اليهودية السياسية و الولايات المتحدة و العرب – الحلقة 10

0 8

باسل محمد

لا يمكن تأمل ضعف اليهودية السياسية الا بضعف الولايات المتحدة كدولة كبيرة رقم 1 في العالم، بمعنى أي أزمات داخلية في الولايات المتحدة، سيما اقتصادية أو أمنية ( والصراع الأمني هو انهيار حالة السلم بين رأس المال و بين المجتمع لأي سبب كان واندلاع احتجاجات واسعة ) سيؤدي الى تراجع كبير في القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لليهودية السياسية التي أسست الدولة اليهودية بفلسطين وترعاها و توفر لها كل أسباب الحياة.
بالنسبة للعالم العربي، يوجد رهانان (1) حدوث تداعيات مهمة في بنية الولايات المتحدة الداخلية. (2) حدوث تغييرات مهمة في موقف الولايات المتحدة لصالح العرب ضد اليهودية السياسية وهذا أمر شبه مستحيل لعدم توفر قدرات الستراتيجيات الذكية لدى الدولة السياسية العربية ولدى الحركة السياسية العربية بصورة عامة.
بمعنى، يمكن للعالم العربي أن يكون له مصلحة في ولايات متحدة قوية وعظيمة،لكنه من الصعوبة الجمع بين قوة الولايات المتحدة و مسألة اضعاف اليهودية السياسية الا في حالتين: (1) أن ينجح العرب في بناء ستراتيجية مذهلة لاستخدام رأس المال في بلورة نفوذ لها في الولايات المتحدة بحجم وقوة وذكاء نفوذ اليهودية السياسية. و (2) أن ينجح العالم العربي في الخروج من سطوة الدين و المتدينين في مجتمعاته ويبتكر له نظام قيم مذهلا يحسن من نظرة القيم في العالم مع العرب، ولا يعني ذلك التخلي عن الإسلام على الإطلاق بل وضع الدين تحت قيادة المنهجية العلمية ومصلحة الستراتيجيات العظيمة للأمة العربية.
مشكلة العالم العربي، أنه لا يتقن ستراتيجيات أن يكون من الأقوياء و المتفوقين في العالم،أو أن لديه مشكلات سياسية مع هذه الستراتيجيات، لأن استلهامات تجربة العالم المصري أحمد زويل في الولايات المتحدة مهمة للغاية، فالرجل تفوق علمياً وعملياً وكان يمكن لليهودية السياسية النافذة في الولايات المتحدة أن تعترضه و تحد من صعوده، من قام بهذه المهمة؟ الدولة السياسية العربية عندما عرقلت بناء جامعة زويل العلمية في الجيزة بمصر لسنوات عدة، ولم يجد من رأس المال العربي من يمول هذه الجامعة التي مازالت تعاني من قلة التشغيل منذ العام 2012.
بمعنى، اليهودية السياسية القوية في العالم، و مركزها أو ثقلها في الولايات المتحدة،تكسب من تجربة زويل نقطتين: نقطة أنها تحلت بقيم جميلة و فسحت لزويل صعوده العلمي في أميركا لأن معظم المؤسسات العلمية الأميركية ترتبط بنفوذ اليهودية السياسية. والنقطة الأخرى، أظهرت الدولة السياسية كعدو لدود للتطور العلمي و الكفاءات العلمية،و هذا الأمر سيتفاعل في مرحلة لاحقة في الوعي العام لشعوب المنطقة.
المشكلة الأكبر للعالم العربي في كسب الولايات المتحدة على حساب اليهودية السياسية أن هذا التقارب بات مرهوناً بهذه اليهودية. اليهودية السياسية هي من تحدد مستوى هذا التقارب وحدوده، اي أن هذه اليهودية تسيطر على الدوائر السياسية الأميركية و تسيطر على العلاقات الأميركية العربية.
بالنسبة لرأس المال العربي المودع في الولايات المتحدة، ما أهدافه؟ تشجيع واشنطن على حماية المنطقة و التجارة مع المنطقة و نشر قوات أميركية عند الضرورة لمواجهة الإرهاب في المنطقة وبالتالي ليست غايته مواجهة اليهودية السياسية و التغلب عيها.
هل تشكل اليهودية السياسية، خطراً على البسلتينيين فحسب أم على العالم العربي كله؟
بعض العرب، لديهم قناعة في السر بأن اليهودية السياسية ودولتها اليهودية بفلسطين طالما لا تشكل خطراً عليهم، فلا يوجد دافع للضلوع في ستراتيجية اضعاف اليهودية السياسية.
نعم، الدوافع لمواجهة اليهودية السياسية و دولتها اليهودية القومية ببلستين لدى الدولة السياسية العربية، غير موجودة وغير واقعية وغير مقنعة، ليس بسبب الخشية من الولايات المتحدة أو لأن الدولة اليهودية قوية عسكرياً فحسب. بشكل مؤكد، توجد أسباب جوهرية، فسورية أو العراق أو اليمن أو ليبيا، كيف يمكنهم الانخراط في العمل الستراتيجي ضد اليهودية السياسية وهم غارقون بمشكلات نظام السلم وسفك الدماء والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية المترتبة على هذه المشكلات؟ كيف لمصر والأردن والجزائر و تونس والمغرب والسودان ولبنان أن يفكروا بخطر اليهودية السياسية عليهم في المستقبل، اذا كانوا يكابدون في الإدارة والاقتصاد وتحقيق متطلبات السكان في العمل و الصحة و التعليم و الثراء وبعض هذه الدول، روحه معلقة على مساعدات أميركية؟ كيف يمكن لدول الخليج العربي الغنية بالموارد، أن تقنع نفسها بوجود حاجة ملحة لبناء ستراتيجية عربية لمواجهة اليهودية السياسية وتمويل هذه الستراتيجيات،و هذه الدول تفكر بخطر ايراني و تتعرض لخطط ايرانية للنيل منها،ودولة من هذه الدول الخليجية وهي الكويت، تعرضت لغزو من الدولة السياسية العربية في العراق ولم تتعرض لغزو من الدولة اليهودية بفلسطين؟
بتفكير علمي، لا يمكن توقع اضعاف الولايات المتحدة كوسيلة لإضعاف اليهودية السياسية أو لا يمكن تأمل اصطفاف الولايات المتحدة مع العرب على حساب اليهودية السياسية،لكنه يمكن توقع الأسوأ في ستراتيجيات هذه اليهودية السياسية للنيل من العالم العربي و تحقيق السيادة عليه بطرق غير عسكرية أو عسكرية.
بافتراض رأس المال العربي، وعى لأهمية بلورة نفوذ له في الولايات المتحدة على غرار نفوذ اليهودية السياسية: هل هذا كاف؟ لأن ما يجمع اليهودية السياسية والولايات المتحدة هي القيم المشتركة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.
وفي هذا السياق، تكمن المعضلة في وجود نظرة قيم عالية أميركية مع اليهودية السياسية،في حين توجد نظرة قيم دونية مع العالم العربي، اي أن العرب لا يملكون قيماً لها تصنيف عالمي كما هي السلع،و في كثير من الحالات نرى مسؤولين عربا يرددون القيم التي تريح الأميركيين في اجتماعاتهم كونه تناغما مفيدا في السياسة، طبعاً يرددون بالعبارات اللفظية فحسب.
على سبيل المثال لا الحصر: الخلاف بين الإمارات و قطر: دفع الإمارات الى طرد الطلبة القطريين وتقييد لم شمل العائلات القطرية الإماراتية المشتركة، رغم أن الذهاب الى تكلنوجيا السلع المذهل يجب أن يؤدي الى تكنلوجيا القيم المذهل بالموازاة و التزامن.
في أهم سؤال: هل اليهودية السياسية و الولايات المتحدة ستتركان العالم العربي بحاله حتى في ظل عزوف الدولة السياسية العربية عن بناء ستراتيجيات ذكية لتقويض اليهودية السياسية و الدولة اليهودية القبيحة ببلستين وحتى مع عزوف العرب عن مساندة البلستينيين كطرف رئيس في منع استفحال الخطر اليهودي على المنطقة؟
الجواب: كلا، لن يتركوا العالم العربي بحاله و لا يحلم العرب أن تتركهم اليهودية السياسية بحالهم لأنه طالما يملكون الستراتيجيات الذكية، و طالما العرب لا يملكون هذه الستراتيجيات، فالوضع مغر و المشهد يفتح الشهية لليهودية السياسية و للدولة اليهودية ببلستين و للولايات المتحدة، جميعهم سيتطلعون الى تحقيق المزيد والمزيد.

إعلامي وباحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.