاستفادة من عبرة الطير وتلبية نبي الله سليمان “عليه السلام” طلبه في إزالة سبب الخديعة.

أحمد الجارالله