الوزير الحكيم الصالح قصص إسلامية

0 161

محمد الفوزان

نزل رجل من البادية بغداد للعلم والتجارة، واستأجر غرفة ليسكنها، وكان بعد صلاة الفجر يخرج للعمل، وبعد صلاة الظهر يذهب إلى دروس العلم والمعرفة.
كان هذا الشاب يقسم أجر عمله إلى ثلاثة أقسام:
ثلث لأبيه، وثلث لصاحب الغرفة، وثلث لنفقته.
مرت عليه ثلاثة أشهر لا يستطيع أن يدفع إيجار سكنه، فقال له صاحب الغرفة:” أمامك ثلاثة أيام لدفع الإيجار، وإلّا سجنتك لأنني ما بنيت هذا البيت وقفاً للفقراء”.
خرج الرجل يبحث عن عمل في اليوم الأول فلم يجد، وذهب إلى ديوان الخراج يسألهم عملا فلم يجد، إلى أن جاء اليوم الثالث يوم سجنه، فخرج من بيته حاملاً الدنيا فوق رأسه، قال:” أخذت امشي إلى أن وجدت نفسي في أطراف بغداد، فوجدت بيتاً متهالكاً فقلت: أستريح، ووضعت يدي على الباب فإذا به مفتوح، وشيخ مسن مضطجع على سرير، فنادى عليَّ وقال لي:اسمع يا بُنَيَّ: ووالله ما ساقك إليَّ إلّا الله، وأنا الساعة أموت، وأشتهي عنباً.
فقلت له:” أبشر، ووالله لتأكلنَّ اليوم عنبا.
فانطلقت إلى السوق وذهبت إلى بائع يبيع العنب وسألته: بكم هذا العنب؟ فقال: بدرهم، فقلت له: خذ ثوبي هذا رهناً عندك إلى أن آتيك بالمال، وأخذت العنب وأنا أجري به حتى الحق بالرجل قبل ان يموت، وقدَّمتُ إليه العنب، مع أنِّي في حاجةٍ إليه أكثر منه.
وبعد أن أكل العنب قال لي: اسمع يا بُنَيَّ: هذا الركن في هذه الغرفة، احفر تحته وستجد شيئاً.
أخذت في الحفر إلى أن وجدت جرة مليئة بالمال والذهب، وقدَّمتها له، فسكبها في ملابسي ثم قال لي: هي لك.
اضاف: لكن لهذا المال قصة يا بُنَي، كنت أنا وأخي تاجرين كبيرين نذهب للهند والسند، ونتاجر في الحرير والصوف، وكنا نخاف اللصوص وقُطَّاع الطرق، وفي يوم من الأيام نزلنا منزلاً فقلت لأخي: هذا المنزل يرتاده قطاع الطرق، وأنا أخشى على مالي ومالك، أعطني مالك كي أخفيه مع مالي في مكان آمن، ثم أرجع إليك، فإن أصبحنا وسلمنا أخذنا مالنا ومشينا.
يقول: وما كِدت أدخل في النوم مع أخي إلّا وجاء اللصوص وقتلوا من قتلوا، ونهبوا ما نهبوا، وما أفقت إلّا من حر الشمس في اليوم التالي، وأخذت أبحث عن أخي فلم أجده لا بين الأحياء ولا بين الأموات، فدخلت بغداد وبنيتُ هذا البيت، وأخفيت هذا المال الذي هو مال أخي منذ عشرين عاما، فإن متُّ فهو حلال لك، ثم نطق الرجل بالشهادتين ومات.
قال: أخفيت المال، وخرجت على من يعينني على دفن هذا الشيخ، وبعد دفنه عدتُ لآخذ جرة المال، فبعد أن كنت فقيراً مُعدَماً أصبحت من أثرياء بغداد، وأخذت المال وذهبت إلى بائع الخضار وأعطيته ثمن العنب وأعطاني ثيابي، ثم أردت أن أركب مركباً لأنتقل إلى الناحية الثانية من نهر دجلة والفرات، فوجدت مراكب كثيرة، لكنني وجدت مركباً صاحبه يبدو عليه الفقر والعوز، فركبت معه وقد أحزنني حاله، وقد هممت أن أعطيه من هذا المال الذي معي، فبكى، ثم قال: والله ما كنت فقيراً في يومٍ من الأيام، فقد كنت تاجراً أذهب إلى الهند والسند، وأتاجر في الحرير والصوف، وكان لي أخ لا بارك الله فيه قد اتفق مع اللصوص كي يقتلونني ويأخذوا مالي، لكن الله نجَّاني، إلى أن آل بي المآل إلى بغداد.
يقول فاسودَّت الدنيا في عيني مرة ثانية، لقد أصبحت الجرَّة من نصيب صاحبها، ولا بُدَّ للمالِ أن يعود إلى صاحبه، تدخّل الشيطان وقال لي: أعطه بعضه أو نصفه، إلى أن توقفت وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقلت له: هذا المال مالك، فلم يُصدِّق الرجل، وحكيت له ما حدث بيني وبين أخيه، وأنني قد دفنته من ساعة فقط، فأخذ الرجل يبكي ويستغفر ربه لسوء ظنه بأخيه، ثم أراد أن يعطيني شيئاً من هذا المال فأبيت، لكنني طلبت منه أن يعذرني في درهم العنب.
ورجعتُ إلى بغداد مرة ثانية، فقيراً مُعدَماً كما خرجت منها من قبل.
وبينما أسير إذ بالعسكر الذين يعملون في ديوان الخراج ينادون عليَّ ويقولون لي: نبحث عنك.
فقلت: سيسجنونني لعدم دفعي إيجار الغرفة.
ثم قالوا لي: لقد مات بالأمس أحد الكُتّاب بالديوان، ونبحث عنك كي تعمل بدلاً منه، فأدخلوني عندهم وأعطوني مُرتّب شهر، فذهبت إلى صاحب الدار وأعطيته حقه في الإيجار إلى أن أصبحتُ وزيرا”.
ذلك هو يحيى بن محمد بن هُبَيْرة، الذُّهْلي الشَّيباني، أبو المظفَّر عون الدين، يرتفع نسبه إلى عدنان (499-560 هـ/1105-1165م)، كان من خيار الوزراء العلماء، وأحسنهم سيرة في الدولة العباسية، وكان فقيه حنبلي، أديب.
ومن أشهر تلاميذه ابن الجوزي، وقد جمع بعض فوائده، وما سمعه منه في كتاب المقتبس من الفوائد العونية.
كان ابن هبيرة عالمًا عابدًا تولى الوزارة للمقتفي لأمر الله والمستَنْجد، فنهض بها بحكمة وكفاية مع العبادة والورع.
قال عنه ابن الجوزي، رحمه الله:” خرج في جنازته ما لم يُرَ في جنازة غيره في عصره”.
” ومن يتقٍّ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه “.

إمام وخطيب

You might also like