انتخابات عربية مفخخة

0

شهدت ثلاث دول في المنطقة أخيراً انتخابات، نيابية وبلدية، كشفت فيها النسب المتدنية للناخبين قرف الشعوب من ممارسات سياسية غير سوية سادت في السنوات الأخيرة، وأكدت بصورة مباشرة رفضها لقوانين انتخاب تفصل على مقاس مرشحين وقوى سياسية مفروضة بقوة السلاح في كل من العراق ولبنان على شعوب هاتين الدولتين، أما النسبة المتدنية للمقترعين في الانتخابات البلدية الكويتية فهي دليل على استياء المواطنين من المجالس البلدية والنيابية التي خرجت في ممارساتها عن الدستور والأعراف، وحتى أبسط قواعد الديمقراطية.
العزوف عن المشاركة في الاقتراع لم يقتصر على الكويت، ففي العراق لم تصل النسبة إلى 47 في المئة، وهي الأدنى منذ العام 2005 حين بدأت الانتخابات المتعددة الحزبية، أما في لبنان فالحال أكثر سوءاً من الكويت والعراق، لأن قانون الانتخابات الجديد الذي استمر الجدل بشأنه نحو 11 سنة انتهى إلى مسخ مفصل على مقاس قوة سياسية مهيمنة بقوة السلاح على قرار الدولة، لأنه كتب بحبر الخوف من “حزب الله” المجاهر بخروجه على الإجماع الوطني والساعي إلى فرض رؤيته العوراء على اللبنانيين، ما جعل هذا البلد مستعمرة إيرانية تظللها بعض رتوش زينة الديمقراطية الطوائفية.
نعم، الحال في العراق ولبنان متشابه من حيث اللاعب الأساسي من خلف الكواليس، أي محرك الدمى النيابية الإيراني الهادف لجعل المجتمع الواحد كنتونات طائفية ممثلة بقوى يجري اختيارها بقوانين انتخابية لا تمت إلى الديمقراطية بصلة.
صحيح أن الانتخابات الكويتية صحية شكلاً أكثر من مثيلتيها في البلدين الشقيقين، لكن الثغرات في قانونها يجعلها لا تختلف في المضمون عنها في تلكما الدولتين، وليست الانتخابات الفرعية التي تسبق انتخابات مجلس الأمة عندنا، إلا الدليل على الانحراف عن المسار الصحيح لمنطق الدولة، وقد تجلت بشاعة هذا المشهد كله في الاستجوابات التي شهدها مجلس الأمة أخيراً حيث كانت اللغة القبلية والطائفية الطاغية على الخطاب النيابي.
هذه المهازل التي تسمى انتخابات لم تشهدها الديمقراطيات في العالم منذ نشأتها في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ طوال 2500 سنة على هذه التجربة تعرضت الكثير من الدول لهزات كبيرة بسببها، لكنها كانت تعمل على الخروج منها أكثر قوة إلا عندنا في العالم العربي.
لذا إذا كنا نسعى إلى التعلم من تجارب الآخرين فإن المجتمعات الاوروبية طورت نفسها بعد مخاضات عسيرة، وكان يمكن أن تشكل أساساً للبناء عليه في الدول العربية، التي للأسف تستورد كل شيء من الخارج، بما فيها الديمقراطية، لكنها تأخذ بالشكل وليس المضمون الذي يتحول عندنا ديكتاتورية حزبية، وليست ثقافة وأسلوب حياة.
بعد عقود من التجارب الديمقراطية والانتخابات القائمة على التزوير المفضوح لإرادة الشعوب، ثبت أن هذا النهج لا يصلح للعالم العربي الذي يحتاج إلى تثقيف أكثر بمعنى الديمقراطية، فيما أثبتت الملكيات العربية أنها أكثر قوة وتأميناً للاستقرار والنهوض الاقتصادي بدليل ما كانت عليه مصر في عهد الملك فاروق من ازدهار، أما صورتها في العهد الجمهوري الناصري فلا تختلف عنها في العراق الثوري حيث المقابر الجماعية والسحل في الشوارع لغة الثوار، والأمر نفسه ينطبق على ليبيا السنوسي التي كانت واحدة من أكثر الدول ثراءً وقوة، إلى أن جاءت جماهيرية معمر القذافي فأحالتها خراباً.
نتيجة لهذه الحقيقة فإن الديمقراطية في العالم العربي مجرد مظلة مليئة بالثقوب تعبر من خلالها سموم نزعات السيطرة الحزبية والفئوية، ولهذا هي ليست ضمانة لبناء دولة لا يمكن أن تقوم لها قائمة مادام من يفصلون قانون الانتخاب ويحتالون عليه يجعلون صندوق الاقتراع عبوة مفخخة تنفجر بوجه كل من يحاول أن يفرض منطق الدولة والقانون، ويرفض الخضوع لإرادة السلاح أو قوة العصبية الطائفية والقبلية.

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

3 × 3 =