بناء الإنسان قبل بناء الحضارة

الشيخة حصة الحمود السالم الحمود الصباح

التربية والتعليم والرمز (القدوة ) ثلاث مراحل تتوالى وتتكامل في حياة كل إنسان، وهي الترمومتر الحقيقي لتقييم المجتمعات والحضارات منذ القدم.
ثلاثة محاور للمعادلة الأخلاقية التي تميز مجتمع عن آخر وحضارة عن أخرى، ولا شك أن قوة وتماسك ورفاهية وأمن وأمان أي مجتمع أو حضارة يتوقف على التعامل مع هذه المحاور بشكل إيجابي لكي تصبح ثقافة شعبية مكتسبة تضمن الحفاظ على قوة المجتمع وتماسك مكوناته، وذلك من خلال الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المهنية والاتحادات والروابط المختلفة التي تزداد قوة ومعرفة بالحقوق والواجبات والتوعية والإرشاد عندما تنشأ في مناخ صحي طبيعي فيه الإحترام والتقدير المتبادل بين جميع أفراد المجتمع.
لكن دعونا نعود إلى نقطة البداية اي الثلاث محاور المهمة في حياتنا، التي أقصد بها الجانب الأخلاقي في المجتمع، وهي واجبة لكل فرد منذ مولده وإلى أن ينطلق في دروب الحياة مع تقدمه في السن.
في الواقع أن دور الأم في الأسرة وتأثيرها في نفوس الأبناء هو الأقوى في الحياة في كل زمان ومكان، أو كما قال حافظ إبراهيم “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق”، وتهميش دور الأم هو جريمة في حق المجتمع وسباحة ضد تيارالسنن الإلهية والفطرة السوية، وحتما هو تهميش يؤدي إلى سقوط الأسرة، وبالتالي المجتمع بأكمله في هوة سحيقة من الرجعية والتخلف لأن الإهتمام بالأم وتكريمها ليس سلوكا رسميا فقط في يوم أو إحتفالية، لكن هي ثقافة مجتمعية لمن يبحث عن مجتمع إنساني حقيقي.
الأم هي أول مستودع للنفس البشرية والمربية والحاضنة الأولى بحنانها الغريزي الذي لا يتغير إلى نهاية العمر، وهي أجندة المواسم والمناسبات وذاكرة الأسرة وخزينة أسرارها وخصائصها ويمكن تلخيص ما نعجز عن تفصيله في فضل الأم على المجتمعات الإنسانية، ونهضتها، بأنها أصل الحضارة الإنسانية.
وإذا إنتقلنا إلى المحور الثاني في المعادلة الأخلاقية لأي حضارة إنسانية هو المدرسة، نجد أن دور المعلم هو تكملة لدورالآباء في الأسرة من حيث التنشئة السليمة للصغاروتهذيب سلوكياتهم، وللأسف نفتقد في زمننا هذا المعلم القديم في أزمنة مضت وهو المعلم الذي قال عنه أحمد شوقي ” قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا” وتغييب هذا المعلم يعود إلى عدم تقدير دور التعليم والمعلمين، حتى كاد أن يكون التعليم مهنة من لا مهنة له، حيث طغت على المهنة ثقافة التربح على حساب الرسالة والواجب وهو أثر بشكل كبيرعلى العملية التعليمية والأخلاقية في المنطقة العربية، وأدى إلى غياب الجامعات العربية عن قائمة أفضل 500 جامعة على مستوى العالم مع تغييب دور القدوة أو الرمزللمجتمع بأكمله،ي وهو المحور الثالث في المعادلة الأخلاقية والذي يتمثل في تهميش دوركبارالمفكرين والعلماء وهي نتيجة منطقية وحتمية لتغييب أهمية ومكانة ومهابة المعلم والتعليم منذ الصغر.
وفي فضل العلم والعلماء يقول الجاحظ
:”طيب العيش أن تلقى حليمًا
غذاه العلم والرأي المصيب
ليكشف عنك حيلة كل ريب
وفضل العلم يعرفه الأريب”.
ويمكننا بوضوح أن نلاحظ المناخ العام في منطقتنا العربية وهو مناخ غير علمي بالمرة، لا يهتم إلا بالتفاهات التي تجلب الأموال مع غلبة الثقافة المادية وعدم التأسيس النفسي والروحي السليم، وقد تكلمنا من قبل عن عالمة النانو تكنولوجى السعودية الدكتورة غادة المطيرى وكيف يتجاهلها الإعلام ولا يكاد يعرفها أحد من شعوب المنطقة المشغولة ببرامج المسابقات الغنائية!
فمن أراد أن يبني حضارة على أسس صحيحة عليه ببناء الإنسان في مختلف مراحله العمرية، وعدم تغييب المعادلة التعليمية والأخلاقية، لأن العلم والأخلاق وجهان للعملة نفسها، ومهما طال بنا العمر سنظل تلاميذا في مدرسة الحياة، لكن التنشئة السليمة هي الأساس، أو كما يقال :”التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”.

كاتبة كويتية