اليهودية القبيحة في أوروبا ( الحلقة الرابعة )

0 4

باسل محمد

المشكلة في موضوع بني اسرائيل واحتلال فلسطين واقامة دولة اسرائيل فيها تكمن في اليهودية التي انتقلت الى أوروبا بعد الخلاف بين التوارتيين والتلموديين، والخلاف بين هذه الأخيرة و بين المسيح، ثم انتقال التلموديين الى أوروبا بعد اعلانها دخول المسيحية وهناك أسسوا اليهودية و نشروها.
من ظهور المسيح وحتى التحرك الذي نفذه التلمودي اليهودي ثيودر هرتزل نهاية القرن التاسع عشر، وتأسيس الحركة الصهيونية التي أسميها بالإسرائيلية السياسية أو اليهودية القبيحة، يوجد قرابة 2018 عاماً ناقصاً قرابة 113 عاماً.
خلال هذه الفترة، ركزت اليهودية على بناء دعائم النفوذ السياسي في أوربا و نجحت في ذلك بدليل الخطوة التي قام بها هرتزل بذكاء شديد وحصل فيها على دعم سياسي لدول أوروبية قوية عظمى في مقدمتها بريطانيا.
السؤال: لماذا اضطر هرتزل الى تأسيس حركة الإسرائيلية السياسية أو الصهيونية؟ كان يمكن أن يعتمد على أسس ودوافع و خلفيات انتقال التلمودية الى أوروبا و تأسيس اليهودية فيها منذ دخول أوروبا الى المسيحية.
الجواب ببساطة: أن قسماً مهماً من اليهودية الأوروبية بدأ يتصرف كما تصرف بنو اسرائيل في العالم العربي، وفي فلسطين بالتحديد، اي أنهم سلالة نبوة ولا يرمون لبناء دولة ولا يعتدون على حقوق الآخرين ويريدون العيش بسلام مع شعوب المنطقة ضمن خصوصيتهم كسلالة أنبياء.
لذلك احتاج هرتزل الى عملية منهجية لإعادة اليهودية الى فلسطين وبناء دولة باسم اسرائيل،لسبب وجيه وهو أنه يريد كسب ود بني اسرائيل ( اليهود العرب بالمصطلح السائد اي بني اسرائيل التوراتيين الذين بقوا بالمنطقة كجزء منها ومن دولها وشعوبها) اي الذين قبلوا العيش في العالم العربي كخصوصية نبوة ضمن شعوب المنطقة و ليسوا دولةً و ليسوا شعباً.
الأمر الأكثر ذكاءً في منهجية هرتزل في اختيار تسمية دولة اسرائيل: ان اسرائيل مذكورة بالقرآن وبنو اسرائيل لديهم وجود جيوتاريخي منذ أمد طويل بالعالم العربي، وبالتالي أراد تحقيق شرعية دينية وتاريخية لفكرته في العودة الى فلسطين بدليل أن بعض القنوات السياسية و الأجتماعية العربية بدأت تتقبل قيام دولة اسرائيل استناداً الى ذكر بني اسرائيل بالقرآنيات.
طبعاً، اليهودية في أوروبا تعلمت الفكرة الاستعمارية واساليبها سيما اسلوب الاستيطان من الأوروبيين، بمعنى، أوروبا الاستعمارية القوية ألهمت اليهودية،وهرتزل واحد منها،بالاستعمار و القوة و العودة الى فلسطين و المنطقة العربية بعد قرابة 2000 عام من شتات الجزء الذي تمرد على بني اسرائيل و التحق مع المسيحية الاوروبية وذهب الى أوروبا واستقر فيها.
في القرآن، كتاب المسلمين المقدس، دائماً هناك آيات تجمع اليهود والنصارى، و لا توجد آيات تجمع بني اسرائيل و النصارى، كما توجد آيات تنتقد اليهود و النصارى بموضع واحد. طبعاً رجال الدين المسلمين اربكوا فهم تفسير من اليهود ومن بني اسرائيل و من النصارى ومن المسيحيون؟
المشكلة في رجال الدين المسلمين أنهم يضيفون اعباءً على الفهم و التحقق،ولذلك هم ابتعدوا على العناصر المنهجية في الموضوع: كيف تحول بنو اسرائيل الى يهود؟ كيف انتقل اليهود من المنطقة وهي معقلهم الجيوتاريخي الى أوروبا؟ ما العلاقة بين اليهودية و أوروبا الاستعمارية؟ ما صلة فكرة اليهودي التلمودي هرتزل بالفكرة الاستعمارية الأوروبية؟
في كل كتابات رجال الدين المسلمين، كما هي مؤلفاتهم و مواقفهم الفقهية، يتقنون المفاهيم الجانبية كما يتقنون المعارك الجانبية التي نراها في التاريخ الحديث، سواء لجهة فهم دين محمد و أولوياته وصلاته بنظام الحياة و تطور هذا النظام، أو لجهة جهودهم من اجل مجتمع ديني أو دولة دينية في المنطقة لا تؤمن بالعلم و التفوق العلمي كقيمة ومصدر قوة لمجتمعات دين محمد.
عودة الى منهجية اليهودي التلمودي هرتزل، هو أعلن عن اقامة وطن قومي لليهود،و لم يقل في مؤتمر أتباعه الأول في سويسرا وفق برنامج بازل اقامة وطن قومي لبني اسرائيل لأن الإسرائيليين الذين يسمون باليهود العرب كانوا بوضع اندماجي مع شعوب المنطقة في ميادين العمل و العلاقات الإنسانية و الهوية. بمعنى كان هرتزل بفكرة وطن قومي لليهود، يخاطب اليهود الذين انتشروا في بقاع العالم ولم يوجه فكرته الى بني اسرائيل في العالم العربي (اليهود العرب بالتسمية). طبعاً لم يقل وطن قومي لبني اسرائيل، لكن تسمية الوطن القومي لليهود سمي بإسرائيل لإضفاء قوة نفسية وسياسية ودينية لهذا العمل.
بشكل مؤكد، فكرة هرتزل عن وطن قومي لليهود في فلسطين تسببت بمشكلات لبني اسرائيل الموجوين في المنطقة نتيجة ردود أفعال غير مفيدة صدرت عن دول سياسية عربية، أو جهات دينية عربية أو جهات اجتماعية عربية،اي أن اليهودية في أوروبا التي اسست لبرنامج وطن قومي لليهود بفلسطين خلقت مشكلة لبني اسرائيل بالمنطقة،و استفادت من تداعيات المشكلة في ضم هؤلاء الى الفكرة اليهودية الأستعمارية وكسب تعاطفهم و تأييدهم.
المثير، كل الوثائق التي تتعلق بمؤتمر بازل بزعامة هرتزل لم تؤكد أنه من بين الوفود الحاضرة، يهود عرب ( بنو اسرائيل الباقون بالمنطقة و المتحابون مع شعوبها) واذا ثبت هذا الأمر بشكل قطعي، يمثل دليلاً قوياً على أن فكرة وطن قومي لليهود هي فكرة اليهودية في أوروبا حصراً، و أن يهود المنطقة بالتسمية الشائعة بريئون منها الى أن تم توريطهم بها.
في العراق، على سبيل المثال لا الحصر، بعد اعلان دولة اسرائيل بفلسطين العام 1948، بنو اسرائيل ( اليهود العراقيون بالتسمية) تعرضوا لردود أفعال عنيفة على عمل قامت به اليهودية في أوروبا، بمعنى طبيعة ردود الأفعال المتشنجة في العراق و مصر و غيرها، ساهمت بوضع يهود المنطقة بالتسمية الشائعة تحت قبضة فكرة هرتزل اليهودي التلمودي الذي تاثر بالفكر الأستعماري لأوروبا.
بدقة متناهية: الحاضرون في مؤتمر بازل بزعامة هرتزل هم الأقوياء المدعومون من الأقوياء في أوروبا مقابل مجتمعات في العالم العربي لا تملك ستراتجيات قوة و لا ستراتيجيات ذكاء. وستراتيجياتها ان وجدت هي ستراتيجيات كراهية بينهم، والكره، مصدر ضعف و الكره، مصدر غباء.

اعلامي وباحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.