الوقت من ذهب، إن لم تدركه ذهب محبرة وقلم

الوقت من ذهب، وهو كالسيف ان لم تقطعه قطعك يجب ان تستغله ايها المرء بما يعود بالنفع عليك في الدنيا والآخرة، وللوقت أهمية قصوى في حياتنا، فهو الزمن، وهو ايضا رأس مال الانسان، ولابد ان تعرف ان الانسان نفسه بضعة من الايام والشهور والسنين، كلما انقضى يوم من عمره انقضى بضع منه، واذا اتلف الانسان وقته بما يعود بالضرر عليه، فهو سفيه، ولأهمية الوقت ذكره المولى عز وجل في قرأنه العظيم، حيث يقول : ” والعصر، إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر” “سورة العصر” لذلك كن ايها المرء على حذر من موتة البغتة، وملك الموت لا يستأذن منك اذا قبض روحك، وانما ينفذ امر الحي الذي لا يموت، حينها لا تقال عثرتك ولله ابا العتاهية حيث يقول:
لا تأمن الموت في طرف وفي نفس
وان تمنعت بالحجاب والحرس
فما تزال سهام الموت نافذة
بكل مدرع منها ومترس
اراك لست بوقاف ولا حذر
كالحاطب الخابط الاعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك طريقتها
ان السفينة لا تمشي على اليبس
يقول الله سبحانه وتعالى:” وسارعوا الى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السموات والأرض، أعدت للمتقين” “آل عمران – 133” بعض الناس يقولون: “الوقت الضائع” وهذه تسمية ليست من محلها، فالوقت هو الوقت، ومن اقوال امير المؤمنين، الفاروق عمر بن الخطاب: “اني لأكرة أن ارى احدكم سبهللا “فارغا” لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة” يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” “المستدرك في الصحيح” فالوقت من ذهب، ان لم تدركه يقول أمير الشعراء احمد شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له
ان الحياة دقائق وثوان
اما افضل بيت قيل في الوقت فهو البيت الذي قاله الوزير العباسي التقي الورع الصالح يحيى بن محمد بن هبيرة “499-560هـ حيث يقول
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وآراه أسهل ما عليك يضيع
ومن شدة كرمة وكثرة عطاياه وجوائزه تدور السنة وعليه ديون حتى قال فيه بعض الشعراء:
«يقولون يحيى لا زكاه لماله
وكيف يزكي المال من هو باذله
اذا دار حول لا يرى في بيوته
من المال الا ذكره وفضائله
وابن هبيرة القائل في تقوى الله:
تمسك بتقوى الله فالمرء لا يبقى
وكل امرئ ما قدمت يده يلقى
ولا تظلمن الناس ما في يديهم
ولا تذكرن إفكا ولا تحسدن خلقا
تعود فعال الخير جمعا فكلما
تعوده الانسان صار له خلقا»
دعونا نتعرف اكثر على الوزير ابن هبيرة ونقترب من شخصيته، هو الامام القدوة والوزير المشهور، ابو المظفر، الشيباني نسبا، البغدادي مولدا وسكنا، صاحب الاراء السديدة والاستنباطات العجيبة من الكتاب والسنة، وزير الخليفة المستظهر بالله، (530 – 555 هـ) بلغ ابن هبيرة درجة عظيمة من العفو لمن اساء اليه رغم قدرته وسلطانه، وله مصنفات كثيرة منها: كتاب في النحو، العبادات الخمس، مختصر صلاح المنطق لابن السكيت، وغيرها، تولى الوزارة عام (544 هـ) ومع ذلك لم تغيره الوزارة، وصفه صاحب «سير اعلام النبلاء» بأنه على جانب عظيم من التدين، متعبدا عاقلا وقورا شديد التواضع، ذا رأي صائب بارا بالعلماء، مكبا على اعباء الوزارة، كثير العلم، كبير الشأن من حسنات الزمان، عمل وزيرا للمقتفي لامر الله العباسي ثم اصبح وزيرا للمستنجد بالله يوسف (555 – 566 هـ) وكان المقتفي بالله معجبا به، وبعد وفاته دخل ابن هبيرة على ابنه (المستنجد) وقال له: يا أمير المؤمنين، يكفيني اخلاصا اني لم احابيك، ايام ابيك، قال المستنجد: صدقت، وقد ذكر «مرجان» خادم الخليفة المستنجد ان المستنجد قال ابياتا يثني فيها على وزيره ابن هبيرة وهو امر عجيب، لم نسمع خليفة اثنى على وزيره شعرا قبل ذلك، الا المستنجد، فقد اشار الى ابن هبيرة وهو ماثل بين يديه فقال:
ضفت نعمتان خصتاك وعمتا
فذكرهما حتى القيامة يذكر
وجودك والدنيا اليك فقيرة
وجودك والمعروف في الناس ينكر
وفي الوزير ابن هبيرة يقول الشاعر (حيص بيص):
يهز حديث الجود ساكن عطفه
كما هز شرب الحي صهباء قرقف
اذا قيل عون الدنيا يحيى تألق
الغمام وماس السمهري المثقف
وكان ابن هبيرة يتأسف على قبوله الوزارة بعد ذلك، ويندم على ما دخل فيه (ابن الجوزي) وفي ليلة ثالث عشر جمادى الاولى، سنة ستين وخمسمائة من الهجرة اشتد مرض الوزير، فقاء، وحضر الطيب «ابن رشادة» فسقاه شيئا، فيقال انه سمه، فمات ابن هبيرة رحمه الله، ورأيت اثار السم على جسده، فحملت جنازته الى جامع قصر الخلافة، وخرج معه جمع لم نره لمخلوق قط «ابن الجوزي».

اكتفي بهذا القدر.

جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

[email protected]
كاتب كويتي

Leave A Reply

Your email address will not be published.