الهلفوت

0 269

د. شريف سلامة

من الأفلام الشهيرة للفنان عادل إمام فيلم “الهلفوت”، والتي كانت تدور أحداثه حول”عرفة” الرجل التافه ثقيل اللسان ضعيف البنية،والذي كان كل أمله في الحياة أن يتزوج.
والفتوة “عسران الضبع” والذي جسده الراحل صلاح قابيل، ذلك القاتل الأجير الخارج على القانون، الذي يحيا على سمعته السابقة بأنه دموي لا يفلت من يعاديه أو يحاول أن يقف أمامه.
وذلك “الفتوة” عاش متحصنا بـ”الرعب” الذي صدره لأهل القرية الضعفاء، وهو يعلم أن ضعفهم وخوفهم من المواجهة سيكون قضبانا لسجن أدخلوا أنفسهم فيه.
وتمر الأحداث، إلى أن يذهب “عرفة” إلى بيت “عسران”، ويكتشف أن ذلك الفتوة المتستر رجل هزيل ضعيف مريض، يتحامل لكي يبدو قويا، يخاف من أي أحد يطرق باب حجرته، ذلك الباب الذي كان يضع عليه أقفالا حديدية جعلته وكأنه “متراس” يحتمي خلفه.
وأمام صدمة “عرفة” وذهوله من ذلك الفتوة الذي انهار أمامه، وتحوله في نظره من سفاح إلى أشلاء إنسان، قرر مخرج الفيلم أن ينقلنا إلى مشهد لخص الحكمة من العمل، وهو مشهد التصادم بين الفتوة مدعي القوة، والهلفوت الضعيف، والذي بعد أن كان لا يجرؤ على مجرد التفكير في الاعتراض على ذلك السفاح، بات قويا بالحقيقة التي عرفها، وفي هذا العراك مات “الفتوة” خوفا !!
ورغم أن الكشف على الفتوة أثبت أنه مات بسكتة قلبية، إلا أن “عرفة” صار أمام الناس “الفتوة” الجديد الذي قهر “عسران” وأرداه قتيلا.
والحقيقة، أنني لم أقصد سرد أحداث عمل فني يرجع تاريخه إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وأنما القصد هو تأكيد أن “الحدوتة” التي عرضها الفيلم جسدت أحد أوجه عالمنا السياسي.
فها هي أميركا، تلك الدولة العظمى، والتي تحيا على سمعة قوتها العسكرية والمخابراتية وهيمنتها على النظام العالمي وقوة تأثيرها على غالبية دول العالم والمنظمات الدولية وتحكمها في المشهد السياسي الدولي بشكل عام، وقدرتها على فعل كل ما تريد وقتما تريد، قامت إيران باسقاط طائرة عسكرية تابعة لها … وهنا انتظر الجميع أن هناك رد فعل أميركيا قد يصل إلى دمار شامل سوف يحل على إيران، رد فعل يُرجع إلى أميركا “العظمى” هيبتها ويدافع عن هيمنتها وسطوتها التي كانت –ومازالت- تتشدق بها أمام العالم.
ولكن !!! أميركا “العظمى” لم تفعل شيئا، ومرت تلك اللطمة دون أي رد فعل سوى التهديد والوعيد بفرض عقوبات قتصادية على إيران، رغم تأكيد أميركا أن تلك الطائرة كانت في المجال الجوي الدولي ولم تخترق الأجواء الإيرانية، ورغم تصعيد إيران وتهديدها بتكرار حادثة إسقاط طائرة أميركية أخرى، ورغم أن المشهد قد يبدو معتما إلى حد بعيد، إلا أن التعمق في حدوتة “الطائرة” الأميركية تلك، قد يصل بنا إلى بعض الاحتمالات؛إما أن أميركا “العظمى” تعيش على سمعتها العسكرية، متحصنة بـ”الخوف” الذي تصدره دائما لدول العالم، وهي في حقيقتها دولة هشة لا تقدر على مواجهة أي طرف يملك ولو قدرا قليلا من القوة، ولنا في “كوريا الشمالية” و”الصين” و”روسيا” وغيرهم عبرة، أي ببساطة تحيا كـ “عسران الضبع”.
وإما أن تلك الدولة المتغطرسة، من خلال “حدوتة الطائرة” الساقطة، تسعى إلى “تقوية” إيران في أعين دول الخليج، حتى لو ضحت – مؤقتا – بقدر من هيبتها بغية تحقيق مصلحة أسمى، بأن تصدر لهم عدم قدرتها على مواجهة إيران رغم ما فعلته، وإنها عاجزة عن مجرد الدفاع عن إحدى المعدات العسكرية الخاصة بها، ومن ثم تأكيد صعوبة الدفاع عن دول الخليج إذا ما قررت تلك الدولة الاعتداء على أي منهم.
وقد يفسر أيضا الموقف الأميركي الصادم إزاء إيران، بأن أميركا تعلم أن “تكلفة” الرد على التجرؤ الإيراني عليها، لا يعقل أن تطالب بأن تتحملها دول الخليج، إذ إن دفاع أميركا “العظمى” عن كرامتها ورد الاعتداء على طائرتها، يفترض – بل يجب – أن تتحمله هي دون غيرها، وذلك أمر لا يعرفه رئيس مجلس إدارتها الحالي، أقصد رئيسها، والذي يتفاخر دائما بحجم الأموال التي يجمعها ابتزازا
واختلاسا لصالح دولته، لذلك نجده سارع بإرسال وزير خارجيته إلى دول الخليج بعد واقعة الطائرة، في محاولة ابتزاز جديدة.
ونظرا لثقتي في أن “ترامب” لن يخوض حربا؛ ليس حرصًا منه على عدم سفك الدماء البشرية كما يدعي زورا، وإنما لعلمه بأن قرار كهذا قد يؤثر بشكل كبير على شعبيته، ومن ثم على اعادة انتخابه فترة رئاسية أخرى، لذلك أرى أن التفسير الأقرب لسيناريو “الطائرة” الأميركية، هو رغبة أميركا في إظهار “إيران” كمارد ضخم يتعين أن تخشاه دول الخليج، رغم أنها قد تكون في الحقيقة مثل “عرفة” في حدوتة “الهلفوت”.
وختاما، آمل أن تدرك دول الخليج أن أميركا “مدعية السطوة” تحيا على ما تصدره من “قلق” للجميع، وتملك من الحيل ما يجعلها تتحكم في أي دولة يتملك منها ذلك الشعور، لذلك علينا ألا ننجرف وراء ما تطلقه من تصريحات، وأن نوصد كل باب للصراع في المنطقة، وبالأخص إيجاد حل فوري للأزمة السعودية اليمنية.

كاتب مصري

You might also like