الهوس الديني لليهودية ( الحلقة الثامنة )

0

باسل محمد

المثير، أن هذا الهوس الديني لليهود لا يقتصر على المتدينين أو الحاخامات عندهم(رجال الدين) بل يشمل جميع الطبقات والفئات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
على سبيل المثال، مؤسس اليهودية السياسية أو الإسرائيلية السياسية أو مسمى الصهيونية الشائع ثيودور هرتزل، علماني من عائلة علمانية لكنه ملهم برنامج الدولة اليهودية القومية ويلقب بالأب الروحي للدولة اليهودية. ورغم انشغاله في العمل الصحافي والمحاماة و حتى كتابة الدراما المسرحية، كان قارئا فظيعاً للكتاب الديني لليهود ( التوراة و مدونات التلمودية).
للمقارنة، في العالم العربي، أن رجال السياسة والمثقفين و الفنانين لا يقرأون ويتعمقون في قراءة الكتاب الديني الإسلامي، وهؤلاء غالباً ما يجلبون كتباً من كل بقاع العالم ليقرأوها لكنهم لا يقرأون القرآن و لا يتعمقون به حتى
من باب اغناء التفكير و الاطلاع، كما أن معظمهم يتجه الى قراءة القرآن بعد الستين من عمره، بمعنى يقرأه للحصول على فرصة توبة أو ثواب و ليس لبناء دولة قوية حالمة كما فعل هرتزل لأنه تعمق باليهودية الدينية وهو في ربيع شبابه.
طبعاً، ليس بالضرورة، أن قراءة الكتب الدينية تؤدي الى التدين أو تمثل دليلاً على التدين، وبالتالي على المثقفين العرب أن يعوا هذه النقطة و لا يقلقوا منها.
في الولايات المتحدة على سبيل المثال، كبار رجال اليهودية السياسية،ومنهم ستيفن منوحين، وهو مستشار للرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشأن المالي، لا يهدر فرصة واحدة للذهاب الى المعبد اليهودي، و جزء مهم من مكتبته الخاصة تضم كتباً دينية عن اليهودية،الى جانب كتب المال والأعمال والسياسة.
ايضاً، ارتداء القلنسوة اليهودية، وهي القبعة التي توضع فوق أعلى الرأس، يوجد فيها الملون و الأبيض و الأسود، و الأسود بالتحديد يعني شديد الارتباط باليهودية القبيحة المعتدية،
ولذلك فالمسؤولون السياسيون في الدولة اليهودية القومية في فلسطين يرتدونها، كما أن زوار هذه الدولة من المسؤولين الدوليين، الحلفاء و المقربين، يرتدون القلنسوة السوداء، تعبيراً عن الارتباط القوي أو علاقة الحب القوية باليهودية.
بالنسبة للأرشيف الديني اليهودي في الدول العربية، دائماً يحتل رقم واحد في الاهتمامات لدى اليهودية السياسية ولدى السياسية الخارجية للحكومة الإسرائيلية لتحقيق غايتين: تأكيد وجودهم المميز في العالم العربي، و لتعزيز الحجج و البراهين القانونية في المستوى الدولي.
السؤال المنطقي: لماذا كل هذا الهوس الديني لليهودية في صفوف غير المتدينين؟
للأهمية، التحاق غير المتدينين بالدين مسألة ضرورية، وينطبق هذا على كل الأديان ولا يقتصر على اليهودية الدينية، فهذا الالتحاق يقوي التواصل السلمي بين المتدينين و غير المتدينين في المجتمع ويحد من ظواهر التطرف فيه، كما أن التحاق غير المتدين بالدين أو مواكبته له يؤدي الى ظهور فكر مواز أكثر خيالاً وأكثر ذكاءً من الفكر الذي ينشئه المتدينون،بدليل أن الأحداث المأساوية التي حصلت في العالم العربي في الفترة الحالية بسبب الدين أو بدوافع دينية أو بسبب جماعات دينية مردها الى الاستحواذ على الدين من قبل المتدينين حصراً،وهي مسألة اضرت بنظام السلم، بمعنى دائماً هناك تعايش سلمي وتعاون و تنسيق بين اليهودية الدينية و اليهودية السياسية.
في موضوع اليهودية و سام بن النبي نوح، اليهودية قفزت على اسحاق و يعقوب ( الأنبياء الحقيقيون لبني اسرائيل) و ذهبت الى نوح وابنه سام وهو عمل منهجي، ومعناه أن اليهودية السياسية واليهودية الدينية يستعملان نظرية الخلق و نشوءه لأغراض سياسية، لهدف سياسي سواء لجهة تبرير قيام الدولة القومية اليهودية بفلسطين أو لجهة اظهار اليهودية كشعب مميز بين البشرية.
كذلك من حسابات الهوس الديني لليهودية السياسية و اليهودية الدينية، تحقيق ما يسمى المرجعية الفوقية على المسيحية السياسية و المسيحية الدينية،وهي خطة عملية في غاية الحيوية لأن بقاء نظرة المسيحية محترمة حيال اليهودية، أمر ستراتيجي في استمرار الدعم الغربي للدولة اليهودية القومية بفلسطين، و في منع المسيحية الغربية من التقارب الستراتيجي مع الإسلام في العالم العربي، وليس المقصود هنا التقارب الدبلوماسي و السياسي بالتصريحات لأنه عمل هواة وعلاقات عامة أو علاقات خاصة.
في الواقع، هناك مشاهد يومية لمن يعيش في مجتمعات أوروبا أو الولايات المتحدة، تعبر عن احترام أو رهبة المسيحيين في التعامل مع اليهود رغم أن اليهودية أقلية. وليس صحيحاً أن هذه الرهبة أو الاحترام قادمة من كون اليهود يملكون مواقع أساسية سياسية و اقتصادية ومالية و اعلامية،لأن كل هذه المواقع أنشئت خصيصاً ضمن الهوس الديني لليهودية،ولتحقيق المرجعية الفوقية اليهودية على المسيحية بناءً على خلفيات تاريخية،منها أن المسيح وأمه مريم و آل عمران ينتمون الى مجتمع بني اسرائيل،و يحدث ذلك رغم أن اليهودية انشقت عن بني اسرائيل، وعارضت اليسوعية وغادرت المنطقة،لكنها منذ زمن طويل تستخدم الإسرائيلية و اليسوعية للتقارب الستراتيجي مع المسيحية الغربية.
في تجربة النازي ادلوف هتلر، اعتبر الصليب الأسود المعقوف، رمزاً له،ويعني بالمعنى الديني، الكفاح. السؤال: الكفاح ضد من ومن أجل ماذا؟ كتب الحزب النازي في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، احتوت عبارات تحرير المسيحية من اليهودية و في بعض العبارات: تحرير الدول المسيحية من اليهودية. رغم أن هتلر نازي وليس متديناً مسيحياً.
في التجربة الهتلرية، ما هو الشيء الخطير جداً في موضوع الهوس الديني لليهودية؟
أن المواجهة بين هتلر مع اليهودية السياسية واليهودية الدينية، هي أول حرب أهلية دموية بين المسيحية و اليهودية في التاريخ. بمعنى أول مرة في التاريخ، يهاجم المسيحي، يهودياً ويقتله ولم يحصل ذلك حتى في وقت صلب يسوع، وبعد قرون من صلبه لم يتحدث أحد من المؤرخين عن اشتباكات وعداوة بين المسيحية اليسوعية و بين اليهودية.
طبعاً، اليهودية جن جنونها من هتلر لهذا السبب لأنه خلق اشكاليات بين المسيحية و اليهودية وبالتالي لو نجحت هذه الأشكاليات: برنامج بازل لمؤسس اليهودية السياسية أو الإسرائيلية السياسية ( الصهيونية) هرتزل لإنشاء دولة يهودية قومية بفلسطين، كان فشل و انتهى.
الذكاء في اليهودية السياسية و اليهودية الدينية أنهما دائماً يتحدثان عن الصراع بين النازية واليهودية، ويتفاديان تماماً ذكر الصراع بين المسيحية واليهودية،لأن من قتل اليهود في ألمانيا أو اوروبا، هم مسيحيون وان كانوا نازيين وليسوا مسلمين.
الأكثر ذكاءً في اليهودية السياسية و اليهودية الدينية: في العلن يتحدثان عن الصراع بين النازية و اليهودية، و في السر، يتحدثان عن مأساة اليهودية على أيدي المسيحية الغربية، فتقدم المسيحية الغربية المزيد من الدعم لليهودية السياسية القبيحة المعتدية، وهو ابتزاز سياسي.
على المستوى العربي، لدينا ستراتيجيتان للقضاء على الدولة القومية اليهودية: ( 1 ) اعادة احياء مكون بني اسرائيل الذين ينتمون الى النبيين اسحاق و يعقوب، اي اعادة احياء اسرائيلية اسحاق و يعقوب، وهؤلاء جزء من شعوب المنطقة و مهمة هؤلاء تولي التشكيك باليهودية السياسية و اليهودية الديني
( 2 ) التقارب مع المسيحية اليسوعية الجميلة في كل انحاء العالم الإنساني، سيما بعد تجربة تنظيم الدولة الإسلامية المتخلف الهمجي الذي قوى الصلات الحيوية أكثر بين اليهودية السياسية والمسيحية السياسية سيما المسيحية السياسية الأميركية.
اعلامي وباحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

9 + ثمانية =