مشاعر العزلة والانطواء تؤدي في أحيان كثيرة الى الانتحار

الوحدة… تغتال السعادة وتسبب الزهايمر مشاعر العزلة والانطواء تؤدي في أحيان كثيرة الى الانتحار

التواصل الاجتماعي والتفاعل الدائم مع الآخرين يجعلان الانسان أفضل صحيا

القاهرة- محمد عبد الله:
من أخطر الأوضاع الحياتية التي يمكن أن يعيشها الانسان، أن يعيش وحيدا، يفقد التواصل الانساني، تنعدم دائرة علاقاته الاجتماعية، اذ تتحول طاقته الايجابية إلى سلبية، تكون ذات تأثير ضار على حالته النفسية والمزاجية، والأسوأ من ذلك أن تمتد أضرار الوحدة إلى الاصابة بأمراض عضوية، الاصابة بالزهايمر، تراجع قدرات الدماغ ووظائفها.
عن الوحدة، تأثيراتها السلبية على الحالة النفسية والمزاجية، أضرارها في الاصابة بالأمراض العضوية، دورها في الاصابة بالزهايمر، كيفية معالجتها والحد من مخاطرها، أجرت «السياسة» هذا التحقيق.
اشارت دراسة هولندية أعدها البروفيسور جان هولوارد، إلى أن الأشخاص الذين يعانون الشعور بالوحدة يكونون أكثر عرضة للاصابة بالزهايمر، وغيره من أمراض الخرف والعته وضعف الذاكرة، حيث يزيد العيش وحيدا من مخاطر الاصابة بمرض الزهايمر بنسبة تصل إلى 64 في المئة. كما ربطت الدراسة بين عوامل الخطورة المتمثلة في الاصابة بالاكتئاب والعته وارتفاع معدلات الوفاة بين 2000 رجل وسيدة ممن تزيد أعمارهم عن 65 عاما. وقد خرجت هذه الدراسة بوجود احتمال أن الشعور بالوحدة يزيد الحساسية نحو الحزن والضعف النفسي، وهما من العوامل الرئيسية للاصابة بالزهايمر، لافتة إلى وجود فرق بين العيش في وحدة وبين الشعور بالوحدة أو الوحشة.
وأظهرت دراسة أخرى أجرتها جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، أن أضرار الوحدة والعزلة الاجتماعية والابتعاد عن الآخرين، تفوق أضرار التدخين من حيث التأثير على الصحة، حيث تسبب تلك الحالة بالأضرار الصحيّة التي تصل إلى حد الوفاة. كذلك وجد الباحثون أن الأشخاص المحاطين بالأقرباء والأصدقاء تزداد لديهم احتمالية العيش عمرا أطول بنسبة تصل إلى 50 في المئة، مقارنة بذوي البيئة الاجتماعية المحدودة والضعيفة.

عزلة اجتماعية
يعرف الدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية، الوحدة بأنها حالة حياتية يعيش فيها الانسان بمعزل عن التواصل الاجتماعي مع الآخرين، حيث يفقد الشريحة الأكبر من علاقاته الاجتماعية، ما يجعله في عزلة عن محيطه الاجتماعي تتحول إلى عزلة نفسية، معرفا الوحدة بأنها حالة من الانطواء والبعد عن الحياة الاجتماعية والاختلاط بالآخرين، حيث تزداد رغبة الفرد في العيش بمفرده، ما يضع الانسان في حصار نفسي، يسبب له الكثير من الأمراض العضوية والنفسية. لافتا إلى أن الوحدة تعد من أصعب وأخطر المشاعر التي قد يمر بها الانسان، لذلك فان الوحدة أو العزلة الاجتماعية ليست مجرد حالة انطواء على الذات تترك آثارا نفسيّة سلبية على الانسان، بل مشكلة تتفاقم وتتزايد خطورتها إلى أن تصل إلى التأثير العضوي اذ تترك مجموعة آثار صحيّة على جسم الانسان، مشاعر قد تدفع الانسان نحو الانتحار وانهاء حياته.
وينتج عن الوحدة اضطرابا في السلوك الاجتماعي لدي الفرد، بما يولد عنده الشعور بالانعزال والاغتراب، والذي يؤثر بدوره على مجمل نشاطاته، فتضعف حياته بشكل عام، خصوصا أن هذا الاضطراب يُعد نواة لمشكلات أخرى خطيرة نفسية وعضوية. موضحا أن الوحدة تنقسم إلى «الوحدة العاطفية»، التي تنشأ بعد افتقاد صلة حميمة ووثيقة بشخص مقرب، كفقدان أحد الوالدين أو الزوجة، وهناك «الوحدة الاجتماعية»، التي تأتي نتيجة افتقار الانسان لشبكة من العلاقات الاجتماعية، يكون فيها جزءا من جماعة الأصدقاء، يتشاطر معهم مصالح واهتمامات وأنشطة مشتركة، بينما «الوحدة المؤقتة» تكون لفترة محدودة يعيش خلالها الشخص في عزلة عن محيطه الاجتماعي، نتيجة حالة نفسية سيئة عابرة، أما «الوحدة الدائمة»، فهي الأخطر، حيث يعيش الانسان في وحدة نفسية، ينتج عنها الاصابة بالكثير من الأضرار الصحية.
وهناك أيضا «وحدة اختيارية أو ايجابية»، قد تكون مفيدة في بعض الأحيان عندما يكون الانسان بحاجة اليها نتيجة الضغوط النفسية والحياتية، على أن تكون لفترات محدودة لا تزيد عن ثلاثة أو أربعة أيام، حتى لا تأتي بنتائج عكسية وتتحول إلى وحدة سلبية، فكلّ شخص يحتاج إلى قضاء بعض الوقت بمفردة للتفكير والتأمل ومراجعة أموره أو لاتخاذ بعض القرارات المهمة والمصيرية، فيحصل عليها من خلال الانعزال أو قضاء اجازة بعيداً عن الأنظار، ما ينعكس ايجابيا على حالته النفسية، يحسن طاقته إلى الأفضل.
أسباب الفراق
يشير الدكتور أيمن الوكيل، استشاري المخ والأعصاب والطب النفسي، إلى أن تسرب مشاعر الوحدة إلى الانسان، يعود إلى مجموعة من الأسباب، في مقدمتها نقص العلاقات الحميمة العميقة، فمن الممكن أن يكون للانسان الكثير من الأصدقاء، الا أن علاقته بهم تكون سطحية فيشعر حينها بالوحدة وأنه يعيش وحيدا. وبالتالي فان عدم تعمق الانسان في علاقاته الاجتماعية وفقدانه لشخص مقرب يحكي له أحواله ومشاعره الدفينة ويخفف عنه همومه، يصيبه بالشعور بالانعزال والحصار النفسي حتى وان كان وسط أقربائه وأصدقائه، حيث يشعر بالوحدة، لذا يجب على الانسان مشاركة مشاعره العميقة وهمومه مع مقربين منه، ما يساعد على تحسين الحالة النفسية ويقلل الشعور بالعزلة.
يضيف: هناك أيضا احساس الشخص بأنه غير مرغوب فيه، غير مرحب به، وأن الآخرين غير سعداء بوجوده، ما يجعله غير قادر على تكوين علاقات حميمة مع محيطه، من ثم يشعر بالوحدة والعزلة وسط الآخرين. كذلك حينما يفتقد الانسان لأصدقائه المقربين والأشخاص الذين كانت تربطه بهم علاقات نفسية قوية، بسبب الانتقال إلى مكان جديد، ترك العمل، غيرها من أسباب الفراق، فان ذلك يولد لدى المرء شعورا بالوحدة النفسية، أيضا فقدان علاقات الرحم الحميمة بشخص معين، كالوالدين، الزوجة، الحبيب، ما يعد سببا رئيسيا للشعور بالوحدة العاطفية.

القدرات العقلية
يقول الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر: للوحدة تأثيرات وأضرارا مباشرة على صحة الانسان، من الناحية النفسية والعضوية، حيث تؤدي العزلة وعيش الانسان وحيدا إلى اصابته بالكثير من الأمراض النفسية والعضوية، من أبرزها الاكتئاب، الخرف، اليأس، لانعدام التعامل مع الآخرين والابتعاد عن الحياة الاجتماعيّة. كما تتسبب في رفع ضغط الدّم إلى مستوىات خطيرة، الاصابة باضطرابات النوم، الشعور بالخمول، الارهاق، الكسل الدائم، اضافة إلى تأثيرها الخطير في الاصابة بمرض الزهايمر، فقدان القدرات العقلية، عدم قدرة الدماغ على القيام بوظائفه، اذ أن الوحدة والعزلة النفسية تزيد من خطر اصابة الانسان بالزهايمر بنسبة تزيد عن 60 في المئة، حيث يزيد الشعور بالوحدة من نسب مادة «الأمبلويد» – ذات التأثير السلبي – في الدماغ التي تطور مشاعر الوحدة سريعا، بالتالي يتعرض الشخص للاصابة بمرض الزهايمر، يمتد تأثيرها إلى مشكلات في الفهم والادراك، والتفاعل مع المؤثرات الاجتماعية المختلفة. لافتا إلى أن تلك الأضرار تعدّ أخطر من نظريتها الناتجة عن زيادة الوزن والتدخين، فهي تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية بشكل عام، حتى الوصول إلى الانتحار والموت، مشيرا إلى أن تأثيرات الوحدة وخطورتها تختلف بحسب طبيعتها وأسبابها، كانت رغما عن الانسان كواقع فرض عليه، أو بارادته بسبب حبه الشديد للوحدة أو لأسباب نفسية واجتماعية معينة جعلت من الوحدة ملازما له.
ومن يصاب بالوحدة كمرض، يعاني كثيرا من نتائجها على حالته النفسية وحياته الاجتماعية، لأنها تؤثر بشدة على قدراته العقلية والاجتماعية، قد تؤثر على قدرته على تكوين أسرة لكي يعيش حياة خاصة ويكون علاقات سوية مع من حوله، لذا تمثل الوحدة عائقا كبيرا وحاجزا نفسيا رهيبا أمام اندماج الشخص مع محيطه الاجتماعي ومن حوله، بالتالي تعوقه كثيرا عن التقدم في حياته بشكل أفضل. مشيرا إلى أنه لن يستطيع التغلب على الشعور بالوحدة اذا كان يعتقد في ذات نفسه أنه وحيد، من ثم فان أولى خطوات التغلب على الوحدة، تكون بتغيير الحالة النفسية والمزاجية من العزلة إلى الاجتماعية، التواصل الفعال مع الآخرين بأية وسيلة كانت، رفع مستوىات الثقة في النفس من خلال الاقتناع بالذات، تقدير النفس، عدم ازدرائها والتقليل من شأنها، التمتع بالمرح، السعادة، الروح الايجابية، حتى يحول الشخص طاقته السلبية إلى ايجابية، تنعكس في حياته الاجتماعية وتعاملاته مع الآخرين، يكون قادرا على تكوين صداقات وعلاقات قوية مع الآخرين، توطيد علاقاته مع أقربائه ما يكون له عظيم الأثر في التخلص من الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية.
ولابد من المشاركة في الأنشطة المختلفة، أن يعتاد المرء أن يكون عضوا فعالا ونشطا في جماعة لهم أهداف واهتمامات مشتركة، بينهم مشتركات فكرية، ثقافية، اجتماعية، ما يجعل للمرء قبولا ومحببا لدي محيطه الاجتماعي، من ثم يتخلص من المشاعر السلبية بأنه غير مرغوب فيه، لذا فالتواصل مع الآخرين، تكوين شبكة علاقات تطور قدراته الاجتماعية، تجعل منه شخصا اجتماعيا، يبعد عنه الوحدة وتأثيراتها السلبية.

الطاقة النفسية
يوكد الدكتور محمود غلاب، أستاذ علم النفس الاجتماعي، جامعة القاهرة، أن الشخص الاجتماعي يمتلك بالكثير من المميزات التي يفتقدها آخرون ممن يعانون الوحدة والانطواء، اذ يمتلك حضورا، جرأة، شخصيته قوية تعطيه الكثير من مقومات النجاح، كما يكون أقدر نفسيا على مواجهة الصعوبات وتحديات الحياة، لما يملكه من خبرات في التعاملات الحياتية، بعكس الشخص الانطوائي الذي يعاني الوحدة حيث يكون ضعيفا غير قادر على بناء حياته وتحقيق أحلامه ومستقبل أفضل. موضحا أن التواصل الاجتماعي والتفاعل الدائم مع الآخرين، يجعل الانسان أفضل صحيا، نفسيا وعضويا، حيث يرفع لديه الطاقة النفسية، يحول ما به من طاقة سلبية مضرة إلى ايجابية مفيدة، تدفع به نحو الأفضل، في حياته الاجتماعية والعملية، تؤثر على حالته الصحية، تجنبه الكثير من الأمراض كضغط الدم، السكري، غيرها من الأمراض التي تسببها سوء الحالة النفسية، لذا فان أي تحسن في البيئة الاجتماعية للانسان ينعكس بالايجاب على طاقته النفسية، ومن ثم تحسين نوعية الحياة، بل ويزيد من عمره، يبعده عن خطر الوفاة المبكرة.