انتفاضة شيعية من إيران إلى لبنان

0 64

ثمة من يتصور أن العقوبات التي أقرتها الولايات المتحدة الأميركية أخيراً على “حزب الله” اللبناني تقف عند حدود هذه العصابة الإرهابية ولا تتعداها إلى بقية اللبنانيين، ولن تمسهم، فيما هي في الحقيقة عقاب لهذا الشعب الذي قبل بأن تتحكم في مصيره عصابة مأجورة فارسيا، تسعى إلى تغيير ثقافة الشعب، تماماً كما سعى نظام الملالي إلى تغيير عقائد شعوب الإقليم لتستجيب إلى ما يقرره طواويس الغرور الفارسي ويسقطونه على الآخرين بأغلفة دينية.
هذه العقوبات وما سيتبعها من إجراءات ضد إيران في الرابع من شهر نوفمبر المقبل تزيد الخناق على عنق مشروع التوسع الثقافي والعقائدي بالإرهاب، وبالتالي فإنها فرصة مواتية لكي تخرج الشعوب المغلوبة على أمرها من ربقة الاحتلال المقنع الفارسي لتستعيد دورها الطبيعي الذي أدته طوال قرون، وقبل أن تصاب الأمة بحمى الطائفية التي جاء بها الخميني كي يقيم إمبراطورية أجداده الفرس من جديد.
طوال العقود الأربعة الماضية أنفق نظام الملالي مئات مليارات الدولارات على تسويق مشروعه، تارة بالعنف المسلح، وطوراً بالإرهاب وزرع العصابات الطائفية في دول عدة، وخصوصاً حيث هناك أقليات شيعية، ولم يختلف في ذلك عن نظيره السني المتمثل في جماعة “الإخوان” التي عمدت إلى تغليفها الثقافة الشعبية السنية الوسطية، بالشعارات والمناهج الدراسية العنفية، خصوصا بعدما أصيبت بهزيمة كبيرة في مصر، وتفرقت في دول الخليج العربية حيث ركز منتسبوها على العمل في قطاع التعليم ليقينهم أنه بوابتهم للدخول إلى المجتمعات.
قبل مرحلة الانقلاب الخميني على الشاه، كانت العلاقات الطائفية بين أبناء المجتمع الواحد قائمة على المحبة والود، ولم تكن هناك أي دعوات للتفريق، ففي العراق وحده هناك نحو 1.5 مليون زواج مشترك بين السنة والشيعة، وكذلك في السعودية والكويت والبحرين ولبنان، ولم تعرف هذه المجتمعات مشاحنات وانقسامات، غير أن كل هذا تهاوى عندما ظهر الخطاب الخميني بلكنة فارسية، وراح ينبش في التاريخ عن جيف الفتن ويعيدها للحياة.
الخميني، ونهجه السياسي الذي لا يزال سائداً إلى اليوم، لم يختلف عما فعله أئمة سنة في العصور الغابرة، لا سيما في الدولتين الأموية والعباسية، الذين وضعوا مؤلفات الهدف منها التفريق بين أبناء المجتمع الواحد لخدمة مصالح سياسية بحت، غير أن هؤلاء سقطوا على مر التاريخ ولم يبق من فكرهم إلا المنحرفون عن الدين الصحيح، مثل “القاعدة” و”داعش” و”التكفير والهجرة” وغيرها من الجماعات.
هذه الجماعات الإرهابية المنبوذة شعبياً في غالبية العالم الإسلامي، خرجت من رحم “الإخوان” الذين كانوا الحليف الأول للخميني في حركته الانقلابية، أي بمعنى آخر كان الطرفان وجهين لعملة واحدة فاسدة.
اليوم كل هذا يبدو مشرفاً على التغير، سواء أكان في إيران حيث 64 في المئة من الشعب شباب، وهم يرفضون وضعهم في قفص هيمنة رجال الدين ويتوقون لعيش حياة عصرية، أو في لبنان حيث أيضا نسبة الشباب عالية جداً، والتنوع الديني فرض نمطاً ثقافياً لم يتأقلم معه “حزب الله” الذي شكل عقبة حقيقية في مسيرة اللبنانيين للخروج من تبعات الحرب الأهلية، عبر الانقسام العمودي الحاد الذي أحدثه في التركيبة الاجتماعية من خلال التأجيج الطائفي.
لذلك فإن العقوبات الأخيرة على كلا الطرفين ستؤدي لا شك إلى بداية تبلور انتفاضة شعبية أساسها الشيعة الذين يتحملون الضريبة الكبرى، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وعندها لن تكون المنطقة بحاجة إلى حروب جديدة، بل إلى خطاب وحدوي إيراني يعيد لإيران هويتها المدنية التي كانت عاملاً مؤثراً في الحركة الحضارية، وفي لبنان حيث يستعيد عافيته الثقافية والاقتصادية ويتخلص من الاحتلال المقنع.

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.