انهيار الغرب…أحدث نظريات موازين القوى في العالم الباحث الأميركي تشارلز كوبتشان يبشر بوصول دول جديدة إلى القمة

0

القاهرة – شريف حمودة:
هو عالم متغير، متقلب، تتبدل فيه موازين القوى، وتتنقل مراكز السيطرة على العالم من عاصمة إلى أخرى، وفق متغيرات ومستجدات كثيرة، سياسية، وعسكرية، واقتصادية، وحضارية.
بعد حلقاته المثيرة في هذا المضمار، التي ابتدأها بـ»نهاية العصر الأميركي»، و»كيف يصبح الأعداء أصدقاء؟»، يواصل الباحث الأميركي تشارلز كوبتشان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، رحلته مع قراءة مستقبل العالم وخريطة موازين القوى، بعيون تحليلية رقمية، حيث تنبني الاستنباطات الذهنية على معطيات وحسابات ومؤشرات.
«عالم واحد للجميع» أحدث أطروحات تشارلز كوبتشان، تضمنت نخبة من أبحاثه ومقالاته التي نشرها في صحف عالمية، ثم نقلها إلى العربية المترجم كمال السيد في كتاب عن مركز الأهرام للترجمة والنشر بالقاهرة. وفي هذه الدراسة المثيرة، يشير كوبتشان إلى قرب انتهاء عصر قيادة الغرب، وفقدانه السيطرة على العالم خلال السنوات القليلة المقبلة، في حين تصعد قوى أخرى إلى القمة والحداثة، منها: الصين والهند والبرازيل وروسيا.
تشارلز كوبتشان، الذي كان يعمل في «مجلس الأمن القومي» في عهد الرئيس كلينتون، يقدم أطروحته الجديدة في إطار وضعيته كزميل أول بمجلس العلاقات الخارجية، وقد تأسس هذا المجلس في 1921، وهو منظمة مستقلة، العضوية فيها غير حزبية، كما أنه هيئة بحوث، وناشر، مكرس ليكون عونًا لأعضائه، والمسؤولين الحكوميين، ومديري الأعمال، والصحافيين، والمعلمين، والطلاب، والقادة المدنيين والدينيين، وغيرهم من المواطنين المهتمين، لمساعدتهم على أن يفهموا العالم وخيارات السياسة الخارجية التي تواجه الولايات المتحدة ودولًا أخرى، على نحو أفضل. وليس لـ»مجلس العلاقات الخارجية» أي ارتباط بحكومة الولايات المتحدة، وآراء باحثيه ومؤلفيه تقع مسؤولياتها عليهم وحدهم.
من مفاجآت تشارلز كوبتشان الصادمة، ما يراه بأن الاتحاد الأوروبي يوشك أن يحتضر، وهذا الموت ليس مفاجئًا، بل هو موت بطيء متدرج، حيث يبدو مشروع التكامل الأوروبي في سبيله إلى الامحاء، وهذا الغياب الأوروبي اقتصادي في جانب كبير منه، يعود إلى الأزمات المالية المتلاحقة وارتفاع الديون الوطنية.
وفق كوبتشان، فإن قيادة الغرب في سبيلها إلى الانزواء، إذ يتجه العالم نحو التنوع السياسي والأيديولوجي، والدول الصاعدة لن تذعن لقيادة الغرب، ولن تأخذ بطريقته، فقد تحقق صعود الغرب نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية خاصة به، في حين تتبع الدول الصاعدة حاليًا إلى القمة ومنها (الصين والهند والبرازيل وروسيا) طريقها الخاص إلى الحداثة، ولها مفاهيمها الخاصة عن النظامين المحلي والدولي.

معطيات
يوازن كوبتشان بين الجهد البحثي الرصدي الموثق بقائمة ضخمة لمراجع تجاوزت عناوينها 25 صفحة، وبين الغوص التحليلي الاستنباطي المستند إلى معطيات يجوز البناء عليها بإعمال عقلي موضوعي من جانب، ومسحة من افتراض ما سيكون أو «إدارة الخطة» وفق مسار مرسومة خطوطه العريضة بعناية، ولا تخلو تفاصيله من استشراف وتنبؤ، من جانب آخر.
«التحول الغائب»، عنوان أحد الفصول، يقابله فصل لاحق بعنوان «التحول القادم». التحول الغائب، وفق كوبتشان، هو ذلك الذي تفوق فيه الغرب على العالم، أما التحول القادم، فهو صعود بقية العالم. وقد كان صعود الغرب، مثلما توضح قصة أوروبا بين عامي 1500 و1800، نتاجًا لتطورين رئيسين، الأول: أن ضعف المؤسسات السياسية في أوروبا أثبت أنه مصدر قوة كامن، إذ تحدت طبقة التجار والصناع والمهنيين الصاعدة بنحاح سلطة الملكية وطبقة النبلاء والكنيسة، وقوض الاستقلال النسبي للبرجوازية والروابط السياسية والاجتماعية الأفقية التي شكلتها، قدرة المؤسسات التقليدية على الاحتفاظ بخطوط رأسية حصرية للسلطة.
والتطور الثاني، كما يرى كوبتشان، أن بدء الإصلاح الذي مضت به البرجوازية الصاعدة قدمًا للأمام، زاد من ضعف الكنيسة والملكية، وآثار منازعات وفق خطوط طائفية. وقد فاقمت هذه الصراعات مبدئيًّا الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، لكنها دعمت في النهاية قصة التسامح الديني، وأسفرت عن انسحاب تدريجي للدين من شؤون الدولة. كما دفعت حروب الإصلاح للأمام بقضية التعددية السياسية، فقد أُجبر الحكام الأرستقراطيون على منح البرجوازية وزنًا سياسيًّا مقابل توفير الموارد المطلوبة لمواصلة الحرب.
ويذهب كوبتشان، في تحليله لمرحلة صعود الغرب (في وقت سابق) إلى أن خَسْف الغرب لمنازعيه على صدارة العالم، لم يكن مجرد نتاج لتلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية التي أسهمت في صعوده، بل نتج ذلك التفوق أيضًا عن عدم وجود «ظروف مماثلة» في مناطق أخرى، وإلا لاستطاعت الإمبراطورية العثمانية مثلًا، وغيرها من مراكز القوة في آسيا، مسايرة صعود أوروبا.
وإلى «التحول المقبل» ينطلق كوبتشان مباشرة، معرجًا على خريطته المستقبلية، وتصوراته حول ملامح صعود بقية العالم. الاقتصاد هو «كلمة السر» في خلطة كوبتشان الفريدة، لكنه ليس كل شيء بطبيعة الحال، فالباحث يناقش أفكارًا وفلسفات وإيديولوجيات تستمد منها الدول طاقتها ووقود حركتها على الأصعدة كافة.
من نافذة الاقتصاد تلك، يطرح كوبتشان ما يسميه «الحقائق الواقعية الباردة»، إذ سيظهر «ملعب عالمي» أكثر اتسامًا بالمساواة بشكل تدريجي عبر عقود، وليس سنوات، كثيرة مقبلة، لكن خطوط الاتجاهات لا تخطئها عين الباحث، والتحول العالمي الذي تشير إليه لا يمكن إيقافه. ويقارن «كشف الحساب الاقتصادي» الذي يورده كوبتشان، ويستند فيه إلى الباحث غولدمان ساكس، بين أكبر خمسة اقتصادات في العالم العام 2010 (الولايات المتحدة، الصين، اليابان، ألمانيا، فرنسا، على الترتيب)، وأكبر خمسة اقتصادات متوقعة في العام 2050 (الصين، الولايات المتحدة، الهند، البرازيل، روسيا، على الترتيب).
وفق ما يعتقده كوبتشان، فالولايات المتحدة ستكون وحدها القوة الغربية التي ستصنف بين الخمس الكبار (في المرتبة الثانية) وسيكون اقتصادها أصغر كثيرًا من الصين. أما خلفيات هذه التحركات الاقتصادية، خصوصًا ما يتعلق بذبول الغرب، فيستعرضها كوبتشان على نحو تفصيلي، ومنها مثلًا هجمات 11 سبتمبر 2011، والحربان المطولتان في العراق وأفغانستان، والأزمة المالية العالمية، والحزبية الهاربة، فضلًا عما للجانب الآخر من الأطلسي من مشكلات النمو الاقتصادي المتثاقل، ومنطقة اليورو المعرضة للمخاطر، والانقسام السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.

وريث الغرب
أما أبرز وأهم ما يصل إليه كوبتشان في كتابه، فهو أن «وريث الغرب» في قيادة العالم لن يكون ماردًا جديدًا، آسيويًّا أو غير آسيوي، فالباحث يتبنى فكرة مغايرة للسائد في هذا المضمار، إذ يطرح بوضوح تام أن العالم القادم لن يكون ملكًا لأحد. فالطريق الغربي لن يجري تعميمه ليشمل العالم بأسره، ويرجع ذلك إلى أنه انبثق من ظروف اقتصادية واجتماعية فريدة خاصة بأوروبا والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، لن يحل محله مركز جاذبية جديد، ولا نموذج مسيطر: «العالم القادم سيكون متعدد الأقطاب، ومتنوعًا سياسيًّا على حد سواء، وسيضم قوى كبرى تتبنى مفاهيم متباينة بما يشكل نظامًا مشروعًا وعادلًا».
كوبتشان، لا يكتفي في كتابه بدحض ما يبشر به آخرون بشأن «بزوغ القرن الآسيوي» وما إلى ذلك، لكنه يمضي إلى أبعد حد في تعميق فكرة أن العالم القادم لن يهيمن عليه أي بلد، أو منطقة، ولن يكون له أي مركز ثقل، ومن ثم سيكون عالمًا «بلا وصي»، وفق عنوان الكتاب. هذا الطرح الذي يقدمه كوبتشان، متعدد الأوجه، ولا يقتصر على معطيات الاقتصاد التي ربما يمكن استقراؤها من خلال كشوف حساب رقمية.
القيمة الأعلى، والأغلى، في أطروحة كوبتشان هي ما تتعلق برؤيته المستقبلة «الشاملة» لصورة العالم القادم، التي لم تتشكل ملامحها بعد. العالم، وفق هذا التصور، لا يمضي قدمًا نحو تعدد الأقطاب فحسب، بل يتجه أيضًا صوب نسخ متعددة من الحداثة، في مشهد متنوع سياسيًّا، يقدم فيه النموذج الغربي مفهومًا واحدًا من بين مفاهيم متنافسة كثيرة عن النظامين المحلي والدولي. ولن تتشبث النظم الأوتوقراطية المدارة جيدًا بمرتكزاتها في مواجهة الديمقراطيات الليبرالية فحسب، وفق كوبتشان، بل ستفترق القوى الديمقراطية الصاعدة بانتظام عن الغرب. أما التحدي المحدد بالنسبة للغرب وباقي العالم الصاعد، فهو إدارة هذا التحول العالمي والوصول سلميًّا إلى العالم التالي «عمدًا»، والبديل كما يرى كوبتشان «فوضى ضاربة يصل النظام العالمي إليها بسبب الإهمال، حيث تتنافس على الصدارة مراكز قوى متعددة، ومفاهيم مختلفة عن النظام الذي يمثلها».

توازن عسكري
على الصعيد العسكري، يقترح كوبتشان أن العالم بصدد الوصول إلى توازن عسكري في ظل المعطيات الاقتصادية الجديدة، وتغير موازين القوى، ذلك أن القوة الاقتصادية هي في النهاية أساس القوة العسكرية.
وإذ ستصبح القدرة الاقتصادية أكثر مساواة في توزيعها، فإن القدرة العسكرية ستحذو حذوها في نهاية المطاف. أهمية أخرى تتجلى لكتاب كوبتشان، تتعلق بدوره كـ»دليل استرشادي»، إذا جاز التعبير، إذ بموجب هذه الدراسة التحليلية المتعمقة، يمكن لدول «التحول الغائب» و»التحول القائم» إعادة بلورة علاقاتها بعضها بالبعض من جديد، وفق ما يطرأ من متغيرات.
وتحت عنوان «التلاحم الاجتماعي والتخطيط الاستراتيجي»، يبرز كوبتشان أنه في «عالم للجميع»، ستكون للأنواع المختلفة من النظم السياسية أوجه قوتها ونواحي ضعفها، فنظم الحكم الأوتوقراطية الرأسمالية مثل الصين أمامها الكثير لتتعلمه من الغرب، فالصين بحاجة إلى أن تستورد القدرة على الابتكار والتكيف في الميدان الاقتصادي من الغرب، بدلًا من الاعتماد الكبير على الصناعة التحويلية الأساسية. ويتطلب القيام بذلك، وفق كوبتشان، مجتمعًا أكثر انفتاحًا يرعى التقدم التكنولوجي والعلمي والتقدم في مجال تنظيم المشروعات.
وفي الوقت نفسه، فأمام الغرب وفق تصورات كوبتشان الكثير ليتعلمه من الصين، ومن بلدان أخرى لديها أسواق تديرها الدولة. فإذا كانت الصين لا تزال جماعية أكثر مما ينبغي، فربما يكون الغرب، والولايات المتحدة بصفة خاصة، قد أصبحا فرديين أكثر من اللازم، ومقسّمين من الناحية الاجتماعية.
و رغم ميل كوبتشان إلى الاعتقاد بأن ملامسة «العالم القادم»، بتشكلاته الجديدة، ستحدث بصورة سلمية، فإن كتابه لا يخلو من «تحذيرات» يمكن التقاطها من بين السطور.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثمانية + 2 =