«بشت» الحكومة!

حسن علي كرم

في مقالته ليوم الثلاثاء الماضي المنشورة في «القبس»،يتساءل الديبلوماسي العريق، الكاتب الصحافي القدير الاستاذ عبدالله يعقوب بشارة، الذي لم يسقط القلم من يده وهو في ذروة مشاغله الديبلوماسية، موجها سؤاله بصيغة غير مباشرة لرئيس مجلس الوزراء عن مسببات «توزير سلفيين أو اخوان مسلمين أغلبهم – حسب وصفه- عاجزون عن التوافق مع معطيات الدولة الكويتية المدنية التي صنعها المؤسسون باعتدالية»؟
ربما لا احتاج ان أذكر الاستاذ بشارة الديبلوماسي، الكاتب العريق، الاكثر قرباً من صانعي القرار عن الأسباب والمسببات الدافعة للحكومة ولرئيسها بتطعيمها بوزراء سلف أو «اخوان»، فتشكيل الحكومات سياسة ثابتة، ووزارة جابر المبارك الاخيرة ليست أستثناءً، بل لعلها نسخة مكررة من الحكومات السابقة التي تتشكل منذ سبعينات القرن الماضي، التي لم تتغير آلية تشكيلها فكانت على شاكلةً «من كل بستان زهرة»، أو كما ينعتها الظرفاء «من كل قطر أغنية» اي أنها أشبه بالحكومات الائتلافية في الدول ذات الانظمة الحزبية، الا ان الحكومة عندنا لا تعترف بالأحزاب علناً لكنها دأبت على خطب ودها باشراك منتسبيها في الحكومة مرة أو بالتعيينات في المناصب القيادية والمجالس والهيئات مرات وبزيارات دواوينهم او مقراتهم في المناسبات الرمضانية التي صارت تقليداً او عرفاً سنوياً، فالسياسة الحكومية سياسة مرنة (أسفنجية) تتكيف مع الظروف والمستجدات وهي الأقدر على امساك العصا من الوسط و «بشتها» يسع الجميع، ففي الوقت الذي تُوّزِرُ فيه وزيراً سلفياً او «اخوانياً» تٌوّزِرُ وزيراً شيعياً أو قبلياً أو من غرفة التجارة.
هذه التشكيلات التي درجت عليها الحكومات منذ أزمة حكومة ديسمبر 1964 وهي تشكيلات على ما يبدو تتوافق مع مزاجات كل المكونات، غير أن السؤال هنا: هل هي حكومات ناجحة؟
الجواب قطعاً لم تكن ناجحة فأنت أمام 16 وزيراً لم يتم اختيارهم على أساس توجه فكري او سياسي واحد او مهني تكنوقراط، مثلاً، او من بيئةٍ اجتماعية واحدة وتالياً الامر الطبيعي ألا يتوافر بين أعضائها في المطلق الانسجام او التضامن، لذلك وجدنا كيف أن الوزراء الذين يصعدون منصة الاستجواب يخوضون معاركهم اليائسة بلا غطاء او أقله إظهار أدنى تضامن مع الوزير المستجوب، وكأنهم يقولون له اذهب انت وربك قاتلا انا ها هنا قاعدون، أو كقول الحلاج «القاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك ان تبتل بالماء (!!! ففي أغلب الاحيان لا يدفع الوزراء المستجوبون الى المنصة جزاء أعمالهم الخاطئة، وانما كبش فداء لحكومات ضعيفة ومفككة، ولا يوجد بين وزرائها أدنى قدر من التفاهم او التضامن، بل وصلت الحال في مرحلة ما الى ان يتآمر بعض الوزراء على زملائهم حين كانوا يوعزون الى النواب المحسوبين عليهم لتقديم أسئلة مغلظة اليهم لذلك عندما تكون الحكومات على هذه الشاكلة فتوقع منها ما لا يتوقع، فلعل التحالف مع التيارات المتأسلمة إحدى السفن الناجية، ولا يهم إذا وقفت الدولة على مرسى الانتظار عقوداً طويلة، أو الجمود على هامش التطور والتخلف عن حركة النهوض العالمية، وهي التي يكون فيها المواطن الخاسرالاول والدولة الخاسرالأكبر!
ربما هناك من نراه يتفاءل بتخريجة المجلس الحالي، إلا ان الواقع غير ذلك، فستبدي لك الايام ما كان خافيا، فالمجلس الحالي نسخة مكررة من مجلس 2012 غير الدستوري والغوغائي الذي حُل غير مأسوف عليه مع بعض الاختلاف في الأسماء، والظاهر ان الحكومة محصت جيداً نتائج الانتخابات ورأت ان الكفة تميل الى التيارات المتأسلمة، لذلك جاءت بتشكيلة مطعمة كالعادة من السلف و»الاخوان»، كما انها ابلت في أنتخابات مكتب المجلس واللجان بلاء حسناً لصالح التيار الديني، و تكفي هنا الإشارة الى شهادة النائب سعدون حمّاد الذي نافس على مقعد نائب الرئيس الا انه انسحب بعد ما أدرك ان الحكومة جيرت أصواتها للمرشح «الاخواني» ولم ينتظر حتى يشرب المقلب الذي شربه زميله النائب المخضرم عبدالله الرومي في انتخاب منصب الرئيس، لذلك لا أستبعد أن تعطي الحكومة «الخيط والمخيط» للمجاميع النيابية المتخلفة بدليل تبنيها وحماستها غير العادية لتشكيل «اللجنة البدعة» لجنة الظواهر السلبية (التي هي من مخرجات وليد الطبطبائي ومحمد هايف) بذريعة أنها سوف تساعد وزارة الداخلية على مكافحة أفة المخدرات التي أصبحت الكويت – حسب وزير الداخلية – مركزاً لتصديرها.
كذلك لا أستبعد ان ترضخ لتشكيل هيئة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر- المرفوضة حتى في عقر دارها- لينتشر أفرادها في الاسواق والمجمعات والمقاهي والمطاعم ودور السينما والمسارح، وعلى الشواطئ، ينكدون على الناس راحتهم ويحصون عليهم انفاسهم ويعزلون الزوج عن زوجته والام عن ابنائها، ويفرضون النقاب ذي السبع طبقات على النساء واللحية على الرجال تماما مثل دولة «طالبان» الظلامية الافغانية، والا ما اختصاص لجنة برلمانية لمكافحة المخدرات!
لا ريب ان الحكومة تخطىء اذا ظنت انها كسبت المتأسلمين لزوم المرحلة الحالية، فنحن نرى أن هؤلاء قد اخضعوها لتدخل هي في «بشتهم» ملبية أملاءاتهم كافة، وغداً سنرى منهم ما هو اعجب اذا لم يسارع الوطنيون المخلصون المدافعون عن الحريات للتصدي لهم منذ الآن.
علينا أن نعي ان هذا المجلس تقوده أغلبية دينية رجعية وأحزاب متأسلمة وانتهازيون شعبويون وأقلية ليبرالية ضئيلة لكنها غير مؤثرة، وحكومة تحالفت مع الرجعية الدينية!
•صحافي كويتي

Leave A Reply

Your email address will not be published.