بخلاء أصحاب مبادئ حكايات عربية للعبرة والتسلية (10)

0 6

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلا من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

وعن البخلاء يذكر الخطيب البغدادي في كتابه البخلاء فيقول: حدثني أبو عبد اللَّه مُحَمَّد بْن فتوح الأندلسي، قَالَ:” كتب بعض الأدباء إلى بعض إخوانه يشاوره في قصد بعض الرؤساء تأميلا له واستدعاءا لنائله، وكان معروفا بالبخل، فكتب إليه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، كتبت إلي تسألني عن فلان، وذكرت أنك هممت بزيارته، وحدثتك نفسك بالقدوم عليه، فلا تفعل أمتع اللَّه بك ! فإن حسن الظن به لا يقع إلا بخذلان من اللَّه، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلوب إلا من سوء التوكل على اللَّه، والرجاء لما في يديه لا ينبغي إلا بعد اليأس من روح اللَّه، لأنه رجل يرى التقتير الذي نهى اللَّه عنه هو التبذير الذي يعاقب عليه، وأن الاقتصاد الذي أمر اللَّه به هو الإسراف الذي يعذب عليه، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن، والبصل بالسلوى، إلا لفضل أحلامهم وقديم علم توارثوه عن آبائهم، وأن الضيافة مدفوعة، والهبة مكروهة، وأن الصدقة منسوخة، وأن التوسع ضلالة، والجود فسق، والسخاء من همزات الشياطين، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى التي قطع اللَّه أخبارها ونهى عن اتباع آثارها، وكأن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، ولا أهلكت الريح العقيم عادا إلا بجود أفضال كان معهم، وهل يخشى العقاب إلا على الإنفاق ويرجو العفو إلا على الإمساك، ويعد نفسه بالفقر ويأمرها بالبخل خيفة أن تنزل به قوارع الظالمين ويصيبه ما أصاب الأولين، فأقم رحمك اللَّه بمكانك، واصبر على عض زمانك، وامض على عسرتك عسى اللَّه أن يبدل لك خيرا منه زكاة وأقرب رحما”.

العنبرية صاحبة فن الاقتصاد
ومما يروى عن بخل النساء ما ورد في كتاب البخلاء للجاحظ أن شيخاً مِن البُخلاء قال: لَم أرَ في وضع الأمور في مواضعها وفي تَوفيَتِها غايةَ حُقوقِها، كمُعاذةَ العنبرية. قالوا: وما شأنُ معاذةُ هذه؟ قال: أهدَى إليها العام، ابنُ عَمٍّ لها أُضحية، فرأيَتُها كئيبةً حزينة مُفَكِّرة مُطرِقة. فقلت لها: مالك يا معاذة؟ قالت: أنا امرأةٌ أرملة وليس لي قَيِّم (أي زوجٌ يقومُ بأمرِها)، ولا عَهدَ لي بِتَدبيرِ لَحمِ الأضاحي، وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه، وقد خفت أنْ يضيعَ بَعضُ هذه الشاة، ولَستُ أعرف وَضعَ جَميعِ أجزائِها في أماكِنها؛ وقد عَلِمتُ أنَّ الله لَم يَخلِقْ فيها ولا في غَيرِها شيئاً لا مَنفَعةَ فيه. ولكن المرءَ يعجَزُ لا محالة، ولَستُ أخافُ مِن تَضييعِ القَليلِ إلا أنَّهُ يَجُرُّ إلى تضييعِ الكثير. أمَا القَرنُ فالوَجهُ فيه معروف، وهو أنْ يُجعَلَ كالخَطافِ ويُسمَّرَ في جَذعٍ مِن جُذوعِ السقفِ فَيُعَلَّقُ عليه الزبل (السلة) والكيران وكلُّ ما خيفَ عليه مِن الفأر والنمل والسنانير وبنات وردان (الصراصير) والحيات وغير ذلك. وأما المُصران فإنه لأوتار المِندَفة، وبِنا إلى ذلك أعظمُ الحاجة. وأمَا قَحفُ الرأسِ (العظمُ فوقَ الدماغ) واللحيان وسائر العظام فسبيله أنْ يُكسَر بعد أنْ يُعرق ثُمَّ يُطبَخ. فما ارتفع مِن الدسم كان للمصباحِ وللإدامِ وللعصيدةِ ولغير ذلك. ثُم تُؤخَذُ تلك العظام فَيُوقَدُ بها. فلَم يَرَ الناسُ وَقوداً قط أصفي ولا أحسنَ لهباً منها. وإذا كانت كذلك فهي أسرعُ في القِدرِ لِقِلَّةِ ما يُخالِطها مِن الدُّخان. وأمّا الإهاب فالجلد نفسه جراب، وللصوف وجوه لا تُعدُّ. وأما الفَرثُ والبَعرُ (الفضلات أو الزبل) فَحَطبٌ إذا جُفِّفَ عَجيب. ثم قالت: بقي الآن علينا الانتفاعُ بالدم. وقد عَلِمتُ أنَّ الله عز وجل لَم يُحَرِّمْ مِن الدمِ المسفوحِ إلا أكلَهُ وشُربَه وأنّ لَه مواضع يَجوزُ فيها ولا يُمنَعُ منها. وإنْ أنا لَم أقعْ على علم ذلك حتى يُوضَعُ مَوضِعَ الانتفاعِ به صارَ كَيَّةً في قلبي وقَذىً في عيني وهَمّاً لا يزالُ يُعاوِدُني. فلم ألبث أنْ رأيَتُها قد تَطلّقَتْ وتَبَسَّمَتْ. فَقُلتُ: ينبغي أنْ يكون قد انفتحَ لكِ بابُ الرأي في الدمِ. قالت: أجل، تذكرتُ أنَّ عِندي قُدوراً شامية جدداً. وقد زعموا أنه لَيسَ شيءٌ أدبَغُ ولا أزيَدُ في قُوَّتِها مِن التلطيخِ بالدّم الحار الدسم. وقد استرحتُ الآنَ إِذ وقعَ كُلُّ شَيءٍ موقِعَهُ! قال: ثُمَّ لَقيتُها بعدَ سِتَةِ أشهرٍ، فَقُلتُ لها: كَيفَ كان قَديدُ تِلكَ الشاةِ؟ (القديد هو اللحم المجفف المحفوظ) قالت: بأبي أنت! لَم يجيء وَقتُ القديدِ بَعد! لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك معاش! ولِكُلِّ شيء إِبّان!

يسمعون بالشبع ويتهمون بأكل الهاضمات
قال الجاحظ وحدثني أبو الأصبغ بن ربعي قال: دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم، فقلت له: ما هذا الضرب المبرح، وهذا الخلق السيىء؟ هؤلاء غلمان، ولهم حرمة وكفاية وتربية، وإنما هم ولد هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج. قال: إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جُوارشين. ( بضم الجيم ـ أي: الأدوية الهاضمة ) كان عندي.ـ قال أبو الأصبع: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: ويلك!! مالك وللجوارشن وما رغبتك فيه؟
قال: جعلت فداك: ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكئ، الجُوارشن ماذا أصنع به؟ هو نفسه ليس يشبع، ولا يحتاج إلى الجُوارشن ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعاً من أفواه الناس، ما نصنع بالجوارشن.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.