محبرة وقلم

«بنات الدهر وأبو الطّمحان» حنتني حانيات الدهر حتى … كأنّي خاتل أدنو لصيد محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

هذا البيت فيه تصوير غاية في البلاغة لحال المرء بعد طعنه بالسن وتقدم عمره، وقربه الشديد من مفارقة الأهل والأحبة، وقد بدأ صاحب هذا البيت المؤثر بكلمة «حنتني» والأصل الإنحناء، وعندما يطعن الإنسان بالسن ينحني ظهره لأنه أصبح عجوزا فانيا ارتخت عظامه وتقوّس ظهره وأعوج، ومال عن استوائه، وقد لعبت به بنات الدهر، وهنّ الشدائد وتعاقب الأيام والليالي يسابق بعضها بعضاً، صروف الدهر تضعف الإنسان، وقد فعلت أفاعيلها بهذا الشيخ الفاني، حتى جعلت خطواته بطيئة حذره ثقيلة ضعيفة، من يراه يرى في مشيته هيئة صياد يتقدم لصيده في حذر متحيّنا الفرصة لاصطيادها!! هل رأيتم مثل هذا التصوير الرائع لشكل ابن آدم في كبره ؟ حتى أنه في بيته الثاني يعطينا صورة في غاية الوضوح لمعاناته الشديدة في صعوبة تحركه وقيامة وجلوسه فيقول:
«قصير الخطو يحسب من رآني
ولست مقيّدا أنّي بقيد».
تصوروا كيف يتحرك المقيّد من مكان إلى مكان لتعرفوا ما فعل الدهر بهذا الشاعر الذي تجاوز المئة عام بأقل تقدير للروايات التي ذكرت كم عاش، تأملوا بيته الثالث:
«تقارب خطو رجلك يا سويدُ
وقيّدك الزمانُ بشَّر ِ قيد».
هل للزمان سلاسل وحبال يقيد بها الناس ؟ الإجابة : ليس للزمان قيد، وما قيد الزمان إلا بناته وصروفه وتقدم السن وما ينتج عنه من ضعف حركة وعزم وقلة نشاط، هذه الأبيات السائرة لشاعر من كبار شعراء الجاهلية والإسلام، وهو أبو الطـّـمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي، من بني كنانة بن القين، شاعر معـمّر، كان هذا الشاعر نديما للزبير بن عبدالمطلب بن هاشم، وهو صاحب أفضل بيت مدح في الجاهلية حيث يقول :
«أضاءت لهم أحسابهم ووجوهم
دجى الليل حتى نظـّم الجزع ثاقبه».
وقد أورده صاحب كتاب المعمّرين ( أبي مخنف ) وقال أنه عاش مئتي سنة، وكان أبو الطمحان بحسب كتاب الأغاني : فارسا شاعرا صعلوكا، لصا خارباً كثير الجنايات، له وقائع مشهورة، فاسد الدين في الجاهلية والإسلام، مخاطرا بنفسه، نزل على الزبير بن عبدالمطلب بمكة وظل عنده زمنا طويلا ونادمه .
أما شعره ففي نهاية الجودة والمتانة والرصانة، مطبوعا فصيح الألفاظ قوي التركيب وهو القائل في الموت :
«ألا عللاّني قبل نوح النوائح
وقبل إرتقاء النفس بين الجوانح
وقبل غدٍ، يالهف نفسي على غدِ
إذا راح أصحابي ولست برائح
إذا راح أصحابي تفيض دموعهم
وغودرت في لحدٍ علّى صفائحي
يقولون : هل أصلحتم لأخيكم
وما اللحّد في الأرض الفضاء بصالح»
جنى أبو الطمحان جناية فهرب من السلطان ولجأ إلى بني فزارة، ونزل على رجل منهم يقال له : مالك بن سعد، أحد بني شمخ، فأواه وأجاره، وضرب عليه بيتا وخلطه بنفسه، فأقام مدة، ثم اشتاق يوماً إلى أهله، وقد شرب شرابا ثمل منه، فقال لمالك : لولا أن يدي قاصرة عن دفع دية جنايتي، لعدت إلى أهلي، فقال له : هذه إبلي فخذ ما شئت منها، ثم نام فلما أصبح، ندم على ما قاله، وكره مفارقة مكانه، ولم يأمن على نفسه، فأتى مالكا وأنشده:
«سأمدح مالكا في كل ركبٍ
لقِيننهُمُ وأترك كل رذلً
فما أنا والبكارة أو مخاضٌ
عظامٌ جلّة سدسٌ وبزلً
وقد عرفت كلابكُمُ ثيابي
كأني منكُمُ ونسيت أهلي
نمت بك من بني شمخ زنادٌ
لها ما شئت من فرع ٍ وأصل».
فقال له مالك: مرحبا! فأنّك حبيب إزداد حبّاً، إنّما اشتقت إلى أهلك، وذكرت أنه يحبسك عنهم ما تطالب من عقل ٍ أو ديةٍ، فبذلت لك ما بذلت، وهو لك على كل حال، فأقم في الرحب والسعة، فلم يزل مقيما عنده حتى هلك . ويروى أن امرأته عاتبته على ركوبه الأهوال والمخاطر فقال لها:
«ولو كنت في ريمان تحرس بابه
أراجيل أحبوش ٍ وأغضف آلف
إذ ً لأتتني حيث كنت منيتي
يخب بها هادٍ بأمري قائف
فمن رهبةٍ آتي المتالف سادراً
وأيّة أرض ليس فيها متالف».
ذكر ابن الأعرابي أن أبو الطمحان القيني أسره رجلان من طي واشتركا فيه في الحرب التي قامت بين جديلة والغوث الطائيين، فاشتراه منهما بجير بن أوس بن حارثة لما سمع أبياته التي يقول في بعضها :
«إليكم بني لأم ٍ تخب هجائها
بكل طريق صادفته شبارق
لكم نائل غمر ٍ وأحلام سادة
وألسنة ٌ يوم الخطاب مسالق
ولم يدع داع ٍ مثلكم لعظيمةٍ
إذا وزمت بالساعدين السوارق»
ثم جزّ بجير ناصيته وأعتقه .
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com