النقد الموجه لمنهج الوحدات المنفصلة مرة أخرى شفافيات

0 82

د. حمود الحطاب

ايها الإخوة والأخوات هذه مقالة كتبتها ايام كانت السيدة موضي الحمود وزيرة للتربية، فكم وزيرا مر على الوزارة بعدها من دون أن يأخذوا في الاعتبار مثل هذا النقد العلمي الدقيق لمناهج التعليم، فماذا نحن كاتبون أكثر من هذا؟ وقد اعدت ارسالها مرة أخرى لأن حكومتنا”الرشيدة” قالت قبل ايام انها تريد أن”تتطور” بالاستماع لآراء المواطنين، وانا”مو بس مواطن ما يواطن الغلط”؛انا متخصص دقيق في علوم التربية، و”يالا ورونا شلون راح تاخذون بالنصايح، تفضلوا اقروا”.
أعزائي المحترمون: عبنا وانتقدنا كثيرا منهج الوحدات الدراسية المنفصلة، ونعني به انفصال كل مادة دراسية عن الأخرى في عملية بناء فكر واتجاهات المتعلم في العملية الدراسية في المراحل التعليمية المختلفة، وهو المنهج الرخيص الذي أسس عليه التعليم في الكويت. وقلنا إن البعثة العربية المصرية الشقيقة اختارت هذا المنهج للتعليم عندنا وقت تأسيسه، وقلنا أيضا إنها وهي تبنيه لم تبنه على أسس علمية سليمة؛ فكان هناك ازدواج قصور في تأسيس التعليم ما بين نوع المنهج الرديء المختار، وما بين خطأ وقصور بنائه كانت له نتائج سلبية على التعليم والمتعلمين، وكان من المستحيل إصلاحه بسببها.
وقد رأيتم الزمن الطويل يمر على التعليم في الكويت، ورأيتم الأحداث والتطورات والتغيرات تتوالى وتتلاحق محليا وعالميا ولم يتم إصلاحه.
ولقد كانت هناك عمليات ترقيع للمناهج تكررت كثيرا بزعم التطوير اجرتها إدارات المناهج المتعاقبة، وليس لها جدوى تذكر. كانت مجرد عمليات حذف وإضافة وما شابهها، ولم تكن هناك عملية إعادة بناء للتعليم على أسس علمية سليمة، ومن الجذور تبدأ عمليات الإصلاح للتعليم وليس ترقيعا.
ولقد تأسس التعليم عندنا، كما قلنا وكررنا، ضعيفا ومعوجا لأسباب عدة أوضحها: إن تم اختيار منهج الوحدات المنفصلة منهجا للتعليم المدرسي عند تأسيسه، ولم يتم اختيار أنواع أخرى من المناهج؛ وهذا المنهج معاب تربويا ووجهت له انتقادات مهمة، فما نقاط قصور منهج الوحدات الدراسية المنفصلة هذا الذي نعيبه؟
واسمحوا لي أن أتحدث باختصار في هذا الموضوع المتسع جدا، وأعد إن شاء الله أن أرجع له في وقت وأخصص له مقالات عدة، وليس مقالة واحدة، إن كان في العمر بقية.
هذه أوجه قصور المنهج ذي الوحدات المنفصلة الذي تتم العملية التربوية المدرسية من خلاله في مدارسنا منذ تأسيسه وإلى اليوم:
يعتمد على حشو الذهن بالمعلومات والمعارف، لأنه يقوم على أساس التفريق بين البدن والعقل، فلا شمولية في وحدة بناء الإنسان فيه؛ هو يهتم بالمادة التعليمية ويهمل قدرات المتعلم، وهذا قصور واضح في فلسفته، وقد عفا الزمن على هذا التفكير الخاطىء.
كما أنه لا يهتم بمطالب نمو المتعلمين أثناء عملية بنائه أو تطبيقه، فهو يهتم كما أسلفنا ويركز على المعرفة وكميتها؛ وهو لا يهتم بطبيعة المجتمع الذي يتعلم فيه المتعلم أيضا، ومن هنا يتوه خريج هذا المنهج!
هل أصبحتم الآن أكثر استيعابا لنتائج ومخرجات تعليمنا التي تشكون منها دوما؟
ومن ضعف هذا المنهج وعدم خصوصيته في عمليات البناء التربوي فإنه يمكن نقل هذا المنهج من مكان إلى آخر ومن دولة إلى دولة، بل ومن زمن إلى زمن دون تغييرات جذرية تذكر، وهو ما حدا بنقل منهج بعض دول الخليج في اللغة الإنكليزية إلى الكويت من دون تغيير!
وما حدا بأن تبقى المناهج نفسها تدرس ولعشرات السنوات من دون تغيير يذكر. إنه منهج ميت كما ترون ولا حساسية فيه لشيء حوله، وفعلتها وزارة التريبة بمنتهى الكسل، فلم تغير شيئا في مناهج الإنكليزي المنقولة ليتوافق ذلك مع المجتمع ولو شيئا قليلا.
وتقدم المواد الدراسية في منهج الوحدات المنفصلة من دون رابط بينها يساعد على توحيد شخصية المتعلم، وهو منهج يشجع التعليم النظري، على حساب الجانب العملي، فلا بركة علمية في انتاجه كما ترون؛ وهو يركز على عمليات الحفظ والتسميع، ولا يهتم بأنشطة التعلم التي تواكب المادة، فالمتعلمون لا يمارسون خبرات ما يتعلمون، وبالتالي فهم نظريون غير مجربين.
وتتم عمليات تقويم المتعلمين في هذا المنهج على أساس الحفظ والتسميع، فلا حوار عقليا ولا إبداع وتفكير واستنتاجات، ويهتم المعلمون والمدرسون والمربون في هذا المنهج بالخطابة في التدريس، ولا يستعملون طرق التربية الحديثة، وربما يلجأون إلى ضرب المتعلم بدلا من تغيير أساليب إقناعه بالموضوعات التي تدرس؛ وهذا المنهج بالتالي يساعد على اللجوء إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية، لأن الطريقة الإلقائية في التدريس لا تتناسب مع أفهام وقدرات جميع المتعلمين، وهو بعد هذا كله يلغي الفروق الفردية بين المتعلمين ويلغي قدراتهم، ويعتمد المنهج العقيم هذا على نظام التسلسل المنطقي في السهولة والصعوبة أو من الجزئي إلى الكلي، وليس هذا يعني حسن التربية أو جودة التعليم، فلقد يحدث هذا التنقل البطيء وغير الضروري أحيانا مللا وسأما عند المتعلمين النابهين، فهذا الأسلوب جامد ويسبب كسل المتعلمين، ولا يسارع في نشاطهم وإبداعهم، وهذا المنهج بعيد عن الواقع الحياتي للمتعلم عموما، لأنه في الأكثر يتأثر بشخصية بانيه من المؤلفين وثقافته الخاصة ويصطبغ بها. الطريف أعزائي أننا ندرس هذا الكلام ومثله وحوله لطلابنا في الجامعات التي تؤسس المعلمين، ليذهبوا بعد كل هذا النقد الذي نبني أفكارهم واتجاهاتهم من خلاله، ونقيم فهمهم له، إلى المدارس فيجدوا المنهج نفسه الذي أشبعناه لهم نقدا أثناء إعدادهم، كما ترون من خلال تدريسهم إياه ليجدوه أمامهم واقفا كالصنم الجامد، فيدرسونه للمتعلمين وهم له كارهون.
وما ذكرته هنا من نقد منهج الوحدات الدراسية المنفصلة هو جزء مما درسته أنا شخصيا في الجامعة للطلاب المعلمين.
…وإلى اللقاء.

كاتب كويتي

You might also like