دروسها المستفادة عطاء يتجدد كل عام

الهجرة النبوية ليست احتفالاً سنوياً وكلمات تلقى إنما مبادئ وقيم ومنهج لحياة آمنة مستقرة دروسها المستفادة عطاء يتجدد كل عام

الهجرة حركة تجديد مستمرة يجب أن نغوص في معانيها السامية

لم تتم هجرة الرسول بصورة عشوائية او مجرد رغبة في الهروب وطلبا للراحة، لكنها كانت نقلة ستراتيجية محاطة بالمخاطر والصعاب من اجل سعادة البشرية في كل زمان ومكان

يحتفل المسلمون في مشارق الارض ومغاربها في كل عام بذكرى خالدة، الا وهي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، وبهذه المناسبة العزيزة المباركة نلقي الضوء على مفهوم الهجرة واهميتها الستراتيجية في تاريخ الامة الاسلامية، وما في الهجرة من دروس وعبر ومواقف نحن في امس الحاجة اليها لتصحيح مسيرة الحياة، بما يعود على الناس كل الناس في كل زمان ومكان بالامن والخير والسلام.
الحديث عن الهجرة يجب الا نقف عند مظاهرها ونسرد التفاصيل التي وردت عنها، بل نحن مطالبون بالغوص في اعماقها المعنوية والثقافية والايمانية وغيرها لتكون بمثابة الزاد والتزكية للقلوب المؤمنة والتقدم الحضاري للمجتمعات والناس اجمعين.
ذلك لأن الهجرة بمعناها الشامل حركة تجديد مستمرة وعامل من عوامل قوة الامة الفكرية والمادية.. كونها تتمحور حول مثلها الاعلى وقدوتها واسوتها الحسنة (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وسوف تظل الامة والبشرية كلها بعافية وامن وازدهار، ما دامت على صلة قوية بهذا المثل الاعلى وسنته الطاهرة الشريفة.. ان جوهر الهجرة يقوم على هجر كل ما لا يليق بمبادئ الانسانية وبالسلام.. وهذا من اقوى عوامل النهوض الحضاري والامن والسلام.
فيما يلي جولة حول هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودروسها المستفادة….
\ دروس ومواقف خالدة
ان عصر النبوة والمعجزات قد انتهى، لكن الشيء الذي لن ينتهي هي رسالة الاسلام ومعاني الهجرة النبوية التي تجدد زمنا كل عام، فهل تتجدد معنى وسلوكا ومصلحة لنكون خير امة اخرجت للناس؟ فالهجرة النبوية ليست احتفالاً او مقالة او خطاباً نؤديه سنويا في الحواضر والعواصم العربية والاسلامية وانما الهجرة سلوك ورسالة ونهج لتصحيح سيرة الحياة، بدأها محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام وسار على نهجها الاتباع والمؤمنون، فكانوا نبراسا يضيء طريق البشرية كلها نحو الخير والسلام.
\ لقد شاء الله ان تكون الهجرة النبوية هي الحدث الثاني المهم بعد البعثة النبوية الكريمة ونزول القرآن الكريم على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن ينظر بعمق في خطوات الهجرة النبوية وترتيباتها يلاحظ انها لم تتم بصورة عفوية ولا بتحرك عشوائي او مجرد رغبة في الخروج او الهروب من مكة المكرمة، ولكنها كانت نقلة ستراتيجية مهمة حرص فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حماية الدعوة بعد ان اشتد الضغط عليها في مكة المكرمة، وازداد عناد قريش وظلمها وقسوتها عليه وعلى اتباعه رضوان الله عليهم، فجاء امر الله عز وجل الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان الاذن بالهجرة، ولكن المتتبع لمراحل الهجرة النبوية يلاحظ ان النبي -صلى الله عليه وسلم- احاطها بسرية كاملة حرص فيها على الا يعلم احد بموعد الهجرة ولا طريقها، ولا وجهتها، واخفى كل ذلك حتى عن اقرب المقربين له سيدنا ابي بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو بهذا يعلم الامة كيف يتصرف القائد عندما يتصدى لحدث مهم، او ينتقل الى مرحلة اخرى وكأننا به يعلمنا ويعلم الامة: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان).
لم تكن الهجرة النبوية الشريفة وما بعدها خطة عام واحد، ولم تكن لفرد واحد او قبيلة او شعب معين، انما كانت لامة ممتدة زمانا ومكانا عطاءاً وخيراً للبشرية كلها.
ان الهجرة المباركة كانت درسا في الصبر والتوكل على الله تعالى ولم تكن طلبا للراحة ولا هربا من العدو ولا تهرباً من الدعوة واعبائها بل كانت بأمر من الله تعالى في وقت أشد ما تكون البشرية في ذلك الزمن الى الهدى النبوي.
ان الدروس والعبر المستقاة من هجرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- كثيرة منها: الصبر واليقين: فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي -صلى الله عليه وسلم- واصحابه بمكة، يهيئ الله تعالى لهم طيبة الطيبة، ويقذف الايمان في قلوب الانصار، ليبدأ مسلسل النصر التمكين لأهل الصبر واليقين: (انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد)، التوكل على الله والاعتصام بحبل الله: لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس..

فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها الا الباب، والمطاردون يقفون امامه على مدخل الغار، وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته، والرسول (صلى الله عليه وسلم) في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره.
فمهما اشتدت الكروب ومهما ادلهمت الخطوب يبقى المؤمن متوكلا على الله واثقا بنصره وتأييده.
ان العقيدة الصحيحة السليمة والدين الاسلامي العظيم لهما اهمية كبرى في ازالة العداوات والضغائن، وفي التأليف بين القلوب والارواح، وهو دور لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة ان تقوم به وها قد رأينا كيف جمعت العقيدة الاسلامية بين الاوس والخزرج، وازالت آثار معارك استمرت عقودا من الزمن، واغلقت ملف العقيدة في نفوس الانصار، فاستقبلوا المهاجرين بصدور مفتوحة، وتآخوا معهم في مثالية نادرة، لا تزال مثار الدهشة ومضرب المثل، ولا توجد في ا لدنيا فكرة او شعار آخر فعل مثلما فعلت عقيدة الاسلام الصافية في النفوس.
\ ومن بركات الهجرة ودروسها المستفادة على المهاجرين انهم كانوا يلاقون في مكة اذى كثيرا، فأصبحوا بعد الهجرة في امن وسلامة، ثم ان الهجرة ألبستهم ثوب عزة بعد ان كانوا مستضعفين، ورفعت منازلهم عند الله درجات، وجعلت لهم لسان صدق في الآخرين، وقد سمى الله تعالى الصحابة الذين فروا بدينهم الى المدينة بـ”المهاجرين”، وصار هذا اللقب اشرف لقب يدعون به بعد الايمان، كما درت بركات الهجرة على اهل المدينة من آووا ونصروا ان علا شأنهم، وبرزت مكانتهم، واستحقوا لقب الانصار الذي استوجبوا به الثناء من رب العالمين.
\ ومن دروس الهجرة مكانة المسجد وافضاله فأول عمل قام به النبي (صلى الله عليه وسلم) فور وصوله المدينة المنورة هو بناء المسجد، فهو ساحة العبادة وميدان العلم والثقافة ومنطلق الجهاد والوحدة والاعتصام بحبل الله تعالى.
\ ومن دروس الهجرة كذلك: عظم دور المرأة في البناء والدعوة والتضحية والفداء، يتجلى ذلك فيما قامت به ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها واختها اسماء، حيث كانت نعم المعين والناصر.
كذلك كان دور الشباب في الهجرة مشرفا سجله التاريخ بكل فخر واعتزاز، يتجلى ذلك فيما قام به الامام علي كرم الله وجهه وما قام به عبدالله بن ابي بكر رضي الله عنهم جميعا.
\ ان املنا في الله كبير ان يستفيد المسلمون في كل زمان ومكان من دروس الهجرة ومواقفها الخالدة، نبراس هداية وتقدم وازدهار.