اليمن… لا طريق ثالثة

0

حسن علي كرم

عندما انطلقت الرصاصة الاولى في الحرب الاهلية اليمنية، ظن كل طرف انه سيكسب الحرب، وسيكتب له النصر، وسيملي على الطرف المهزوم شروطه وينفرد بالسلطة، لكن الحرب بعد ثلاث سنوات، لا منتصر فيها ولا مهزوم، ولا زال عض الاصابع مستمراً.
بدأت الحرب من خطأ او من خطيئة، ومن خداع النفس بالقوة والاستخفاف بالطرف الاخر، لذلك ظن الطرفان انها ستنتهي لصالحه خلال عشرة ايام، لكن العشرة ايام انتهت وجاءت عشرات الايام الاخر، وهي تدخل سنتها الرابعة، ولا زال صوت المدافع عالياً، بل بدا اشنع ضراوة وقسوة وفتكاً من أيامها الاولى، فلقد طاولت الحرب الضرع والزرع والانسان والحيوان، فهدمت البيوت وشردت الآمنين وظهرت الامراض الوبائية، وانتشر الجوع والضنك، وفقد الناس اعمالهم وبيوتهم واسرهم ففي الإحصاءات الاممية ان هناك اكثر من عشرين مليونا، من الثمانية والعشرين مليوناً وهم كل سكان اليمن، يعانون من المجاعة والامراض.
هذا بخلاف الهجرة الداخلية او الخارجية، فهل وضع طرفا الحرب كل ذلك في اعتبارهم عندما بدأوها؟
هناك مقولة ان من يبدأ الحرب فيطلق الرصاصة الاولى، لكن لا يعرف يطلق الرصاصة الاخيرة، وكل الحروب بدايتها رصاصة، الا انها انتهت بالجلوس الى الطاولة، المنتصر والمهزوم يتقابلان وجهاً لوجه، و أحياناً قد لا يكون هناك مهزوم.
حروب النصف الثاني من القرن العشرين كلها انتهت بلا منتصر ولا مهزوم، حرب الثمان سنوات العبثية بين العراق وايران انتهت لا هزيمة ولا انتصار (الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قال:” أردنا ان تنتهي الحرب بلا منتصر او مهزوم).
حرب تحرير الكويت انتهت بخيمة صفوان، اما الحربان العالميتان الاولى والثانية فالهزيمة كانت دول المحور، لكن لا انتصار حاسماً لدول التحالف، و قد ظلت ذيول الحربين مستعرة رغم تغير الأدوار بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، فاستعيضيت بالحروب الباردة، والحروب بالوكالة، ولم تكن حركات التحرير والثورات على الأنظمة التقليدية، انذاك، ونظم اقتصادية واجتماعية، الا ارتدادات طبيعية لمألات الحربين الاولى والثانية، ولا زالت آثارهما موجودة رغم مرور سبعة عقود على نهاية الحرب الكونية الاخيرة، الا ان هناك من يستذكرها لا تاريخاً فقط، انما مشهداً.
الحرب اليمنية- اذا جاز لنا وصفها بالحرب- ليست صراعاً على ارض، بمعنى ليست حرباً توسعية، بقدر ماهي صراع على الكرسي واستحواذ على سلطة، فلا الحوثيون سوف ينتصرون كي ينفردوا بالحكم، ولا الحكومة الشرعية برئاسة هادي سوف تنعم بالمقعد الرئاسي، ولا جماعات “الاخوان” او السلفيين، او أطراف غير فاعلة في الحرب تستطيع تثبيت وجودها وتنفرد بالسلطة.
الوضع اليمني معقد، حيث هناك القبائل التي تغير ولاءاتها وتقفز من هذه الجبهة الى تلك المضادة، وهناك الاحزاب رغم ضعف نفوذها، وهناك تنظيما “القاعدة” و “الداعش” الإرهابيين، وهناك قوى غير مرئيّة لكنها فاعلة، ناهيك بالقوى الخارجية ذات الذراع الاقوى في الحرب.
من هنا ينبغي قراءة الوضع على الارض، و في تصوري، كلما تأخرت الحرب زادت المآسي على اليمنيين، خصوصا الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكل امالهم وامانيهم العيش بسلام، وتوفير لقمة العيش.
لذلك ليس هناك طريق ثالث غير القاء السلاح، واعتراف كل الأطراف بأن الحرب باتت عبثية ومأسوية، وكلما تأخر الحل زادت الاوضاع تعقيداً، وإضعاف لليمن وسهولة استغلاله أرضاً وبحراً وخيرات.
اللقاءات السابقة التي جمعت أطراف الحرب الى طاولة الحوار، لا سيما حوار الكويت، انتهت الى الفشل، لان كان هناك من بين المتحاورين من ظن انه المنتصر والاتفاق على السلام هزيمة له.
أظن كان ذلك من منطق الغرور والوهم بالانتصار، الان بعد ثلاث سنوات على لقاء الكويت لم يسجل اي طرف نقطة انتصار لصالحه، بل الموقف اضحى لا منتصر ولا مهزوم، والمواطن اليمني وحده انهزم في داخله، فهو حي لكنه يموت كل يوم عشرات المرات!
في تصوري ان الأطراف الداخلة في حرب اليمن ربما قد وصلت الى قناعة بأن هذه الحرب يجب وضع نهاية لها، مع انبلاج غيوم حرب جديدة تظهر في سماء المنطقة، لعلها ان نشبت ستكون أفظع ضراوة وشناعة من الحرب اليمنية، لذا كان لقاء جنيف المقرر في السادس من الشهر المقبل هو الأمل والفرصة الذهبية والاخيرة لكل الأطراف، وهو الذي لا ينبغي تفويته او الاستخفاف من نتائجه، فالثابت ان اليمن لن يستأثر به طرف على هزيمة الطرف الاخر، بمعنى لن يكون هناك مهزوم او منتصر، انما الكل مهزوم اذا استمرت حالة الحرب.
لقاء جنيف الذي يبني عليه اليمنيون آمالهم ينبغي ان يجمع كل اليمنيين الى مائدته، وان لا ينفض الا باتفاق جامع لكل الأطراف.
هذا ما ينبغي ان يأخذه الوسيط الدولي السيد غريفيت في حسبانه، وفي مقدمة تلك الاعتبارات المسالة الجنوبية، فالجنوبيون لن يقبلوا باقل من الاستقلال، الجنوب دولة مستقلة ذات سيادة ودخلت في سياق الوحدة مع الشمال عن تراض، لكن الانانية والنوايا السيئة، فرضتا الحرب العدوانية على الجنوب صيف العام 1994، ومنذ ذلك الوقت والجنوبيون لم يتركوا خيار النضال السلمي، ولم يستسلموا للواقع المرير.
صحافي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

18 − 13 =