الهراطقة يحاكمون الخليفة الأموي ويعدمون جثث الأموات

0 9

أحمد عبد العزيز الجارالله

عاشت أوروبا في القرون الوسطى واحدة من أحلك مراحل تاريخها، بسبب الفتن التي أثيرت بين الطوائف المسيحية، وافتأتت الكنيسة على الدين بقوانين وهرطقات لا تمت إلى المسيحية الحقة بصلة، إلى حد ابتدع القساوسة ما عُرف بـ”إعدام الميت”، وأشهرها محاكمة جثة البابا فورموسوس بعد وفاته بسبعة أشهر، أي في يناير من عام 897 ميلادي، والحكم عليه بالإعدام، وتجريده من رتبة البابوية، وكان من نتيجة ذلك الحروب الطائفية التي غرقت فيها أوروبا لقرون عدة، بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين الكاثوليك والأرثوذكس.
الناظر اليوم إلى واقعنا العربي والإسلامي يرى مشهداً مشابهاً لما كان سائداً في القرن التاسع الميلادي أوروبياً، إذ بدلاً من أن يتقدم المسلمون الذين كانوا في تلك المرحلة يحكمون واحدة من أوسع الامبراطوريات في العالم، وتنتشر بينهم شتى العلوم، ويوصفون بصناع الحضارة، ويتباهى الأوروبيون بتقليدهم في الملبس والمأكل، وينظرون إلى الحواضر الإسلامية بعين الإعجاب، ينقلون علومهم إلى لغاتهم، نقول بدلاً من ذلك إن المسلمين الحاليين عادوا إلى نبش جيف الافتراق والتخلف كي يغذوا فتنهم التي أيقظوها بسبب الجهل والتحيز السياسي.
هذا التخلف دفع بإحدى محاكم مدينة الكوفة العراقية إلى عقد جلسات متتالية في عام 2012 لمحاكمة الخليفة الأموي العاشر هشام بن عبدالملك المتوفى عام 743 ميلادية، أي بعد 1269 سنة من وفاته لقتله زيد بن علي بن الحسين لثورته على الحكم.
المفارقة المضحكة المبكية أنه كان هناك دفاع عن المجني عليه، فيما أرسلت المحكمة إلى مدينة الأنبار العراقية لتعيين محامٍ للدفاع عن الخليفة المتهم، وكلفت المحاكمة الخزينة العراقية 56 مليون دينار عراقي.
في خضم تسعير نيران التفرقة الطائفية بين السنة والشيعة، ونبش مصطلحات الاختلاف والتكفير، سقط العقل بضربة قاضية من الجهل، فالمشاهد لشريط الفيديو الذي بث عن تلك الهرطقة، يرى بوضوح كيف تفرق هيئة المحكمة بين أبناء الشعب العراقي الواحد، حين تعتبر الأنبار، ذات الأكثرية السنية، مسؤولة عن هشام بن عبدالملك، فتطلب منها تعيين محامٍ للدفاع عن الخليفة، الذي لم تكن في عهده أي مذاهب، بل زيد بن علي بن الحسين بن علي، لم يكن لا شيعياً ولا سنياً، إنما كان مسلماً موحداً لله.
فيما المذاهب المعروفة اليوم ظهرت بعد تلك الحادثة بنحو 200 عام، والتي كانت سبباً في حروب بين أتباع الحنفية والشافعية في عام 1076، وبين الشافعية والحنابلة، ومن ثمَّ بين السنة والشيعة، وهدرت في تلك الحروب دماء المسلمين الذين غرقوا في الصراع على السلطة بواحدة من أبشع دورات التاريخ سوداوية ودموية، في حين كان الصليبيون يجتاحون الدول الإسلامية واحدة تلو الأخرى حتى احتلوا القدس في عام 1099.
اليوم يتكرر المشهد الفتنوي بأبشع الصور، فتشتد فوضى الفتاوى التكفيرية على أتفه الأمور بين أبناء الأمة الواحدة، التي من المفترض أنها تعلمت من تجاربها، لكن يبدو أن الشيطان الكامن في التفاصيل يتقن فن إذكاء نار الخلاف بين أبنائها الذين يرتعون في الجهل، فيدفع بمن يأتي إلى محاكمة خليفة أموي بعد 1269 عاماً، متناسين قول العزيز الحكيم في محكم التنزيل: “تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”، رغم أنهم يتشدقون بالإسلام، ويعتبرون أنفسهم مدافعين عنه، فيما الإسلام الصحيح بريء من كل شيعي وسني يُثير الفرقة، في هذه المرحلة التي نحتاج فيها لصوت العقل لدفع الأذى المحيط بنا من كل جانب، فتكون وحدتنا السلاح الأمضى لمواجهته.
كيف لأمة التوحيد أن تصبح أمة الفرقة والخلاف، أليس في ذلك مخالفة لثوابت الإسلام الصحيح عملاً بقوله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”.
وقال سبحانه وتعالى: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”، فهذه الدعوة السمحة التي أمرنا بها الله سبحانه وتعالى، تخلى عنها أولئك الذين ينبشون جيف التضليل والفتنة وينصبون أنفسهم قضاة الأرض والسماء، أعوذ بالله العظيم منهم.
•••
عيدكم مبارك وكل عام وأنتم بألف خير ووحدة ومجتمعين على كلمة سواء.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.