النظام العالمي الجديد… مقاربة في الفكر السياسي

0 77

حسين عبدالقادر المؤيد

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت اطروحة “النظام العالمي الجديد” تطرق الأسماع بقوة، وتتردد في المحافل السياسية ومراكز الدراسات التي تعنى بالمجتمع من زاوية كونه مجتمعاً بشرياً، وكذلك من زاوية كونه مجتمعا دوليا. وقد كانت الولايات المتحدة الأميركية هي المركز الأكثر والأقوى في طرح هذه الأطروحة ودفعها للتداول، بنحو يشي بوجود إرادة فيها لانتاج مفهوم معين للنظام العالمي الجديد.
وبالفعل، بدا مفهوم النظام العالم الجديد عبارة عن نظام القطب الواحد بدلا من التعددية القطبية، وبحكم الوضع الذي اعقب انهيار الاتحاد السوفياتي وخروج الولايات المتحدة الأميركية منتصرة من الحرب الباردة، وبحكم كون الولايات المتحدة الاميركية هي القوة الاولى في العالم، طرحت الولايات المتحدة الأميركية نفسها بوصفها القطب الأوحد في العالم. لقد كان انهيار الاتحاد السوفياتي،نهاية لما سمي بالمعسكر الشرقي بوصفه كتلة عالمية تواجه المعسكر الغربي وتشكل احدى قوتي التوازن الدولي، وبذلك انحل حلف وارسو انعكاسا لتفكك الكتلة الشرقية. وفي المقابل يكون الرابح في الحرب الباردة، ليس الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وإنما المعسكر الغربي كله، وهو حليف الولايات المتحدة الاميركية وشريكها في الحرب الباردة. ومعنى ذلك هو أن يكون المعسكر الغربي بأكمله وعلى رأسه الولايات المتحدة الاميركية القطب الواحد في النظام العالمي الجديد. بيد أن الولايات المتحدة الأميركية، أرادت الانفراد بالقطبية العالمية، لاسباب بعضها يرجع الى نظرتها لدول اوروبا الغربية والتي لاتعتبر هذه الدول حلفاء على مستوى الندية لها، والى ان للولايات المتحدة مشروعا لقيادة العالم.
وهكذا صار عنوان (النظام العالمي الجديد)) تعبيراً عن نظام القطب العالمي الواحد غيرمتمثل بالولايات المتحدة الأميركية.
ليس معنى نظام القطب الواحد، عدم وجود أقطاب دون القطب الواحد، فهذا تصور غير واقعي، لأن الاتحاد الاوروبي كتلة من شأنها ان تجعله قطبا في العالم، وروسيا على الرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي، لن تكون إلا دولة غير عادية في الادوار والتأثيرات العالمية، والصين وحدها كتلة بشرية واقتصادية وآيديولوجية لا يستهان بها. وإنما معنى نظام القطب الواحد هو أنه نظام لا يتسم بالتنافسية القطبية القيادية، إذ ينفرد قطب واحد هو الأقوى والأوسع في السيطرة، فلا يملك أي من الاقطاب درجته في النفوذ الدولي والتأثير العالمي، بل كلهم حسب تفاوت المراتب، دونه ولا ينافسونه.
يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية، انطلقت في محاولتها بلورة مفهوم للنظام العالمي الجديد، من عقلية تفكر بطريقة أن القرن الثامن عشر كان قرنا فرنسيا، وأن القرن التاسع عشر كان قرنا بريطانيا، وأن القرن العشرين، قد اقتسمت النفوذ العالمي فيه قوتان كبريان، وانتصرت في أواخره إحداهما على الأخرى،وجاء الدور ليكون القرن الحادي والعشرون أميركيا.
ان تبلور النظام العالمي الجديد على أساس نظام القطب الواحد، يمكن ان يعتبر انتكاسة خطيرة في الحضارة الحديثة، ذلك ان المجتمع الدولي، كان يجب أن ينتقل الى مرحلة جديدة في العولمة، يسود فيها نظام معياري حضاري عالمي تتساوى فيه الدول وتتماهى فيه الشعوب لمصلحة شعوب العالم، وهو بهذا المعنى حكومة عالمية لا تفقد فيها الدول جغرافيتها السياسية، ولا ارادتها الشعبية في ممارسة الديمقراطية، وانما تكون في خضوعها لمنظومة معيارية سياسية ثقافية واقتصادية، بمثابة حكومات محلية تحت اشراف منظمات دولية عادلة ودقيقة.
لقد أرخ علماء السياسة المحدثون، ظهور المجتمع الدولي الحديث بتوقيع معاهدة وستفاليا سنة 1648م، والتي كانت بداية للمنتظم السياسي الدولي الحديث، والذي كانت ابرز معالمه، ظهور ديبلوماسية المؤتمرات، واقرار مبدأ المساواة بين الدول بغض النظر عن نظم الحكم فيها وانتماءاتها الدينية والمذهبية، واحلال نظام البعثات الديبلوماسية الدائمة بديلا عن الديبلوماسية المؤقتة، واعتماد أطروحة توازن القوى سبيلا للسلام في أوروبا.
لقد قطع المنتظم السياسي الدولي الحديث شوطا طويلا، امتد الى نهاية الحرب العالمية الاولى سنة 1918م، اتسم فيها بكون الدول القومية وحداته الاساسية فلم تكن هناك منظمات دولية، و اعتماد السيادة القومية والولاء القومي، وبكون أوروبا مركز الثقل والتأثير في السياسة الدولية، نظرا لكون أوروبا جغرافية الدول الاقوى في العالم، مضافا الى سمات أخرى.
أما بعد الحرب العالمية الاولى، فقد دخل المنتظم السياسي الحديث مرحلة أخرى، ظهرت فيها المنظمات الدولية كعصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، مضافا الى المنظمات الاقليمية، الأمر الذي جعل للمجتمع الدولي سيادة تؤثر على سيادة الدول القومية، ومن آثار ذلك تدويل النزاعات والصراعات بين الدول، بل حتى تلك الداخلية في الدولة الواحدة. وانتقل مركز القوة من أوروبا ليصبح في روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ونجد أيضا تأثير التطور العلمي والتقني في كل المجالات بما فيها المجال العسكري.
لقد تضافرت عوامل عديدة نجم عنها التطور الذي شهده العالم في المنتظم السياسي الدولي، من أهمها انجازات عصر النهضة، والأيديولوجيات والفلسفات التي كان لها تأثير واسع وعميق على السياسة والاقتصاد والثقافة. لقد كان الإعلان العالمي للأمم المتحدة، نقلة نوعية غاية في الاهمية، من شأنه أن يمهد لمرحلة ثالثة تكون السيادة فيها على العالم لمنظومة معيارية حضارية تقوم على المشترك الإنساني. لقد كان انقسام المجتمع الدولي الى شمال وجنوب، والى عالم متحضر وعالم متخلف، إلى عالم أول وعالم ثانٍ وعالم ثالث، والى معسكر شرقي ومعسكر غربي ودول عدم الانحياز، وسيطرة مجموعة من القوى على القرار الدولي في مجلس الأمن، ظاهرة طبعت المنتظم السياسي الدولي المعاصر، بحيث لا تتسق وفلسفة وجود الأمم المتحدة، والاعلان العالمي لها.
إن تغليب القوى الكبرى للمصالح الخاصة، ونزعتها للهيمنة واعتماد منطق القوة، وصراعات التنافس والارادات فيما بينها، وتقصيرها غير المسؤول في تطبيق القيم الحضارية ومعايير المدنية الحديثة لمصلحة شعوب العالم، اضعف الأمم المتحدة ومؤسساتها التي كان يجب أن تنقل المجتمع الدولي نحو نظام عالمي جديد، لا يقوم لا على القطب الواحد ولا التعددية القطبية، وانما على المساواة والاخاء الانساني، والحكومة العالمية لقيم الحضارة والمشترك الانساني.
ومن هنا، نرى أن الولايات المتحدة الأميركية، والقوى الكبرى المؤثرة على الساحة الدولية، ستتحمل مسؤولية تاريخية، إذا استمرت في اعاقة المجتمع الدولي في الانتقال لمرحلة جديدة للمنتظم السياسي الدولي، والذي لن يتحقق السلم العالمي والاستقرار والتفاعل بين الشعوب وانحسار التطرف والإرهاب إلا بها، ولن يلغي ذلك مسؤولية الأمم المتحدة في لعب دور رئيس في هذا المجال . ولشعوب العالم أيضا كلمتها، إذا جعلت السيادة للعقل والعلم وانحازت للمشترك الإنساني.
مفكر وسياسي عراقي

You might also like