الهاتف الذكي… خراب بيوت أحد الأسباب الرئيسة لتصدُّع العلاقات الزوجية

0 216

القاهرة – محمد إسماعيل:

ينشغل جل الأزواج وكذلك الزوجات بمتابعة رسائل ومحادثات “الواتس أب” وتصفح “الفيسبوك” و”تويتر” عبر هواتفهم الذكية، التي باتت أحد الأسباب الرئيسة وراء تصدع العلاقات الزوجية، وباتت تهدد بفشل الكثير من الزيجات وزادت من حدة التوتر بين الشريكين، نتيجة لإهمال أحد طرفي العلاقة للآخر وتفضيله البقاء علي الموبايل الذكي بدلا من التحدث مع الشريك أو الاهتمام به، وأصبح من الواضح أن الاستخدام المفرط من قبل الزوج أو الزوجة للهاتف الذكي من شأنه أن يقتل العلاقة العاطفية بين الزوجين ويصيبها بالملل والفتور، فالعديد منهم يقضون أوقات طويلة بمكان وأحد، لكن الهاتف الذكي يفرق ويباعد بينهما فدائما ما ينشغل أحد الشريكين بهاتفه، ورغم أن الهواتف صنعت من أجل زيادة التقارب والتواصل، فإنها تحولت اداة لتخريب” العلاقة الزوجية، فمجرد عبث أحد طرفي العلاقة الزوجية بأزرار هاتفه الذكي أو النظر في شاشته أو تحريكها تتحول تلك التصرفات إلى مشاكل تهدد الحياة الزوجية وتعكر صفوها.
وكشفت دراسة اجتماعية حديثة أجريت في جامعة أوكسفورد البريطانية، أن الأزواج يفرق بينهم الهاتف الذكي، وأن أكثر من نصف المشاركين في الدراسة وعددهم 3500 زوج اعترفوا بأنهم اهتموا بهواتفهم الذكية أكثر من نصفهم الآخر، وأهملوا شركاء حياتهم الزوجية، بل فضلوا تلك الهواتف عليهم، لدرجة أن تجاهل الشريك الآخر في العلاقة الزوجية والانشغال والتركيز على الهاتف الذكي بات سمة وممارسة شائعة بالكثير من المجتمعات، وأصبح أحد الزوجين يستخدم هاتفة الذكي أثناء الطعام وداخل المنزل وحتى في غرفة النوممن دون اهتام بمشاعر الطرف الآخر. وأشارت الدراسة إلى أن كبار السن هم الأكثر تفضيلا لهواتفهم الذكية علي زوجاتهم، أما النساء حديثات الزواج فكن الأكثر إقداما على إهمال رجالهن بسبب الهواتف الذكية، وقالت الدراسة إن استخدام أحد الزوجين للموبايل أثناء وجودهما معا يبعث على الغيرة ويقطع الحديث والتواصل بين الشريكين ويؤدي لظهور الصراعات والمشكلات بين الزوجين ويؤثر على العلاقة العاطفية بينهما ويسبب الاكتئاب.
وتوصلت الدراسة إلى أن العلاقات الزوجية ستفقد مكانتها العاطفية والإنسانية، بسبب الإفراط في استخدام أجهزة الهاتف المحمول، موضحة أن الوقت الذي يقضيه الزوج مع جهازه المحمول أثناء الليل، سيجعله مع مرور الوقت يفقد الحاجة إلى التواصل مع زوجته أو العكس، وأشارت الدراسة إلى أن الزوج والزوجة أصبحا مشغولين بفحص وإرسال رسائل بريدهما الإلكتروني أو الرسائل القصيرة، أو مشاركة أصدقائهما المنافسة في لعبة “كاندي كراش” الشهيرة، بدلا من مداعبة الزوج لزوجته أو التحدث معها في أمور ومشكلات الحياة الأسرية والاهتمام بالأولاد، كما تزيد نسبة الخيانة الإلكترونية وسهولتها، وهو ما قد يتسبب في المزيد من تفكك الأسرة المعرضة للصمت أو الخرس الزوجي أصلا، وأكد العلماء على الحرص ألا يأخذ الهاتف الذكي من الوقت المخصص للشريكين ووضعه جانبا في حال وجودهما بالبيت، لأن وجوده إلى جانب الزوجين لا يؤثر فقط على قدرتهما على الاسترخاء بل أيضا على علاقتهما الحميمة. وفي هذا التحقيق نستطلع آراء الأزواج في تأثير الهاتف الذكي على العلاقة الزوجية، ونقدم رؤية علماء الاجتماع والنفس وخبراء الأسرة حول دور الهاتف الذكي في تخريب البيوت وطرق التغلب على تلك المشكلة.
تقول سماح حسني 28 عاما، متزوجة وأم لطفلين: الهاتف الذكي ضرة ثانية، ومصدر حقيقي للصراع والخلاف وسبب رئيس في عدم التفاعل الرومانسي وفشل العلاقة الزوجية بصورة تزيد عن العوامل المالية والاجتماعية والأسرية، فالزوج عندما يكون في المنزل بجسده فقط،وروحه ومشاعره وأحاسيسه مشغولة مع هاتفه الذكي يتابع المحادثات والرسائل علي وسائل التواصل الاجتماعي ويتجاهل زوجته، فإن هذا السلوك يشعر الزوجة بالإساءة وينقص من كرامتها ويجعلها دائما متوترة وقلقة بشأن حب وإخلاص زوجها لها، وبسبب كثرة انشغال الزوج بهاتفه الذكي يتشاجر زوجان وتتفاقم المشكلات والخلافات التي ربما تهدد بحدوث الطلاق.
حسين عبد الله،مدرس 49 عاما: الهاتف الذكي أصبح الشغل الشاغل للكثير من الأزواج، ويزداد الأمر سواء داخل المنزل فإدمان أحد الزوجين وانكبابه على الهاتف يشعر الشريك بالإهمال والنقص والتجاهل ويقوض العلاقة، وقد يكون سببا في حالة من عدم الرضا عن الحياة الزوجية وإضعافها وتقليل التفاعل بين الشريكين، فتفضيل الهاتف الذكي والانشغال به داخل البيت يصدر للزوجة فكرة أنها شخصية غير مهمة في حياته أو إنها مملة لا يستمتع بصحبتها أو الجلوس والحديث معها، ويؤدي لنشوب الكثير من المشكلات التي تنتهي غالبا بالطلاق.
ياسمين علاء الدين، جامعية: الاستخدام السيئ للهاتف الذكي أصاب العلاقة الزوجية في مقتل، فالكثير من الزوجات عندما يجدن أزواجهن منشغلين بهواتفهم الذكية تنتابهن شكوك بأنهم على علاقة عاطفية بأخريات، ويصيبهن الشك والغيرة ويحاولن التجسس على أزواجهن ومحاولة الاطلاع على هواتفهم، وإذا اكتشفن شيئا تدب المشاجرات والخلافات التي غالبا ما تنتهي بالانفصال، وإذا لم يجدن شيئا يعشن في حيرة وقلق واضطراب وصراع واكتئاب نتيجة لانشغال أزواجهن بهواتفهم. والكثير من الرجال يعتقدون أن انصراف الزوجة من حين لآخر للعبث في شاشة الهاتف سلوك سخيف ويشعر الطرف الآخر بالإهانة وعدم الاكتراث بوجوده أصلا. وهناك أزواج تأثرت علاقاتهم بشدة بسبب الانشغال بالهاتف الذكي،حيث فقدوا آليات الحديث والتواصل وأصيبت علاقاتهم بالفتور والملل والخرس الزوجي الذي يؤدي على المدى الطويل والبعيد للكراهية والانفصال.
ياسر محمد،مهندس 33 عاما: للهاتف الذكي الكثير من الايجابيات التي يشهد بها الجميع، ولكن الاستخدام السيئ والمفرط من قبل بعض الأزواج ساهم بشكل كبير في تدمير الروابط الزوجية، وتشكيل حاجز نفسي بين المتزوجين، وتساعد على تأجيج المشكلات والخلافات بين الشركاء، فمن الطبيعي إذا رأى الرجل زوجته تنخرط كثيرا في متابعة “الفيسبوك” أو مناقشات “الواتس آب” أو “الماسنجر” أو “تويتر” أو “يوتيوب” أثناء وجوده معها يشعر بالضيق من ذلك والغيرة، وينتابه شعور بأنها تفضل وتهتم بمتابعة هاتفها الذكي أكثر من اهتمامها بوجوده معها، وأيضا يحدث الشعور ذاته بالنسبة للزوجة إذا كان الزوج منشغل عنها بالموبايل.

مصدر للنزاعات
تقول الدكتورة رشا رضوان أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة: الهاتف الذكي أصبح مصدر للنزاعات والمشكلات، فهناك أزواج وزوجات متعلقون بهذه الهواتف بشكل غير معقول ويقبلون عليها بطريقة غير مبررة تكاد تصل لحد تدمير العلاقة الزوجية، فكلما زاد الوقت الذي يقضيه احد الشريكين على الهاتف الذكي أثناء تواجدهما معا قل الرضا عن العلاقة وزادت المشكلات والصراعات بينهما، بل والأخطر من ذلك أن تلك الهواتف الذكية قادرة على زيادة الصمت والخرس وتمزيق الروابط الزوجية وتمهد الطريق للشك والغيرة والخيانة العاطفية، فالانشغال بالهاتف الذكي من قبل أحد الزوجين لا يؤثر فقط على قدرتهما على الاسترخاء بل أيضا على علاقتهما الحميمة.
وأضافت أن الهاتف الذكي سرق الرجل من زوجته، والمرأة من زوجها وأصابهما بالغيرة والشك والتشتت ودفعهما للانزواء والعزلة وتفكيك الأسرة، ولعب دورا مؤثرا في الصمت والخرس وفتور العلاقة الزوجية وعدم التفاعل والتواصل والتباعد بين الزوجين، الذي وصل في بعض الأحيان إلى التسبب في انهيار تلك النواة الاجتماعية وتفككها وحدوث الطلاق، فلقد أفادت الكثير من الدراسات الاجتماعية الحديثة أن معدلات المشاكل والخلافات العاطفية وغياب الرومانسية والتواصل وحدوث الطلاق بين الأزواج تزايدت بسبب الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي، فالانشغال والاستخدام المفرط للهاتف الذكي من قبل الزوج أو الزوجة لمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي “الواتس أب” و”الفيسبوك” و”الماسنجر” و”انستغرام” و”السنابشات”و”تويتر” و”يوتيوب”، سبب رئيس في أغلب حالات الطلاق التي وقعت في السنوات الأخيرة، ففي استراليا وجدوا أن واحدا من كل خمسة أزواج يشكل لهم الهاتف الذكي المسبب الرئيس لتفكيك العلاقات الزوجية، ورصدت الولايات المتحدة أن 66بالمئة من حالات الطلاق بسبب التركيز علي الهاتف الذكي وتجاهل وإهمال الشريك الآخر.
وأوضحت أن الأمر يزداد تعقيدا بين طرفي العلاقة الزوجية إذا اكتشف أحدهما رسائل غير ملائمة على الهاتف الذكي للآخر، أو ظهر له سلوك غير مرض، فسوف يؤدي ذلك إلى وقوع المشكلات الزوجية وانفراد عقد العلاقة القوية بينهما والتأثير سلبيا على المشاعر من خلال إهمال الطرف الآخر،وعدم تمضية وقت كاف معه، فالكثير من الأزواج والزوجات يقضون أوقاتا طويلة على الوسائل التكنولوجية لمراقبة نشاط شركائهم، والأخطر من ذلك أن تلك الهواتف الذكية صرفت انتباه وتركيز الأزواج على زوجاتهم وأدت لتجاهل وإهمال الزوجات لأزواجهن،وأضعفت الثقة وأشعلت نار الغيرة الحارقة التي تدمر كل شيء بين الشركاء عند ملاحظة أحدهم للآخر وهو يتواصل مع أشخاص غرباء، فلقد كان الموبايل سببا في خراب الكثير من البيوت العربية، وحولها لمدمنين وأصابها بالصمم والبرود وعدم التواصل والإهمال، وأصبح الشرارة الأولى للمشاكل اليومية المتزايدة والمستمرة والتي غالبا ما تنتهي بالتفريق بين الأزواج وحدوث الطلاق.

جدار العزلة
يصف الدكتور بسام مسعود استشاري الصحة النفسية، تأثير الهاتف الذكي على الحياة الزوجية، بأنه صنع جدار من العزلة عن أقرب الناس،والجاني والمتسبب الأول في انهيار التواصل والتفاعل بين الزوجين، الغارقين في متابعة التطبيقات علي الهاتف الذكي ما بين “تويتر” و”فيسبوك”، و”انستغرام” و”السنابشات” وغيرها، فقد غير معالم الحياة الزوجية، وأصبح الزوجان يتواصلان ويتحدثان مع القاصي والداني، وداخل جدران المنزل شعارهم الخرس والصمت ويغرقان نفسيهما في النزاعات والمشاجرات والخلافات، وبسبب الاستخدام السيئ للهاتف الذكي تحول عش الزوجية الهادئ لمكان للنكد والتوتر والقلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فالهاتف الذكي يؤدي للإصابة باللامبالاة والإدمان، وتشير الإحصائيات إلى أن المرأة أكثر إدمانا على الهواتف الذكية من الرجل، حيث تبلغ نسبة الإناث المدمنات واللاتي يخشين فقدان الهاتف أو نسيانه 70 بالمئة، و36 بالمئة منهن يملن إلى امتلاك أكثر من هاتف، وتزداد نسبة الإصابة بهذا الإدمان بين صفوف الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و25 عاما، وقد أكدت دراسة بريطانية أن 70 بالمئة من النساء يجدن الهواتف الذكية أهم من أزواجهن.
وأشار إلى أن صفير الإشعارات على الهاتف الذكي يمنع إقامة علاقة عاطفية بين الزوجين، ويزيد من الأنا والقلق والتوتر ويخل بالتوازن والاستقرار الاجتماعي داخل الأسرة، حتى أنه أصبح وسيلة للهروب لعالم افتراضي وتجنب التعامل المباشر والعزوف عن القيام بالواجبات والمسؤوليات وإقامة علاقة زوجية وأسرية واجتماعية ناجحة، فالزوجة تعاني من شرود زوجها ذهنيا ونفسيا في عالمه الافتراضي، والزوج يندب حظه من انشغال زوجته وإهمالها في واجباتها المنزلية والزوجية،وتفضيلها هاتفها الذكي عليه، كما أن اهتمام أحد الزوجين بهاتفه الذكي وتجاهل الطرف الآخر اوجد أزمة ثقة، وأدى للوقوع في الخيانة فقد كشفت دراسة أن 45% من البريطانيين اعترفوا بأنهم أقدموا على خيانة نصفهم الآخر بسبب اهتمامهم بهواتفهم الذكية النقّالة أكثر منهم.

وقت بلا هاتف
ترى هدى توفيق خبيرة العلاقات الأسرية، أنه لتلافي الآثار السلبية للهاتف الذكي على العلاقة الزوجين يجب تخصيص وقت للجلوس معا والتحاور والتواصل والتفاعل من دون هاتف للوصول للسعادة وإعادة الدفء للعلاقة الزوجية، فتجاهل الشريك وتفضيل التليفون عليه كفيل بتدمير العلاقة بين الاثنين، أيضا يجب وضع “اتيكيت” جديد يتم التوفيق فيه بين الهاتف الذكي والاحتفاظ بعلاقة زوجية جيدة،أو بمعنى آخر “اتيكيت” يحافظ على مكانة الشريك قبل مكانة التليفون، فمن الضروري عدم حمل الهاتف من قبل الزوج أو الزوجة إلى غرفة النوم، ويفضل عدم استخدامه عند خروج الزوجين لتمضية عطلة نهاية الأسبوع، كذلك من الضروري تخصيص وقت لقضائه مع الشريك دون استخدام الهاتف الذكي أو النظر في شاشته أو العبث بأزراره، ويجب عدم الإفراط في استخدام الهاتف الذكي لتجنب آثاره السلبية علي الحياة الزوجية، وينبغي على الشريكين أن يضعا نصب أعينهما أن عدم وضع حدود لاستخدام الهاتف الذكي يعرضهما للإدمان ويزيد المسافات الفاصلة بينهما ويفرق بينهما، ويجب على شركاء الحياة الزوجية تعظيم الاستفادة من ايجابيات الهاتف الذكي كان يتم عبره ارسال رسالة نصية تقول فيها “أنا أحبك” فهذا التصرف يعزز مشاعر الحب بينكم، ولكن يجب ألا تغني هذه الوسائل المادية عن التواصل المعنوي بين الأزواج وإلا ستتدهور العلاقة.

You might also like