محبرة وقلم

“بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحيُُ فيرجى أم أتى دونه الأجل” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

كل انسان في هذه الدنيا عرضة للبكاء، الا من نزع الله تعالى من قلبه الرحمة ولا يبكى المرء الا اذا تأثر تأثرا شديدا، فمن الباكي هذا؟ ومن المبُكی عليه؟ دعوني اتحدث عن المبكى عليه فهو الاهم في هذا السياق، انه الصحابي الوحيد الذي ورد اسمه في القرآن مجردا «حب رسول الله صلى الله عليه وسلم» ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، ابو اسامة، يقول المولى عز وجل: «واذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج ادعيائهم اذا قضوا منهن وطرا وكان امر الله مفعولا”.
«الاحزاب 37-». ايها السادة كان لزيد بن حارثة منزلة عالية عند رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حتى ان ام المؤمنين عائشة بنت ابي بكر «رضي الله عنها وعن ابيها» كانت تقول: «لو كان زيد بن حارثة حيا لعهد اليه رسول الله بالخلافة من بعده»، وكان زيد ايضا يحب رسول «صلى الله عليه وسلم» محبة عظيمة.
وإليكم صورة من صور هذه المحبة: كان زيد حرا عربيا صريحا ابوه حارثة بن شراحيل، وامه: سعدة بنت ثعلبة، وهي من معن بن طيء، فاغارت خيل لبني القين قبل الاسلام على ديار أمه وهو معها غلام صغير، فأسر زيد وبيع في سوق عكاظ، وكان الذي اشتراه «حكيم بن حزام» فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد، فلما تزوج رسول الله «صلى الله عليه وسلم» السيدة خديجة «رضي الله عنها»، وهبته له،وكان ابوه حارثة يبحث عنه في كل مكان فلم يعثر له على اثر، ثم حج اناس من قبيلة زيد فرأوه في مكة المكرمة وعرفهم وعرفوه، وعندما عادوا الى ديارهم اخبروا حارثة بمكان ابنه زيد، فخرج سريعا الى مكة ومعه كعب اخوه، يريدان فداءه، فقدما مكة وسألا عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فقيل لهما انه في المسجد فدخلا عليه وقال له حارثه: يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، انتم اهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الاسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن عليناواحسن الينا فانا سنرفع لك في الفداء.
وقال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة» فقال لهم: فهلا غير ذلك؟ قالوا: ” ما هو؟ قال:«دعوه فخيروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء، وان اختارني فوالله انا بالذي اختار على الذي اختارني احدا»، قالوا: فقد زدتنا على النصفة واحسنت: فدعاه وقال له: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا ابي وهذا عمي.
فقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: فانا من قد علمت ورأيت محبتي لك، فاخترني او اخترهما، فقال زيد: ما انا بالذي اختار عليك احدا، انت مني بمكان الاب والعم، قال له: ويحك يازيد، اتختار العبودية على الحرية، وعلى ابيك وعمك واهل بيتك؟ قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما انا بالذي اختار عليه احدا ابدا.
فلما رأى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ذلك، اخرجه الى الحجر فقال: «يامن حضر اشهدوا ان زيدا ابني ارثه ويرثني»، فلما رأى ذلك ابوه وعمه، طابت انفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمد منذ ذلك اليوم حتى جاء الاسلام ثم زوجه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بعد ذلك ابنة عمته، زينب بنت جحش فلما طلقها زيد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم الناس في ذلك، وقالوا: تزوج امرأة ابنه، فنزل قول الله تعالى: “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما” «الاحزاب – 40».
يقول حارثة بن شراحيل وهو يبحث عن ابنه زيد بأبيات اشبه ما تكون بالنوح:
بكيت على زيد ولم ادر ما فعل
احي فيرجى ام اتى دونه الاجل
فوالله ما ادري وان كنت سائلا
اغالك سهل الارض ام غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعه
فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها
وتعرض ذكراه اذا غربها افل
وان هبت الارواح هيجن ذكره
فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نص العيس في الارض جاهدا
ولا اسأم التطواف او تسام الابل
حياتي او تأتي علي منيتي
وكل امري فان وان غره الامل
سأوصي به قيسا وعمرا كليهما
واوصي يزيدا ثم من بعده جبل”.
وكان زيد قد قال لقومه حين رآهم في مكة قبل قدوم ابيه:
“الكني الى قومي وان كنت نائيا
بأني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم
ولا تعلموا في الارض نص الاباعر
فاني بحمد الله في خير اسرة
كرام معد كابرا بعد كابر».

روى الواقدي بسنده عن اسامة بن زيد انه قال: كان بين رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وبين زيد عشر سنين، رسول الله «صلى الله عليه وسلم» اكبر منه، استشهد زيد بن حارثة في معركة مؤتة وهو امير على الناس في السنة الثامنة للهجرة ابن خمس وخمسين سنة، اما ابنة اسامة فأمه ام ايمن حاضنة النبي «صلى الله عليه وسلم» وقد توفي سنة 54 هـ.

اكتفي بهذا القدر.

جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com