بعض العقول أخطر من “كورونا” فضفضة قلم

0 187

د.أحمد الحسيني

قال الله تعالى في محكمة تنزيله:” قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ”، الكل يعلم ان العالم يعاني من انتشار فايروس “كورونا”، وأن دول العالم وضعت كل امكانياتها للحد من تفشي هذا الوباء الذي فتك بكثير من الناس، فمن هذا المنطق لا يختلف إثنين على خطورة هذا الفيروس والآثار التي قد يتسبب بها، سواء أكانت اقتصاديا أو اجتماعيا، وكذلك صحيا.
للأسف تعد الكويت من الدول التي سجلت حالات اصابة بهذا الفيروس، وانتقل إليها عن طريق سفر مواطنيها لأحدى الدول المجاورة ومخالطتهم مواطني تلك الدول.
الشاهد في الموضوع ليس إصابة مواطني دولة الكويت، بل الأحداث التي تلت الإعلان عن هذه الحالات، فمنذ أعلنت وزارة الصحة، رسميا، عن إصابة أول ثلاثة حالات تزامن ذلك مع ظهور فيروسات أكثر خطورة وتأثيرا من الوباء العالمي، تمثلت تلك الفيروسات بظهور بعض العقول التي تعشق اختلاق القصص، وفبركتها من خلال إطلاق الشائعات والانتقادات غير المبررة للحكومة، بالإضافة إلى تلك العقول المريضة اذ ان البعض منهم ذهب إلى تسييس هذا الموضوع وأعطائه أبعادا سياسية غير مبررة من شأنها خلق نفس طائفي بين أبناء المجتمع الواحد.
تمثلت الفئة الأولى بإطلاق الشائعات عبر منصات عدة، أهمها وستئل التواصل الاجتماعي، وكذلك بعض الدواوين التي تحول روادها أطباء صحة وقائية، والبعض منهم محلل أمني يصول ويجول في أفكاره الهدامة التي من شأنها خلق الذعر بين المواطنين، ووصل الامر الى أن البعض أنتج تركيبة دوائية يدعي أنها تقضي على الفيروس خلال ساعات معدودة، وعندما نقرأ التعليقات على هذا المنتج نعتقد ان من وصفها هو أبن سينا أو أبو زيد البلخي أو محمد بن أحمد التميمي، ولم يكتف مجتمعنا بالوقوف عند هذه الاشاعات، بل تطاول بذلك على الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها وزارة الصحة، تارة بالانتقاد وتارة بالعتب حتى وصل بهم الأمر الى مطالبة بعض الوزراء بالاستقالة.
لنفترض ان إجراءات وزارة الصحةفيها بعض الأخطاء، ومن هنا نطرح السؤال: هل الوقت مناسبا لانتقاد وزارة الصحة؟
طبعا الإجابة”لا” لان عامل الوقت في مثل هذه الحالات غير مناسب، فيما كثرة النقد والإشاعات من شأنها زعزعة أمن البلد وإرباك العاملين في الجهات المعنية بالتعامل مع هذه الحالات، مما يؤدي إلى انتشار هذا الوباء.
يجب علينا في هذا الوقت تحديدا أن لا نلتفت لكل ما يقال وان نستقي معلوماتنا من المنصات الرسمية التي اعتمدتها الدولة، وأن نتكاتف خلف الحكومة بإتباع الإجراءات التي تحددها وزارة الصحة والجهات المعنية، حتى نمكنها من أداء مهماتها للحفاظ على أرواحنا وأرواح المقيمين على هذه الأرض الطيبة، رافضين الأنصياع للأصوات النشاز التي تكيل بمكيالين.
أما الفئة الثانية من تلك العقول هي التي نعدها قدوة لنا واعطيناها الحق في تشريع القوانين، حيث ان هذه الفئة انقسمت إلى قسمين وكلاهما يضع وزارة الصحة بين المطرقة والسندان، من خلال تسييس هذا الموضوع، وتغير محوره من أمن صحي إلى مسار سياسي بعيد عن الواقع.
الفئة الأولى تتمثل في بعض الساسة ونواب الأمة الذين حاولوا استخدام نفوذهم للتأثير على وزارة الصحة بعدم حجز القادمين من الجمهورية الإيرانية في مراكز الحجر الصحي التي حددتها الوزارة، ضاربا بذلك المصلحة العامة للوطن، ومتناسيا أن انتشار هذا الوباء لا يفرق بين سني وشيعي، ولا حضري وبدوي، فمصلحة البعض في التكسب الانتخابي جعلته يتجاهل ان الدولة أحرص منه على صحة مواطنيها واستقرار أمنها، كما أنه لم يدرك ان السلطة الكويتية تميزت عن غيرها من الدول بتقديم الرعاية الصحية الكاملة للقادمين من الدول الموبوءة، ولم يوضعوا في ممرات المستشفيات، أو في مباني متهالكة، بل وفرت لهم حجرا صحيا في فنادق خمس نجوم، محققة بذلك المعنى الحقيقي لاحترام المواطن وتوفير البيئة العلاجية للجميع من دون النظر لطوائفهم الدينية أو انتمائاتهم السياسية.
كما أن لدينا فريق اخر من هؤلاء الساسة، وهو الذي يطالب الحكومة بعدم عودة هؤلاء المواطنين وتركهم في المدن الموبوءة، متجاهلين أن هؤلاء الناس مواطنون لهم حق الرعاية الصحية وحمايتهم من الأصابة بهذا الوباء العالمي، فكلا الفريقين يعزف على ليلاه، وهذا يؤكد أن الأخطر من” كورونا” أيضاً هو بعض العقول التي تعشق اختلاق القصص وفبركتها”.
نقطة آخر السطر:
سينتهي فيروس “كورونا” بالعلم والطب والتقدم التكنلوجي، وسيتصدى له العالم من خلال الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها حكومات العالم، أما الفيروس الذي ظهر اخير في الكويت هي العقول المريضة التي تعشق فبركة المواضيع، والعزف على أنغام الإشاعات والطائفية النتنة.
السؤال: كيف لنا أن نتصدى لها؟ علينا مكافحة الشائعات قبل الفيروس، وإذا كانت لدينا ملاحظات على الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة، أو مجلس الوزراء، فهذا الوقت ليس مناسبا للنقد والعتب، فكل ماتقوم به وزارة الصحة، أو الجهات المعنية كوزارة الداخلية والطيران المدني ومؤسسة الموانئ الكويتية، هو محل الاحترام والتقدير وجهود يشكر عليها كل من ساهم في هذا العمل الوطني.
اللهم احفظ الكويت واميرها وشعبها وكل من يقيم على أرضها وجميع بلاد المسلمين من كل مكروه.

كاتب كويتي

You might also like