اليمن كما عرفته وحربه الطويلة

0 12

د. كريم فرمان

وددت كتابة هذه الإضاءة عن اليمن الذي عرفته عن قرب لمدة أربع سنوات متواصلة مقيماً به في ثلاثة مواضع، الأول قريب من مركز الحكم، والثاني استاذا في جامعة صنعاء كلية التجارة، والثالث علاقاتي الاجتماعية مع المشايخ ورجال القبائل والطلبة الذين يعبرون بعفوية عن طبيعة انشغالاتهم.
عندما وصلت صنعاء في مطلع شهر اكتوبر 1991م كانت حرب الخليج الأولى لها تداعياتها، وشعبية العراق على أوجها بين اليمنيين، ولما كان عدد العراقيين آنذاك لا يزيد عن اربعة اشخاص، فتسابقت الى مكتبي المتواضع وفود من طلبة الكليات الأخرى للسلام على أستاذ عراقي.
اليمنيون بشكل عام شعب صعب المراس، وبطبيعته ينشأ اليمني وكأن الله قد خلقه لمهمة واحدة هي القتال، ولا تستغرب ان تشاهد طفلاً لا يتجاوز سن السابعة يطلق الرصاص من الكلاشينكوف، وهم أيضا شعب فائق الذكاء وموهوب وصبور وكريم، تتجسد فيهم صورة الحكمة اليمانية والإيمان كما وصفهم نبينا الكريم محمد(صلى الله عليه وسلم). وتجتمع في الشخصية اليمنية في آن معا وبسبب طبيعة التضاريس الجغرافية والتأريخ العظيم صفتان متناقضتان هما القسوة واللين،وهذه وصفة يمنية يصعب على غير اهلها فك شفرتها.
ولمعرفة الحاضر اليمني وما يجري به من تفاعلات سياسية وانشقاقات حادة وتعدد الولاءات لا بد من تشخيص البنية الاجتماعية شبه الثابتة في اليمن، رغم تغير اشكال الحكم من إمامي ملكي إلى جمهوري الى نظام وحدوي شبه ديمقراطي، فالنظام الطبقي ما زال متحكماً بجوهر المجتمع خصوصاً في الشمال اذ ينقسم المجتمع الى 1:
بقايا الحكم الإمامي وامتداداتهم مع من ارتبطوا بهم مصلحيا ووجدانيا من رموز تأريخية او امتدادات سلالية، ومن هؤلاء يتفرع الحوثيون ومركزهم مدينة صعدة.
طبقة السادة، وهؤلاء يؤكدون كونهم من آل البيت حسباً ونسبا وأنهم من آزرو حكم الأئمة وتولوا خلاله ارفع المناصب، ويستبد بهم الحنين إلى ماضيهم، وكنت ارى في الطرقات والمجالس مظاهر التقدير لهم من تقبيل الأيادي والرأس الى حد تقبيل ركبهم، ويرتدون زياً مميزا ويخضبون لحاهم الكبيرة حتى تبدو في اليوم التالي حمراء صفراء تسر الناظرين.
طبقة الفقهاء،وهم بمثابة الطبقة المثقفة وليس لهم علاقة بالفقه الشرعي او التفسير،وليس غريبا ان ترى مأمور البريد او مدير المستشفى واحدا منهم.
طبقة مختلطة اجتماعيا ترتبط بوشائج المصالح والتحالفات، وتضم التجار وشيوخ القبائل وكبار الموظفين وضباط الجيش.
طبقة المزارعين وباعة الخضار والجزارين والحلاقين، والعنصران الأخيران يعانيان من حصار اجتماعي خانق، فلا يحظون بالتقدير والتكافؤ، ويمكن ان نعد من ضمن هذه الطبقة من يدعون بالأخدام وهم اشبه بطبقة المنبوذين في الهند.
هذا النمط من التصنيف الاجتماعي ليس من عدالة الإسلام في شيء، والتركيبة الاجتماعية هي من تحدد اتجاهات الحراك الاجتماعي والسياسي في أي بلد، وبسبب هذه النمطية فقد بقيت شرائح في شمال اليمن مرتبطة ذهنيا وعاطفيا بحكم الأئمة الزيود ابتداء من الامام يحيى وابنه الإمام أحمد،ومن ثم آخرهم الإمام البدر.
و رغم انك في صنعاء لا تلمس فروقات بين السكان في صلواتهم وطقوسهم في مساجدهم،أي بين الشوافع والزيود،لكن هناك مثل ما ذكرت اعداد كبيرة من طبقة السادة الذين يصر اليمنيون على مخاطبتهم بكلمة “سيدي” بمد الياء تبجيلا واحتراما وبقايا البيت الأمامي، وشرائح من القضاة ورجال الدين يرتبطون بالماضي، وكثيرا ما يشككون في احاديثهم بالحكم الجمهوري لليمن، وهؤلاء بالحقيقة هم من اشتغل عليهم الحوثي ومن ورائه إيران، فاستطاع وبأساليب حاذقة تحويل اعداد كبيرة منهم،خصوصا في مدينة صعدة،من المذهب الزيدي الى المذهب الشيعي الأثني عشري.
اليمن الذي عرفتها بمثابة عجلة تدور في محلها رغم ان الرئيس الراحل علي عبدالله صالح قد بذل جهودا كبيرة في تحقيق مكاسب مهمة،فحصل تطوير في العاصمة والمدن،وازداد عدد الجامعات واتسعت رقعة التعليم، واستخرج النفط، الا أن الرجل لم يكن راغبا، او قل قادرا،على أحداث تغيير جوهري في تحقيق الاندماج والتغلب على أزمات اليمن المزمنة في فرض القانون، والتغلغل في اقليم الدولة وتوزيع الخدمات، وقد كنت قريبا منه جدا وأحسبه كان ذكياً وماهرا وسياسيا داهية على تدني تحصيله الدراسي، لكنه كان مؤمنا ان حكم اليمن لا يستمر الا بالمناورة والمداهنة، واحيانا بالقوة وليس مراقصة الثعابين كما تنسب له، فقد نفى هو نفسه ذلك. ومرة قال لي السياسي اليمني البارزعبد الكريم الأرياني:” كنا خلال أزمة الكويت محتارين في توصيف الاحتلال العراقي للكويت في بياناتنا بما لا يغضب حليفنا العراق ولا المحيط العربي، فهناك من اقترح غزو، وهناك من قال الهجوم العراقي، وهنا نطق الرئيس: استخدموا مفردة الاجتياح”.
وكثيرا ما كان الرئيس صالح يشير الى خنجره الذي يتمنطق به كما هي التقاليد ويؤشر بصبعه نحو، هذا الخنجر او “الجنبية” بلهجة اليمن ليقول:” بهذا جئت وبه أذهب”. وصدقت رؤيته فقد وصل للحكم به وانتهى لاحقا به.
دعيت مرة لإلقاء محاضرة في كلية الأركان والقيادة في صنعاء من طرف عميدها، ان كنت اتذكره جيدا اللواء السياغي في العام 1993 عن الستراتيجية الوطنية والسياسة العليا، وعند انتهاء المحاضرة كانت عبارة الختام من طرف عميد الكلية:” وانت يا دكتور ماذا ترى لليمن”؟
ولما كانت عبارة ” ماذا ترى ” تنطوي على كثير من الرقة والتواضع ودماثة الخلق والتلميح الذكي،قلت: اليمن دولة قوية وضعيفة معاً، قوتها تكمن بتأريخها المجيد ونسيجها القومي وقوة الفرد اليمني، لكنها ضعيفة في قابليتها للانشطار السياسي والوطني، وفكرة الدولة ككيان ما زالت هشة في العقل اليمني، والحكم أشبه برجل يجلس على فوهة بركان لا يعلم متى يثور. وجرى نقاش طويل لا لزوم لذكره في هذه العجالة، فقط اريد الوصول الى نقطة جوهرية هي أن الحرب في اليمن، ومثل ما يقول كثيرون، قد طالت أكثر مما يجب، فهي ليست حربا بين جيشين نظاميين، انما بين قوات مدربة ومسلحة جيدا، وبين ميليشيات تحركها شعارات سلالية وطائفية وحسمها ليس عسيرا، ومن يقول ان لا احد في التاريخ حقق نصرا في اليمن، فهذا توصيف غير دقيق، فقد احتل وحكم صنعاء الفرس والأحباش والعثمانيون فترات طويلة، لكن هذه الحرب حديثة تستخدم فيها كل الأسلحة، وقد كسبت الشرعية وقوى التحالف العربي الحرب سياسيا من خلال عدم الالتفات لمشروع الحوثي شعبيا او دوليا، الا ان النزاع استطال من دون حسم، وربما يطول أكثر، فالحروب بدايتها سهلة ونهايتها صعبة خارج التوقعات.
اتذكر مرة كنت في اجتماع في الجامعة المستنصرية ببغداد عام 1980، وقد مر على الحرب مع ايران خمسة اسابيع ويترأس الأجتماع نائب الرئيس العراقي، سابقاً، طه ياسين رمضان، رحمه الله، فسأله احدهم: هل اعدت القيادة مستلزمات الحرب اذاما طالت؟ فأجاب بسرعة:” يا رفيقي لا تقلق فقد اعدت القيادة امكانات حتى لو طالت الحرب لستة شهور”، لكنها استمرت، للأسف، ثماني سنوات.
السؤال:ما الذي ينهي الحرب عسكريا؟ ولأنني لست عسكريا فقد سألت اثنين من الجنرلات العراقيين ممن اثق بقدراتهم العسكرية، احدهما أمضى عشرين عاما أستاذا في كلية الأركان اليمنية، والآخر عمل مستشارا عسكريا في صنعاء، ولهما معرفة وافية بصنعاء واليمن والتقت رؤيتهما على ان مفتاح النصر يكمن في صنعاء وليس الحديدة،على اهميتها كميناء يشكل موردا ماليا للحوثي، والذي يستطيع الحصول على تمويل أكبر ومن اطراف عدة، الا ان رمزية صنعاء كعاصمة سياسية وتاريخية جد مهمة، فبسقوطها يسقط الحوثي ومشروعه وتهرب فلوله، وكما قالا باللغة العسكرية: خطوتان وتنتهي بهما حرب اليمن، الأولى تطويق صعدة لقطع الإمداد عن صنعاء، والثانية الشروع بالهجوم على صنعاء ومحاصرتها،وهي تشبه صحنا منبسطا تحاصره الجبال من كل الجهات عدا منفذ المطار عمران ومنفذ الجوف،وليس من الضروري اقتحامها تلافيا للخسائر والضغوط الدولية،فالحصار والمشاغلة وقصف مراكز الميليشيات بطائرات الأباتشي، وتحريك مجموعات من سكانها ضد سلطة الحوثي سوف ينهيها خلال شهر واحد ويفرون منها كالجرذان.
ولولا ان للأموات حرمة لدى الأحياء، كنت وضعت كل النقاط على الحروف لكي يعلم الذين لا يعلمون ان الله سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد، وكما قال الشاعر:
“لو أنصفوا أُنصفوا لكن بغوا
فبغى عليهم الدهر بالآفات والمحن”.
اللهم ثبت أهل اليمن الطيبين على الحق والوحدة، واحفظ هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
باحث وأكاديمي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.