تحالفات الغرب العميقة في المنطقة توجه إنذاراً شديداً لموسكو

النفوذ الروسي في الشرق الأوسط يواجه تحديات تهدد بقاءه تحالفات الغرب العميقة في المنطقة توجه إنذاراً شديداً لموسكو

تقرير معهد تشاتام هاوس

روسيا تسعى لتوسيع سوق تصديرها من خلال توسيع السيطرة على سوق النفط والغاز

في ضوء عدم تركيز الأكاديميين الغربيين وصناع القرار على السياسة الخارجية الروسية منذ نهاية الحرب الباردة مثلما فعلوا في السنوات الأخيرة، يطرح التقرير الصادر في 21 فبراير للعام 2018 سياسة الشرق الأوسط المعاصرة في روسيا، حيث يقدم فيه «نيكولاي كوزانوف»، الزميل الباحث في برنامج روسيا وأوراسيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، وزميل سابق في مركز كارنيجي موسكو، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تحليلًا متعمقًا لنهجه ودراسة الأسباب وراء زيادة التواجد الروسي في المنطقة والعوامل المحتملة التي تحد من توقف توسعها في المنطقة.
بالحديث عن الشرق الأوسط، فقد تحولت روسيا في غضون سنوات قليلة من لاعب ثانوي إلى قوة مهيمنة قادرة على تحدي النفوذ الإقليمي الغربي، وهذه الظاهرة التي نشرها الأكاديمي «كوزانوف»، والتي يسعى إلى فهمها وتقييمها في تقريره؛ ففي أغلب الأحيان ومنذ تفكك الاتحاد السوفيتي العام 1991، تأثرت طموحات موسكو الدولية بضعف الاقتصاد والفوضى السياسية، ومن ناحية أخرى، وفي الوقت الذي تداعت الهيمنة الأميركية تحت حكم الرئيس «دونالد ترامب»، فضلًا عن تشتت الدول الأوروبية بشكل متزايد جراء تزايد «الشعبوية» في الداخل، فإن روسيا تخرج من سباتها كقوة عالمية رائدة، وقد أصبح هذا واضحًا في مناطق نفوذها الكثيرة، مثل: آسيا الوسطى، وأوروبا الشرقية والوسطى، ومنطقة البلقان.
وفي هذا السياق، يبدأ التقرير بتقديم السياق التاريخي للتواجد الروسي في المنطقة وتقليديًّا في عهد ما بعد الحُقبة السوفيتية، فلم تكن علاقة روسيا ببلاد الشرق الأوسط قوية، حيث تأثرت علاقتها مع الغرب بقدرتها على المشاركة وطبيعة أهدافها في المنطقة، فعلى سبيل المثال، عندما تكون العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا جيدة، فإن روسيا تحدد عملها تحت عباءة السياسة الغربية؛ فبعد هجمات 11 سبتمبر وتحسن العلاقات الأميركية الروسية، قلَّصت روسيا من علاقاتها مع إيران التي كانت تعتبر الخصم الرئيسي لإدارة «بوش». وفي العام 2011، وبعد التقارب بين «بوتين» و»أوباما» الرئيس الأميركي السابق، لم تستخدم روسيا حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن رقم (1973) والذي سمح لفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بالتدخل في ليبيا. وعلى النقيض من ذلك، عندما عارضت روسيا التدخل الغربي في العراق العام 2003، فقد سعت إلى إعادة التعاون السريع مع طهران فيما يخص السياسة الإقليمية.
ومن ثم، يعتبر «كوزانوف» في العام 2012 بمثابة نقطة التحول في هذا النهج، وذلك في أعقاب إعادة انتخاب «بوتين» رئيسًا لفترة أخرى. فعلى مدار العام تقريبًا، تبنت روسيا نهجًا واسع النطاق على نحو غير عادي لإعادة انخراطها في الشرق الأوسط؛ في محاولة لإقامة علاقات دبلوماسية جيدة مع مجموعة واسعة من الدول وبالأخص على صعيد القضايا السياسية والاقتصادية، وقد نشأ هذا كرد على العزلة المتزايدة لروسيا عن الغرب بعد تدهور العلاقات، خصوصاً بعد العام 2014 جراء السياسة الروسية تجاه أوكرانيا، والتي جعلت روسيا تسعى إلى حلفاء جدد وأقل تقلبًا.

منفذ روسي
والجدير بالذكر حسبما طرح التقرير، أن المنطقة قدمت منفذًا جيدًا لروسيا من خلال إتاحة الفرصة لتعزيز الدب الروسي لعلاقاته مع العالم الإسلامي؛ وذلك لاسترضاء الخصوم المحتملين في داغستان والشيشان، فضلًا عن آسيا الوسطى والقوقاز بما تشملهم من دول مُسلمة. ومن هنا مثلت المنطقة منفذًا يُمكن لروسيا أن تتحدى فيه أو تتعاون مع الغرب من أجل إثبات نفوذها الدولي، وهو ما دفع روسيا في المقام الأول إلى المشاركة في الاتفاق النووي الإيراني، وقد أسفرت هذه المحاولة التي تتصف بالحذر من جانب موسكو عن مشاركتها في تعزيز عدد من الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف، مثل ما وقعته مع قطر ومصر وإيران، إلى جانب مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
وفي الوقت نفسه، فإن الأحداث التي وقعت في إطار الحرب الأهلية السورية، وعلى وجه التحديد تطور تنظيم «داعش»، ساعدت في زيادة إعادة الانخراط الروسي اليوم عن طريق النهج العسكري في الشرق الأوسط. ومع استمرار الحرب، فقد لجأت روسيا إلى القوة الجوية والتدخل بقوات عسكرية لدعم نظام الأسد ومهاجمة «داعش»؛ وذلك بسبب تزايد أعداد الروس والمقاتلين من وسط آسيا الذين ينضمون إلى صفو الجماعات الجهادية في سورية، فضلًا عن التدخل الغربي المحتمل لدعم الفصائل المتمردة التي تؤوي عناصر إسلامية متشددة.
وأشار «كوزانوف» في تقريره إلى أن موسكو قررت إرسال قوات عسكرية إلى سورية ليس فقط لتحقيق هدفها بإحباط جهود الدول الغربية للإطاحة بنظام «بشار الأسد»، بل أيضًا بسبب مخاوفها من أن سقوط النظام السوري قد يؤدي إلى عدم الاستقرار وانتشار الإسلام المتطرف في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ولعل الهزيمة البطيئة لتنظيم «داعش» والمتمردين المعادين لنظام «الأسد» منذ العام 2015، إلى جانب تضاؤل تركيز الدول الغربية على الحرب ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وكذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز «دونالد ترامب» في الانتخابات الرئاسية الأميركية ونهجه الانعزالي، جعل روسيا تجد نفسها صاحبة النفوذ بشكل غير رسمي في سورية. وفي هذه المرحلة، تغيرت سياستها الإقليمية من كونها «متفاعلة» مع الأحداث وأصبحت أكثر استباقية، حيث سعت إلى ملء الفراغ الجيوسياسي من أجل المضي قدمًا في تحقيق مصالحها، من خلال مساعدتها للأسد على استعادة نفوذه العسكري والسياسي، وهي تحاول فرض السلام بشروطها الخاصة من خلال محادثات أستانة للسلام.
لذا، يرى الأكاديمي أنه يُمكن اعتبار التدخل الروسي المتصاعد في الشرق الأوسط منذ العام 2012 تم نتيجة ثلاثة عوامل تحفيزية، وهي:
• الأول: رغبة سياسية لمواجهة النفوذ الغربي في المنطقة عقب الخلاف الروسي- الغربي بشأن أوكرانيا، وقد تجلى هذا في التدخل الروسي في ليبيا وسورية.
• الثاني: مخاوف أمنية حول تنامي «داعش» والجماعات الجهادية الأخرى التي سحبت مقاتلين من روسيا وآسيا الوسطي إلى سورية والعراق.
• الثالث: الحاجة الاقتصادية لتوسيع سوق التصدير الروسي وزيادة الاستثمار وتوسيع السيطرة على سوق النفط والغاز، حيث استخدمت موسكو قدراتها الصلبة لتثبيت نفوذها المباشر. ففي سورية، نشرت قواتها العسكرية للحيلولة دون سقوط نظام «الأسد» في قبضة «داعش» والجماعات الكردية والقوات المنشقة. وفي ليبيا، حاولت زيادة نفوذ الفصيل السياسي والعسكري لحفتر.
ومن ناحية أخرى، أشار «كوزانوف» في هذا التقرير إلى وجود علاقة مثيرة للاهتمام بين الدافع والعمل وهي الخسائر الاقتصادية، التي تمثل عاملا غالبا ما يتجاهله المعلقون الذين يركزون بشكل حصري على الشأن الجيوسياسي والأمني. فعقب انتفاضات الربيع العربي والإطاحة بعدد من القادة العرب، عانت الشركات الروسية بشدة بسبب تعطل أعمالها التجارية، وخصوصاً في سورية وليبيا. وبعد الحرب الأهلية في ليبيا، قالت شركة «روسوبورون أكسبورت» الروسية للأسلحة إنها خسرت 4 مليارات دولار، في حين خسرت شركة «السكك الحديدية الروسية» عقود حالية ومستقبلية بقيمة 2.2 مليار دولار، كما تعرضت شركات روسية في قطاعات الإنشاء والبنية التحتية والطاقة والمعدات العسكرية لخسائر مماثلة في سورية.
لكن تماشيًا مع النهج الاستباقي الروسي في المنطقة، نجحت روسيا في تحقيق أهدافها الاقتصادية بشكل كبير خلال الأعوام القليلة الماضية؛ حيث إنها لا تحاول فقط تخفيف الأضرار التي لحقت بمصالحها الاقتصادية القائمة في سورية وليبيا، بل تبذل جهودًا كبيرة لفرض نفوذها في المنطقة باعتبارها قوة اقتصادية رئيسية.
ومن خلال ذلك، صرح التقرير بأن السياسة الروسية تقوم على محاولات جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من دول الشرق الأوسط إليها، فقد وقعت روسيا على عدد كبير من العقود مع البحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية من خلال صندوق الاستثمار المباشر الروسي، فحسبما ذكر «كوزانوف» أن السعودية وقطر لديهما استثمارات ضخمة في روسيا، فتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات السعودية المباشرة في روسيا تبلغ وحدها 10 مليارات دولار.

الحلفاء الجدد
واستكمالا لشكل المصالح الاقتصادية الروسية، أوضح التقرير أنها كانت متوجهة نحو الخارج في الفترة بين عامي 2012 و2017، كما زادت الصادرات الروسية إلى المنطقة بشكل كبير من خلال إقامة علاقات مع حلفاء جدد مثل المغرب والإمارات، وذلك في إطار بحثها عن أسواق جديدة لمنتجاتها، والأهم من ذلك كله هي تلك الجهود المتضافرة التي تبذلها الحكومة الروسية لتوسيع نطاق سيطرتها على قطاع النفط والغاز بالشرق الأوسط بأكمله، سواء كان ذلك عبر الاستكشاف أو الشراء أو استغلال تلك المنطقة كسوق للتصدير.
وعلاوة على ذلك، سعت الحكومة الروسية إلى التصدي لآثار تراجع أسعار النفط العالمية التي عصفت باقتصادها منذ العام 2014 من خلال تخفيض القدرة التنافسية، وتستمر موسكو حاليا بالاستثمار في المزيد من حقول النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتولاها شركات خاصة وحكومية روسية في العراق وإيران؛ ما يجعل موسكو تحظى بنصيب أكبر في سوق النفط العالمي، وينطبق الشيء نفسه على الغاز الذي أصبح محط اهتمام موسكو في السنوات الأخيرة كجزء من مرحلة تنوعها الاقتصادي بعيدًا عن مسألة اعتمادها على النفط فحسب، فمنذ العام 2012، نسقت روسيا في مجال التنقيب عن الغاز واستحواذها على حصصه مع عدد من البلدان، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وقطر والجزائر وإيران.
وفي حين أن الأدوار الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي تمارسها روسيا في المنطقة تجعلها لاعبا أساسيا في الشرق الأوسط حاليا بعدما كانت غائبة عنه تقريبًا قبل عقد من الزمان، إلا أن الصحافيين الأميركيين والأوروبيين والأكاديميين غالبا ما يرفضون وصف النهج الإقليمي الروسي بالانتهازية والنفعية، ولكن اعترف «إيشان ثارور»، وهو صحافي بارز في صحيفة واشنطن بوست الأميركية، بأن روسيا توسع نطاق قوتها في الشرق الأوسط «في الوقت الذي تكون فيه السياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط غير متسقة وغير متماسكة بشكل لا يصدق»، ولكن يبقى تفسيره الحقيقي الوحيد لهذه القوة الروسية هو في كيفية «استخدام أوراق اللعبة بشكل جيد».
نجح تقرير «كوزانوف» في تفسير أسباب قوة الدب الروسي من خلال تقديم فهم شامل لكيفية نجاح موسكو في فرض هيمنتها على المنطقة، ويكمن «العامل الأول» في البراغماتية؛ حيث «تمكنت روسيا من إقناع شركائها السياسيين بالتركيز على مناقشة قضايا الاهتمام المشترك التي تمكن الأولى ودول الشرق الأوسط من أن يتعاونا سويا بدلا من محاولة سحب روسيا إلى مرمى الخلافات الإقليمية، أما «العامل الثاني» يرتكز على قوة الدور الروسي في أيدلوجيته المغايرة للدول الغربية؛ حيث يميل الغرب إلى انتقاد حلفائه الذين تتعارض عقائدهم أو أساليب حكمهم مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان حيث لا تسمح روسيا لانتهاكات حقوق الإنسان الإيرانية بالتأثير على مسألة تعاونها مع الجمهورية الإسلامية، كما أنها لا تنتقد إسرائيل لسياساتها العنيفة تجاه الفلسطينيين، رغم وجود علاقة عمل بينها وبين السلطة الفلسطينية، وبإلقاء النظر على «العامل الثالث» فهو يرتبط بالانتهازية التي «تستغلها روسيا جراء أوجه القصور التي تظهر في السياسات الغربية حيال الشرق الأوسط»، فإذا كان الغرب يحمل عداءً لإحدى الدول، كما هو الحال مع أميركا وأوروبا لتركيا في الوقت الحاضر، فإن حكومة «بوتين» توسع نطاق جهودها لإثبات أنها أكثر حليف موثوق به وأكثر نفعًا على المدى الطويل.

ارتفاع التكلفة
ورغم قوة الدب الروسي في الهيمنة الإقليمية، فهناك عدد من العوامل التي تقيده وتحول دون هيمنته على المنطقة، فحسبما أكد «كوزانوف» في تقريره، أن أهم هذه العوامل يظهر في مسألة التكلفة؛ ففي الواقع أن عملية الحفاظ على فاعلية روسيا في المنطقة لاسيما حملتها العسكرية في سورية يعد أمرًا مكلفًا، بالإضافة إلى أن موسكو لديها التزامات في جهات أخرى، بما في ذلك الحفاظ على السلام في الشيشان والاستمرار في قتالها لأوكرانيا في جزيرة القرم وحوض دونيتس، جنبًا إلى جنب مع ضغوط مالية أخرى مثل تضاؤل الإيرادات الضريبية والتضخم وهبوط العملة الروسية.
وختامـــــــــًـا، ففي الوقت الذي تتمتع روسيا بدرجة من النفوذ الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط، يتوقع الكاتب في تقريره أن استدامة هذا النفوذ الروسي أمر غير متوقع. فعلى الصعيد المحلي، مع استمرار ضعف الاقتصاد الروسي، جنبًا إلى جنب مع تحالفات موسكو الحالية الهشة مع دول متصارعة- مثل إيران وإسرائيل والسعودية وتركيا- يُحتمل أن تنهار هذه التحالفات بسهولة. وما يسفر من تفاقم ذلك، احتمالية الانخراط الغربي مرة أخرى في المنطقة مستقبلا، فمن المؤكد أن الغرب سيستفيد بالتأكيد من موارده الكبيرة وتحالفاته العميقة في المنطقة لزعزعة استقرار النفوذ الروسي.