باريس والخرطوم والجزائر … المعادلة الصعبة

0 214

ليس أمرا عادياً في العالم العربي أن يخضع النظام لمطالب الشعب، خصوصاً إذا كان حديدياً كما هي الحال في الجزائر، إذ توقع كثير من المراقبين أن تنزلق البلاد إلى الحرب الأهلية، وليس أيضاً غريباً أن تستمر احتجاجات أصحاب السترات الصفر في فرنسا، فيما لا تزال النقاشات مستمرة، ولم تصل بعد إلى الحد الذي وصلته في انتفاضة عام 1968، رغم تعديات المتظاهرين على الأملاك العامة والخاصة، التي تواجهها قوات الأمن بالقمع، من دون أن تمنع المظاهرات.
هذه المعادلة تنسحب إلى حد ما على السودان حيث يبدو أن النظام فهم الرسالة الشعبية، وتراجع عن استخدام العنف كي لا يؤدي ذلك إلى حرب أهلية على غرار ما جرى في ليبيا وسورية واليمن، وهذا يدل على أن الشعبين الجزائري والسوداني أدركا أن العنف لن يؤدي بهما إلى نيل مطالبهما، وسيفكك البلاد، خصوصا في السودان حيث الوضع الأمني الهش والصراعات الانفصالية وتربص الميليشيات المسلحة بالدولة.
ففي غضون أقل من شهر على بدء الاحتجاجات الجزائرية رفضاً لتولي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الحكم للمرة الخامسة، أعلن نائب رئيس الوزراء قبول الرئيس تسليم السلطة إلى خلف منتخب، على أن تشارك المعارضة في حكومة تشرف على الانتخابات، فيما في السودان تتخذ الإجراءات ببطء تحت ضغط الاحتجاجات، إلا أنها لم تنزلق إلى العنف المسلح.
ربما لا تستقيم المقارنة بين فرنسا والجزائر والسودان بسبب طبيعة اختلاف الثقافات، واختلاف التجربة السياسية بين كل دولة من هذه الدول، غير أن ثمة حقيقة تاريخية وهي إن قرب الجزائر ثقافياً من فرنسا دفع إلى التماهي بين الاحتجاجات، مع اختلاف المطالب.
لا شك أن الفرنسيين يسعون إلى إعلان جمهورية سادسة، لكنهم ليسوا على استعداد لخسارة الاستقرار الأمني، وكذلك الجزائريون الذين لا يزالون يعانون من أحداث سنوات الجمر التي امتدت لعقد كامل وذهب ضحيتها نحو مليون ونصف المليون قتيل، بعد أن حاولت التيارات الإسلامية في عام 1992 السطو على السلطة من خلال إعلانها زورا أنها ربحت الانتخابات في ذلك الوقت.
هذه الحال مرت بها مصر في 25 يناير 2011 حين تسلقت جماعة “الاخوان” على أكتاف المحتجين لتصل إلى السلطة، وقبضت عليها في أكبر عملية تزوير لإرادة الشعوب، غير أن المصريين انتفضوا على ذلك في 30 يونيو حين اكتشفوا بعد نحو عامين أن “الجماعة” تسعى إلى نهب ثروات البلاد، والهيمنة عليها، وفي كلتا الحالين كان الجيش المصري منحازاً للشعب.
لكن للأسف الحال نفسها لم تكن لا في ليبيا ولا سورية حيث استطاعت جماعة “الاخوان” دفع الوضع إلى الحرب الأهلية، وهو ذاته ما تماهت معه جماعة الحوثيين في اليمن حين انقلبت على المبادرة الخليجية، وجرت حزب المؤتمر الشعبي إلى جانبها فأسقطت البلاد في فخ الحرب الأهلية.
الخلاصة من كل ذلك، أن شعبي السودان والجزائر استفادا من تجارب الشعوب الأخرى، وتعلما من الفرنسيين وخرجا على التقليد العربي، وهو ما يعني أن على القيادتين الجزائرية والسودانية أن تتفهما هذه الحقيقة، وتتخليا عن ذهنية الرهان على الوقت لإخماد الاحتجاجات لأنهما في تلك الحالة ستصلان إلى مواجهة عنفية، لن يكون الجيش في كلا البلدين بمنأى عنها، وربما إلى الحرب الأهلية.

أحمد الجارالله

You might also like