روائي عراقي مقيم في السويد يرى أن راحته في المكان الذي لا يوجد فيه!

برهان الخطيب: المثقفون تنقصهم شجاعة مجابهة الأكاذيب روائي عراقي مقيم في السويد يرى أن راحته في المكان الذي لا يوجد فيه!

القاهرة – السيد حسين:
يرى الروائي والأديب العراقي المقيم في السويد برهان الخطيب أن الوضع الثقافي في العراق مهلهل، مستباح، كما السياسي، الاقتصادي، في يد نخب تفكر بعيدا عشوائيا، لا تحرص على المصلحة الخاصة الوطنية ضمنا العامة. احداث تغيير جوهري ممكن مع ساسة اثبتوا جدارة، رؤية سليمة.وحول مجمل أرائه كان اللقاء التالي:
– كيف ترى العراق اليوم وحال العراقيين؟
/ ليس العراق وحده يعيش كارثة، العالم كله مهدد أي لحظة يخترقه خازوق حرب لو نصدق وسائل الاعلام، حتى في أميركا لا يعلمون ما قد يحدث غدا، ذلك لا يعني ان الاحداث عشوائية، هي هكذا لمن ينفعل، يغفل، يجهل، العراق كغيره يعيش مصيره المختار منه، المفروض في آن من ذوي القرار في الخارج، ازدواجية حكم مدمرة، النتيجة عدم استقرار. أقول للعراقيين نحسن وضعنا مع ترشيد الحياة السياسية عندنا أولا، وفق الدروس المتراكمة من ماضينا، اقليميا يجب تكاتف دول المنطقة، الدفاع عنها، ضمنا الكرد على أساس رفض استخدامهم مصدر فتنة في جري وراء حلم لا معنى له في عالم ينحو إلى تنوع، البرزنة إلى انغلاق، من مصلحتهم توزعهم في اكثر من دولة.
انما الوضع الثقافي مهلهل، مستباح، كما السياسي، الاقتصادي، في يد نخب تفكر بعيدا عشوائيا، لا تحرص على المصلحة الخاصة الوطنية ضمنا العامة. احداث تغيير جوهري ممكن مع ساسة اثبتوا جدارة ورؤية سليمة، يجب التقاء الحكم مع معارضة مستنيرة، تنقية كليهما من أجل اعلاء الالتزام الوطني، فرض السلم الأهلي، التمهيد لانتخابات جديدة ذات جدوى.
– حدثنا عن روايتك الصادرة حديثا « أخبار آخر العُشَّاق» لماذا هذا العنوان؟
/ بطل الرواية هارب من حرب بلده، يعاني من وحدته في منفاه الغربي، من طغيان العلاقات المادية على الروحية، من تكريس الفردية حوله حد ضياع بين ضباع، يشكو إلى كاتبها قربه: عند البحر الهادئ ذاك، على مسطبة المتعبين المتنزهين هذه يرتاح أهل البلد من التمشي، يتعبني التذكر أطرح بدني قربهم لا أحد يسأل الآخر ماذا في قلبك، ماذا تنوي عمله اليوم وغدا، البشر مع حواسيبهم قلاع منعزلة، متحركة، العشاق يختفون، صفحة اخرهم أمامك تطوي منذ وصولي البلد الأمين، ساحات العشق تصير شاشات الجات، المحادثات،
-قارئ الرواية يجدك تعتمد على مزاوجة فن القصة القصيرة مع فن الرواية لماذا هذا التداخل؟
/ التداخل له تاريخ طويل يمتد إلى سلامة موسي، قبل نصف قرن يذكر في احدى مقالاته عن امكانية مزاوجة فن القصة القصيرة مع الرواية، أتوقف عند فكرته طويلا اقلبها أجدها تستحق الاهتمام.
-هل تروي « أخبار آخر العُشَّاق» الواقع العراقي بعين المثقف والكاتب؟
/ التغيير تصنعه نخبة، ينفذه فقراء، يسرقه أغنياء، يراقبه يعبر عنه ضمير الناس أي الكاتب المثقف لا مسطول باحث عن ربح أو شهرة أو حظوة عند مفترسين. حدث الرواية عموما مطعّم غالبا من تجربة الكاتب، من تماس مباشر مع الحقيقة، من تجارب الناس، من معايشة انعطافة تاريخية، يستلهمها الكتاب في تقديم تقريره المختصر عن الوجود إلى الأبدية، محاورا معاصريه، الآتين، داعما ذاكرة الوطن، سابرا العالم.

وجع
– روايتك فيها الكثير من الوجع رغم أنه من المعروف عنك بث الأمل هل المقصود نقل ما يحدث والبحث عن حل؟ هل وصل الأدب إلى حل اجتماعي في ظل الحلول السياسية العقيمة؟
/ أمة غنية شاسعة حاضرها دمار، تفكك، كيف لا تسبب الوجع لمن له ذمة، منعكسا منها على ابداعه؟رد الفعل؟ الأمل لمن لا ييأس، ينشد لها رفعة. تداخل الوجع والأمل حتم من ثنائية الوجود، فردي، اجتماعي، مطلق. نعمل نُحبَط، نعلم لا نعلم، نيات حسنة نتائج سيئة. افرازات «التقدم»، الحرب، الفقر، الجهل، يمكن تداركها في مصارحة، لكن التفاهم يُغيَّب يسوَّف لمصلحة البعض ضد اكثرية. الأدب تفاهم، يصل هدفه في جمع العقول المختلفة على مشترك. لا يتحرر الأدباء، الأدب، من اوهام لها عدة ألوان، اطماع، اغراءات عدة مصادر، نبقي نراوح مع الساسة مع الناس على ذات الساحة، مع تجديد المناحة. يجب ترجيح الشفافية.
– هناك اشكالية واقعية بين الروائيين والكتاب، فأكثر المبدعين حينما يعانون من الاغتراب داخل أوطانهم وتسنح لهم الفرصة أن يغادروا الوطن وخطورته وقيوده التي تعيق الابداع والانتاج تكون البيئة الأخرى حاضنة لموهبتهم ومكانا خصبا لغزارة انتاجهم هل هذا ينطبق عليك أم للهجرة والغربة عن الوطن رقم قيوده أمور أخرى؟
/ راحتنا في المكان الذي لا نوجد فيه. لكلٍ من الوطن والغربة مزاياه ومنغصاته. نغترب لنكسب ماديا أو لنعرف أكثر؟ ذلك ينعكس على الابداع سلبا أو ايجابا. الأشياء تُعرف بالمقارنة تدري، الاغتراب رغم معاناته ايجابي على الابداع، والوطن رغم ألفته ورحابته قد يضيّق الرؤية، معها أفق الابداع. لا توجد وصفة محددة للابداع، الابداع يكبر بمقدار ما تعطي له من روحك، من كيانك.
– شخصياتك الروائية، هل تتمتع بحالة من الانعتاق من سلطة الكاتب اللغوية والفكرية؟
/ أكيد، والاّ لا أتغير معها، المؤلف يتفاعل مع شخصياته، كما مع مجتمعه، العالم، كما هي تتفاعل معه، تتغير.
– ألم يحدث وأن تورطت في تحميل احدى الشخصيات قناعاتك الخاصة، حملت البطل مهمة الذود عن أفكارك المخبأة؟
/ أحاول دائما التعبير عبر شخصيات رواياتي عما هو أبعد من أفكارها، أفكاري، أفكار المحيطين، وصولا إلى أفكار خفيّة، إلى تفاعل، حتى عبر نزاع. أميل في الواقع إلى تلك الشخصية، بعد خاتمة الرواية أجدني أميل إلى غيرها. عند كتابة رواية أنا مراقب محايد، أبحث عن تفاهم ناس في خصام، تصير الرواية لنا استشفاء.
– ما رأيك بما يُشاع حاليا عن الرواية، باعتبارها الأكثر رواجا بين الأجناس الأدبية؟
/ ذلك صحيح، كما لا أبخس قيمة المسرحية، كلاهما يجمع الناس حول طاولة واحدة، يختبرون يطورون إنسانيتهم.
– هل ستنعكس الأحداث في العراق على الروايات المقبلة، وهل سينشأ ما يسمى «جيل بعد الحرب» في الرواية؟
/ لحجم الأحداث الدامية الكبير وطول المعاناة في البلد لا يمكن تجنب انعكاساتها في الرواية، والاّ هي رواية من الواق واق. بوادر رواية الحرب ما بعد الحرب في الرواية العراقية بارزة منذ أمس، «الجنائن المغلقة» مدونة قبل تغيير نظام صدام، «على تخوم الألفين» مدونة مباشرة بعده، مثال واضح. آخرون يتناولون الموضوع اليوم أو غدا.
– ما رأيك بالقصة القصيرة جدا والتي بدأت تشهد رواجا عربيا؟
/ كل الأنواع الأدبية مطلوبة، مرغوبة اذا كانت مكتوبة جيدا. أحيانا يساء إلى القصة القصيرة جدا حين تُستسهل كتابتها، يُهمل عنصر المفارقة، الكشف، في تركيبها.

جلد الذات
– هل تتعبك الكتابة، هل هي فعلاً كما يصفها البعض كجلد الذات؟
/ الكتابة غير متعبة في لحظاتها لكنها متعبة جدا من تراكماتها العاطفية على الكاتب، تعيق النوم. بعد انتهائي من كتابة روايتي «نجوم الظهر» أسقط صريع صداع قاتل تنقذني سيارة اسعاف. غالبا تستهلك حياة الكاتب كلها، تقلبه إلى مخلوق مهموم من التفاصيل الصغيرة والعامة. نعم المزاح داخل الرواية خارجها وسيلة دفاع عن النفس، عن القارئ. الكتابة قدر مختار، كبح هياج، موسقة ثورة، بديل انتحار، تصير متعة عند الانقطاع اليها، شفاء، لا جلد ذات.
– هل ترى أن الحريات العربية مازالت تعاني من القيود؟
/ البلدان العربية تعاني من مشكلات مصدرة اليها أكثر من مشكلات يدعى ان السلطة تصنعها لو نترك في حالنا ترتفع الأمة العربية مجددا إلى الذروة، السلم الأهلي بداية الارتقاء، تفاهم المعارضة مع السلطة، ابعاد الفاسدين، شرعنة تجريم الخيانة، تشجيع الثقافة الوطنية، كلها ضرورية للاستقرار، لتوسيع الحريات العربية تدريجيا مع الحفاظ على القيم، طرد أسطورة السوء فينا مقابل فخامة الأجنبي.
– هل أثرت ثورات الربيع العربي على النتاج الابداعي، وهل نجح المبدعون في التعبير عنها أدبيا؟
/ ثورات الربيع العربي أربكت كل شيء لا الابداع فقط، المذنب في ذلك المبدع قبل السلطة، ما نجح المبدع في التعبير عنها أدبيا ولا استغلها لقول كلمته. تراجع الاعلام الوطني في الفوضى السياسية المستمرة حتى اليوم مذنب أيضا. معظم ما ينشر في الصفحات الأدبية هافت القيمة.
– أين دور المثقفين والمفكرين في مواجهة الفكر المتطرف والارهاب؟
/ دورهم غائب، مُغيَّب، من أهل النوايا السيئة عن مكر كما من أهل النوايا الحسنة عن خوف أو طمع في اغراءات وأوهام. المثقفون غالبا تنقصهم شجاعة مجابهة الأكاذيب، كشفها لهم، من دورانهم على أفلاك مغلقة لا حول مصلحة المواطنين البشر اجمعين ، القصد ابقاء الثروات الحريات في ايدي حفنة نخب مُسيطر عليها، الباقون دع الهواء لهم يأكلوه، دع الغرب الضاري يسيطر والشرق مصدر الحضارات يتدهور، دع الحريات هز مؤخرات، من هنا يظهر التطرف والارهاب لا من الاسلام الدين الطيب السمح، سؤالك يزوغ قيلا عن مصدر المشكلة.
– ما أبرز التحولات التي طالت الرواية العراقية؟
/ الرواية العراقية كما في كل العالم تتجاوز أطر الرواية الكلاسيكية القديمة، قيمها المحافظة، تخرج منذ الستينات إلى تيه التجريب، تدخل تبتكر مع فن البناء أو الهندسة المعمارية اليوم أشكالاأكثر عصرية لها مضامين أرحب.
– ثمة من قال ان: «القصة القصيرة والرواية في العراق لم تصل إلى مرحلة انتاج المعرفة» ما رأيك؟
/ القائل لم يقرأ أفضل انتاج القصة القصيرة والرواية في العراق.
– هاجس البحث عن هوية للرواية العربية أو التي يكتبها كُتاب عرب كيف تراه؟
/ اليوم تتشابه البدلات التي نلبسها، سيارات نركبها، ثقافة عامة نستهلكها، تبقي الهوية خاصة، تعبر عن المنتِج، عن نقابته أيضا.
– «ادب المنافي» مصطلح حديث على الثقافة العراقية، افرزته الظروف السياسية التي مرّ بها العراق، وقد قدّم هذا الأدب نماذج ابداعية رائعة وأسماء جديدة لمسيرة الابداع، فهل ترى أن النقد قد أنصف هذا الأدب وواكب عطاءه؟
/ أبدا، ولا القليل من استحقاقه، لا من النقد لا من الجهات الرسمية، لم يُنصف كل الشعب العراقي كيف تريد انصاف أدبه؟ المهم هنا أن الأدب الناضج علامة نضوج اجتماعي، ترويجه دعم للبلد عموما. الروس وغيرهم يقيمون الأنصاب لكتّابهم معها يعطون انطباعا عن عظمة أممهم.

أين النقاد
– البحث في الامور النقدية يبدو ضعيفا على مستوى الوطن العربي، برأيكم ما هي الأسباب؟
/ سؤال حلو. النقد، الاقتصاد، السياسة، الكياسة، كلها مربوطة إلى عربة أمن واحدة. نمتلك عربتنا تسير بقية الأمور على ما يرام. نجهد على رواية سنوات، نكافح بين ناشرين لنشرها، جزارون أرق منهم، يأتيهم ايعاز من اصحاب المعارض هزئوا فلان لا يسمع الكلام، ارفعوا علّان يهز حسنا، تجدهم طائعين صاغرينا، بعده يا ناقدنا افندينا قل عن فلان كذا كيت، النتيجة لا رحت لا جيت. بقية النقاد صم بكم يساهمون في ضرب حصار، أين النقاد، لست أدري.
– النقد العراقي عانى كثيرا من عقدة الخواجة وتأثر بالنقد العربي كثيرا ما صحة ذلك؟
/ لا أوافقك على هذا الرأي. عندنا نقاد كبار منهم على جواد الطاهر، عبد الجبار عباس، ياسين النصير، غيرهم، لكن السوق الأدبية مثل بقية الأسواق تتأثر بقوانين منها، كما من عليها. مع الأسف يخفت صوت النقد يلتزم مستوى غناء جوقة بقية منشدين خافت، كما عندكم في مصر يخفت، في الستينات، السبعينات، يكتب عن اعمالي النقاد المصريون منهم حسن النجمي في الكواكب، علاء الديب في صباح الخير، مجلة حواء ذكرت، اليوم رغم صدور خمس روايات لي من مصر لا أقرأ نقدا واحدا منهم عنها.
– هل مازلت تمارس عملية الترجمة؟
/ بعد الترجمة من الانكليزية مطلع شبابي إلى صحف ومجلات عراقية ترجمت من الروسية أكثر من دزينة كتب آخرها «ارهابيو الموساد»، كل مترجمي دار التقدم خافوا ترجمته نقل لي مديرنا الطيب ضاحكا، وهو يهودي متنور، فقلت له هات الكتاب اترجمه أنا، المبلل لا يخاف المطر، تتحقق مخاوفه، قبيل صدور الكتاب مترجما أُسفّر مخفورا من قلعة السلم والاشتراكية، تنهار بعد ثلاث سنوات، أعود خلالها مع جواز مزور لأرى ماذا بقي هناك من شقتي، سيارتي، شهادة الدكتوراه، حسابي الواهي في البنك الرسمي، كلها ضاعت، اين ضاعت، هنا لا اقول، لست أدري. بعده ترجمت من السويدية مسرحية لكاتب فائز نوبل، ثم توقفت عن الترجمة. قبل عامين دعتني الامارات إلى تحرير وتدقيق ترجمة الموسوعة الثقافية العالمية من 3 أجزاء، صدرت أو تصدر قريبا.
-هل هناك مشروع أدبي في الطريق؟
/ المحارب يتقاعد، الموظف يستقيل، لا الروائي.