الوصية

0 144

حمادة الأمير

جاءت الشريعة الإسلامية الغراء صالحة لكل زمان ومكان، جامعة المنفعة العظيمة للبشرية جمعاء، ومن الأمور العظيمة التي رغبت فيها الوصية، قوله سبحانه وتعالى:” كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ”، وجعلت لها المنزلة العظيمة لما لها من الأجر والثواب، والرصيد الدائم من الحسنات، ومن الأعمال الصالحة التي ينتفع بها الميت بعد موته وابراء ذمته من الديون، ودليل عظمتها أن تنفيذها يسبق تنفيذ الميراث لقوله تعالى:” مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ”، حيث انها صادرة عن إرادة حرة واختيار دون اكراه، أو اجبار.
والوصية لغة بمعنى الوصل، لأنها وصل لما كان في الحياة بعد الموت، يُقال وصيت كذا… بكذا بمعنى وصلته، وهي الإيصاء، وشرعاً هي الأمر بالتصرف بعد الموت، وتكون تبرع من الإنسان في حال حياته إلى إنسان آخر، أو إلى جهة خير على أن تنفذ الوصية بعد موت الشخص، ويكون تنفيذها على عاتق الورثة، أو الدولة حال عدم وجودهم.
وقد نظم القانون رقم 51 لسنة 1984 في شأن الأحوال الشخصية الوصية في المواد من 213 حتى 287، وعرف الوصية بأنها تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت، وتنعقد بالعبارة أو الكتابة، فإذا كان الموصي عاجزاً عنهما انعقدت بإشارته المفهمة، ويُشترط لصحتها ألا تكون بمعصية، وألا يكون الباعث عليها منافياً لمقاصد الشارع، وإذا كان الموصي غير مسلم صحت الوصية بشرط ألا تكون محرمة في الشريعة الإسلامية.
وتصح الوصية لله تعالى، ولأعمال البر من دون تعيين جهة وتصرف في وجوه الخير، كما تصح للمساجد والمصالح العامة، وتصرف على إدارتها وعمارتها، ومصالحها، وفقرائها، وغير ذلك من شؤونها، مالم يتعين المصرف بعرف أو دلالة، وتصح أيضاً لجهة معينة من جهات البر ستوجد مستقبلاً، فإن تعذر وجودها صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة، وتصح الوصية مع اختلاف الدين والملة، ومع اختلاف الدارين، ما لم يكن الموصي تابعا لبلد إسلامي، والموصي له غير مسلم تابع لبلد غير إسلامي، تمنع شريعته من الوصية لمثل الموصي.
ويشترط في الموصي أن يكون أهلاً للتبرع، وهو البلوغ والعقل، وألا يكون مديناً بدين مستغرق لجميع ثروته لان سداد الديون مقدم على تنفيذ ما جاء بالوصية، وإذا كان الموصي محجوراً عليه لسفه أو غفلة، أو بلغ من العمر ثماني عشر سنة، جازت وصيته بإذن من المحكمة، أو أجازتها، أما الوصية الصادرة من المحجور عليه قبل الحجر للسفه، أو للغفلة لا يحتاج استمرارها إلى إذن، ووصية المرتد والمرتدة نافذة إذا عادا إلى الإسلام، ويُشترط في الموصى به أن يكون مما يجري فيه الإرث، أو يصح أن يكون محلا للتعاقد حال حياة الموصي، وأن يكون متقوماً عند الموصي، والموصى له إن كان مالاً، وأن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات.
وتصح إضافة الوصية إلى المستقبل، أو تعليقها على الشرط، أو تقييدها به إذا كان الشرط صحيحا وبه مصلحة مشروعة للموصي أو للموصى له، أو لغيرهما، ولم يكن منهيا عنه، ولا منافيا لمقاصد الشريعة وفقاً للمادة 216.
وتبطل الوصية بموت الموصى له قبل موت الموصي لأنها حق له، أو بهلاك الموصى به المعين قبل قبول الموصى له، كمن أوصى لغيره بسيارة ثم احترقت، كما يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الوصية الواجبة قتل الموصي أو المورث عمدا، سواء أكان القاتل فاعلا أصليا، أم شريكا، أو كان شاهد زور، أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام على الموصي وتم تنفيذه، وذلك إذا كان القتل بلا حق، وبلا عذر، وكان القاتل مسؤولا جنائياً، ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية كلها أو بعضها صراحة أو دلالة.
وتنفذ الوصية لغير الوارث في حدود ثلث ما يبقى من التركة بعد وفاء الدين من غير إجازة الورثة، وإذا زادت على الثلث لا تصح الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي فأن اجازوها نفذت، وإن لم يجيزوها بطلت فيما زاد عن الثلث، وإن أجازها بعضهم ولم يجز البعض نفذت في حق من أجازها، وتنفذ وصية من لا دين عليه، ولا وارث له بكل ماله، أو بعضه من غير توقف على إجازة الخزانة العامة وفقاً لنص المادة 247.
وتلزم الوصية بقبولها من الموصى له صراحة أو دلالة بعد وفاة الموصي، فإذا كان الموصى له جنينا، أو قاصرا، أو محجورا عليه يكون قبول الوصية وردها ممن له الولاية على ماله، ويكون له ردها بعد إذن المحكمة. ويكون القبول عن الجهات والمؤسسات والمنشآت ممن يمثلها قانونا، فإن لم يكن لها من يمثلها، لزمت الوصية بدون توقف على القبول وفقاً للمادة 230.
وتصح الوصية للحمل إذا أقر الموصي بوجود الحمل وقت الوصية وولد حيا لخمسة وستين وثلاثمئة يوما فأقل من وقت الوصية، وإذا جاءت الحامل بولدين حيين، أو أكثر في وقت واحد، أو في وقتين بينهما أقل من ستة أشهر، كانت الوصية بينهما بالتساوي إلا إذا نصت الوصية على خلاف ذلك طبقاً للمواد 245،246، وإذا كانت الوصية بالمنفعة لمعين مدة محددة المبدأ والنهاية، استحق الموصي له منفعة في هذه المدة، وتصح الوصية بالمرتبات من رأس المال لمدة معينة، ويخصص من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة وفقاً للمادة273.
ونصت المادة 287 مكرر على الوصية الواجبة، وتجب في حدود الثلث من التركة لأولاد الابن الذي مات في حياة أبيه أو أمه، ولو حكما، وأولاد أبنائه، وأولاد أبناء أبنائه مهما نزلت درجتهم، ولأولاد البنات فقط دون أولادهم، ولفروع من مات مع أبيه أو أمه، بحيث لا يعلم من مات منهم أولا، كالغرقى والحرقى والهدمى، لأن هؤلاء لا يتوارث بعضهم من بعض، فلا يرث الفرع أصله في هذه الحالة بسبب عدم العلم بتحقق حياته عند موته، فيكون حاله كحال من مات قبل أبيه، ويشترط في الوصية الواجبة أن يكون الموصى لهم غير وارثين، وألا يكون الميت قد أعطاهم بغير عوض عن طريق تصرف آخر قدر ما يجب لهم، وتقدم الوصية الواجبة على غيرها من الوصايا، فإذا لم يوص الميت لمن وجبت لهم الوصية، وأوصى لغيرهم، استحق كل من وجبت لهم الوصية قدر نصيبه من باقي ثلث التركة ان وفي، وإلا فمنه ومما أوصى به لغيرهم طبقاً للمادة 287 مكرر ب.
مما سبق يتبين لنا أهمية الوصية، وحفظها للحقوق والأمانات، والوصية الواجبة وما تحققه من العدل والمساواة الاجتماعية، وعدم الظلم، والشقاق بين الأجيال، وحفظ حقوق الأيتام فليس عدلاً أن يتمتع الأخوة بأموال والدهم، وأبناء أخوهم المتوفى لا يجدون ما يسترهم، ويُتركون في مواجهة الفقر والحاجة بعد أن قاسوا ألم اليتم لفقد عائلهم الوحيد، فوجب علينا أن نحرص على كتابة الوصية، وإعطاء الحقوق لأصحابها قبل انقضاء الأجل، وحتى تبرأ ذمتنا أمام الله، وتكون لنا باباً للتوبة والجنة بإذن الله تعالى.

محام مصري

You might also like