اي دور للصحافة في الفضاء المفتوح؟ طريقي

0 135

عدنان قاقون

قبل يومين كانت جلسة “محاربين قدامى” في شارع الصحافة ضمت رئيس تحرير صحيفة يومية، وطبيعي ان يفرض السؤال البديهي نفسه: الصحافة الورقية الى اين؟
نعم، هناك عبور وعر في نفق مظلم، والصحافة في ازمة مزدوجة. مالية بسبب هروب اموال الاعلانات الى منصات التواصل الاجتماعي، وتاليا بسبب الفراغ الاعلامي الذي سببه جمود الحراك السياسي.
على مدى عقود كانت الكويت محور الحدث، الثقافي والاعلامي، في المنطقة، وكانت مجلة”العربي” بمثابة “البوم” الذي يجول العالم يوزع لآلئ المعرفة منذ العام 1958، ويحصد الاحترام والتقدير، اذ وفرت “العربي”منصة لفلاسفة الادب والشعر امثال نجيب محفوظ، وطه حسين، ونزار قباني، ومصطفى العقاد،وفاروق شوشة وغيرهم.
لم يكن هناك طائر”تويتر”، يقل “العربي”الى فضائه الرحب،بل كان غنيا، صفحاتها بمثابة الاجنحة التي تنقلها الى المثقفين في اصقاع العالم. وفي تقديري فان الامر ينسحب على واقع الصحافة في الكويت والعالم العربي.
ثمة من يقول ان قارئ اليوم يبحث عن المعلومة السريعة التي توفرها وسائل التواصل ساعة بساعة، ولم يعد يبالي بالمطولات، وهذا يصيب كبد الواقع المؤلم، لكن الحقيقة ايضا هي ان مهمة الصحافة قيادة عملية التوعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
القارئ مستعد ان يتسمر لساعات امام قضية مهمة اخذت حيزا من المهنية، بينما غير مجبر على مطالعة حدث في الصحافة الورقية سبق ان شاهده بالصوت والصورة، ففي ذلك ظلم لـ”الاسود على الابيض”حين تقارنها بالكاميرات الحية في ساحات الاحداث.
الناس تغيرت،هذا جواب جاهز، لكن كثيرا من العاملين في بلاط صاحبة الجلالة تغيروا ايضا، واصبح بعض الصحافيين يجارون ما اسمح لنفسي ان اسميه الانحراف في تحويل الفكرة الى معلومة متكاملة قبل تقديمها الى القارئ.
واللافت ان كثيرا من المؤسسات الاعلامية التقليدية(من الظلم التعميم) لم تقاوم واستسلمت مهنيا، قبل ان تستسلم تقنيا، فالقضية ليست في توقعات اسوأ المتشائمين لمستقبل الصحافة الورقية انما هي لماذا هذا التراجع في عملية الانتاج المهني في معظم مؤسساتنا الاعلامية، سواء الورقية او الرقمية؟
هناك فجوة تتعاظم يوما بعد اخر بين الحدث وابعاده، بين القضية والتحليل،وايضا…وايضا بين يوميات الناس ومطبخ المتابعة.
لا داعي لعبارات مثل حرية الاعلام مقياس لحضارة الشعوب، واعطني اعلاما نزيها لاعطيك شعبا حرا، فذلك من البديهيات، وربما اصبحت من شعارات الماضي، انما التاريخ السياسي الحافل اثبت ان الصحافة الكويتية تبوأت مقام السلطة الرابعة عن جدارة واقتدار، وكانت شريكة اساسية في تطور العملية السياسية والديمقراطية، وبالامكان التوقف هنا سريعا امام الدور الذي اداه شارع الصحافة في دعم ساحة الارادة في قضايا مثل حقوق المرأة السياسية وتعديل الدوائر الانتخابية وغيرها. فالمحتوى بغض النظر، اكان ورقيا ام مرئيا او رقميا، هو الذي يشكل جسرا بين ثقة الناس ودور الاعلام في تقويم اعوجاج سياسي- اداري هنا، او التحذير من تراجع ثقافي هناك، ومخاوف اقتصادية هنا او هناك، لكن، عندما يغرب ربيع المحتوى فمن يحذر حينئذ من خطورة اصفرار اوراق السلطة الرابعة؟
في خطابه الشهير في يناير 1991، قال الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش:” ان البشرية مرت بثلاثة عقود، الزراعة،الصناعة، ومن ثم الاعلام”،واكد ان بلاده تقود هذا السلاح.
انها حرب هوجاء تستهدفنا جميعا ومن غير المنصف ان ننتظر تراجع مؤسساتنا الاعلامية العربية واحدة تلو الاخرى، ايا كانت المبررات، بينما العالم يتسابق للسيطرة على هذا السلاح، ومن غير المقبول هذا الانتقال غير المدروس من ضفة الورقي الى الالكتروني، تماما كمن يسارع للقفز من”البتيل” الى عبارة الحداثة تاركا خلفه جنى عمره من اللؤلؤ في السفينة!
نعم من يعارض التطوير كمن يعاند القدر، لكننا احوج ما نكون الان الى دخول عالم الاعلام الحديث، ونحن متسلحون بمعايير غير تلك التي نشاهدها في بعض قنوات الـ”يوتيوب”، والمنصات الاخبارية الـ”تويترية”، فـ”تويتر”يبقى همس طائر موسمي في عصر التكنولوجيا المتسارعة، بينما الاعلام الحق هو بمثابة عملاق يجب ان يبقى صداحا باسم السلطة الرابعة.

محلل سياسي

You might also like