بندر بن سلطان: معمر القذافي عرض عليَّ تجنيد أشخاص لتغيير أنظمة الحكم في الخليج في اعترافاته إلى "اندبندنت عربية" قال:" كنت ضمن سرب انتحاري لاستهداف إيلات في عام 1973"(الحلقة الأخيرة)

0 900

رفض أميركا بيعنا صواريخ “بيرشنغ” أو الـ” F15 E” فتح باب التفكير في بدائل فورية فذهبنا إلى الصين

السعودية هي من بدأت مبادرة إعادة العلاقات مع مصر والملك فهد قال: سأرسل لكم شخصاً تعرفونه يتحدث معكم

نصيحة الملك فهد الأولى أنقذتني وجعلت موضوع الصواريخ الصينية يمرُّ بسلاسة عند المسؤولين الأميركيين

قلت لغورباتشوف: نحن ندفع أموالاً إلى المجاهدين وأنتم تخسرون جنودكم… أنصحكم بالخروج من أفغانستان

تحدث الأمير بندر بن سلطان في الجزء الأخير من حواره مع “اندبندنت عربية” عن لماذا فكر الملك فهد بصواريخ رياح الشرق وكيف دربت السعودية الطيارين المصريين استعداداً لحرب أكتوبر.
وتطرق رئيس الاستخبارات السعودية، الأمين العام لمجلس أمنها الوطني سابقاً، سفير الرياض الأشهر والأطول مدة زمنية لدى واشنطن، عن سبب شراء السعودية للصواريخ الصينية، وعن تدريب الطيارين المصريين على الأراضي السعودية استعداداً لحرب 1973 وباستخدام طائرات بريطانية. وعرج على قصة قضية “لوكيربي” في ليبيا، وما حدث بينه وبين القائد الليبي الراحل معمر القذافي حين حاول الأخير تجاهل دور السعودية في إنهاء الحصار على ليبيا. وحكى الأمير أيضاً عن موقفين جمعاه بآخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، والبداية مع صواريخ رياح الشرق:

جس النبض حول صواريخ “بيرشنغ”
قال الأمير بندر: “إن الهاجس الأول لدى الملك فهد بن عبدالعزيز، كان في كيفية تطوير سلاح الجو السعودي والدفاعات العسكرية، وتنامى التفكير بعد ما عرف بحرب المدن إبان الحرب العراقية- الإيرانية، وتحديداً في عام 1984، فقد كان العراقيون يستهدفون طهران بالصواريخ والإيرانيون يستهدفون بغداد كذلك. وبما أن لدى الطرفين قدرة على الوصول إلى العواصم، فإن ذلك يعني أن الرياض قد تكون هدفاً لأي اعتداء، ومعها بقية مدن المملكة”.
اضاف: “كانت للملك فهد نظرة، وقال إذا كان الإيرانيون والعراقيون يضربون عواصم بعضهم بعضا، فإن ذلك يشكل تهديدا ليس على الرياض فقط، بل على الظهران وبقيق والدمام، ولذا يجب وجود قوة ردع”.
واستطرد قائلا: “هذه القوة إما صواريخ أرض أرض يكون مداها يصل للأهداف المعادية أو المحتمل بأنها معادية، أو طائرات قاذفة لمدى بعيد قادرة على التزود بالوقود وقادرة على حمل أحمال ثقيلة، وكنا وقتها اشترينا طائرة F15-A وهي طائرة اعتراض، و كنا نريد الـ”F15 E “سترايك إيغل”، وهي بعيدة المدى وحمولتها كبيرة وبها إمكانية التزود بالوقود في الجو، وإذا حصلنا عليها نريد ما يعوض الـ”أف 5″، وهي طائرة خفيفة ومتوسطة الحجم، وكنا نريد صواريخ “بيرشينغ” الأميركية، وهي نوعان: أحدهما برؤوس نووية، والآخر برأس تقليدي، والتي كانت أحد مواضيع الخلاف بين السوفيات والأميركان في عهد الرئيس رونالد ريغان، وكان الخلاف حول هل يسمح للأميركان بوضعها في أوروبا أم لا”؟
انتهز الملك فهد فرصة لقائه واجتماعه بالرئيس الأميركي ريغان أثناء زيارته في فبراير 1985، والتي سبق الحديث عنها. وقال الأمير بندر: “إن الملك فهد قال لريغان: يا فخامة الرئيس أريد أن أبحث معك موضوع تسليح المملكة، أنتم تعرفون الذي يحدث بين العراق وإيران، ومنابع البترول قريبة من تلك المنطقة، ونرغب بأن يكون تسليحنا الستراتيجي من عندكم، وهو يعتمد على شيئين: صواريخ “بيرشينغ” وطائرات الـ” اف 15 E”، أو أحدهما. قال ريغان: أنا أؤيدك، لكن يجب أن أكون صريحاً معك، الكونغرس لن يوافق. وتابع ريغان: حاولت أن أستطلع الآراء، ووجدت أنه لن يكون هناك تأييد، وإذا أردت سأجرب. قال الملك: لا، لا نرضى أن تخسر أمام الكونغرس بسببنا”.
وفق الأمير بندر، فإن الملك فهد كان يريد أن يحصل على كلمة، ولو شفهية، من الرئيس ريغان أن من حق الرياض التسلح بما تشاء، مادام أن واشنطن لن توافق على الاحتياجات المحددة، وقال الملك فهد لريغان حتى يأخذ ما يريد: هناك نقطة، في أحد خطاباتك فخامة الرئيس أنت قلت إن السلام يأتي عبر القوة، كلما أصبحت قوياً كلما كانت فرصة السلام أكبر، والعكس…ونحن نؤمن بالمبدأ نفسه، وهذا ليس مبدأ سياسياً عندنا، بل عقائدي. وطلب الملك مني ترجمة أثر إسلامي عن رجل شاهده الرسول (اللهم صلِّ وبارك عليه) ولا يوجد معه سوى ناقته، ومر رجل آخر يحمل سيفاً وخنجراً ورمحاً، فقال الرجل هذا يبحث عن السلم، والأول يبحث عن الحرب! فقالوا له كيف؟ أجاب بأن الأول سيسطو الناس عليه وعلى ناقته، أم الآخر المسلح المحاط بحرس فلن يقترب الناس منه”.
ويواصل الأمير سرد القصة بين ريغان والملك فهد: “وقال الملك فهد: هذا الكلام من عقيدتنا، وأنا مرتاح لخطابك يا فخامة الرئيس، وشكر ريغان الملك، لأنه لا يريد وضعه في موقف محرج أمام الكونغرس”.
أضاف الأمير: “سأل الملك ريغان، لكن ألا تتفق معي أن من حق أي دولة أن تتخذ ما تراه مناسباً لحماية أمنها؟ رد ريغان بالإيجاب، ومن هنا انطلق الملك فهد”.
لكن موضوع الرفض الأميركي بيع صواريخ “بيرشنغ” أو الـ” F15 E” فتح باب التفكير في بدائل فورية. وكان الملك سيتجه من واشنطن إلى ماربيا لقضاء إجازة، كما كان الأمير بندر ينوي التوجه إلى مزرعته في أسبن لقضاء بعض الوقت.
يروي بندر بن سلطان ما حدث في تلك الأثناء وقال: “بعد انتهاء الزيارة وحين هممت بتقبيل يد الملك وتوديعه في المطار سألني: أين طائرتك؟ قلت في المطار. قال هل معك أحد من ضباطنا، أخبرهم بأن يأخذوا الطائرة ويذهبوا لمطار نيس في فرنسا، وقبل أن يتجهوا إلى هناك دعهم يخبروا هيفاء(زوجة الأمير) ويحضروا حقيبة ملابس ويأخذوها معهم. قلت سمعاً وطاعة، هل آتي مع الطائرة التي ستتجه إلى نيس؟ قال: لا أنت تذهب معي الآن. وكان كل الوفد يسألني حين شاهدوني في الطائرة فجأة، هل أنت ضائع؟ ما الذي أتى بك؟ وبعد قليل دخل الملك إلى غرفته ثم استدعاني وسألني: هل مازلنا في الأجواء الأميركية؟ قلت له لا خرجنا. قال لي: سمعت رد الرئيس على موضوع الطائرات والصواريخ، ثم سألني: ما رأيك بإجابتي؟ قلت له توفقتم سيدي، في كلتا الحالتين كسبت ريغان ولم تخسره”.
كان الملك يريد حين طلب من الأمير بندر أن يرسل الطائرة إلى نيس، وأن تجهز له عائلته ملابس سفر، أن يرسله في مهمة جديدة. قرار سريع فور انتهاء الزيارة. يقول الأمير: “فجأة سألني الملك: ما الدول الأوروبية التي تملك صواريخ أرض – أرض تصل إلى طهران؟ قلت له لا يوجد، وها هي أميركا سترسل صواريخ “بيرشنغ” إلى دول الـ”ناتو”، وهذا دليل على أن أحداً لا يمتلك صواريخ أرض – أرض طويلة المدى! ثم رد الملك فهد: لكن فرنسا لديها؟ قلت نعم، لديها صواريخ اسمها “بلوتو” لكنه صاروخ برأس نووي وقصير المدى، لأن الاتحاد السوفياتي قرب حدودهم، وفلسفة شارل ديغول حين أصر على إنشاء قوة ذرية خارج إطار الـ”ناتو”، هي أن يقول للاتحاد السوفياتي: لا تأتوني لأنني متأكد أنكم ستدمرون فرنسا كلها، لكن تأكدوا أن صواريخي ستصل إلى جميع مدنكم المحيطة. ثم سألني الملك عن بريطانيا، وأجبته: أن صواريخها بعيدة المدى وبرؤوس نووية … ثم قلت له: لا يوجد إلا الصين وروسيا… الصين لا علاقات ديبلوماسية معها، والعلاقة مقطوعة مع روسيا منذ الثلاثينات”.

بدء التفكير بالصين
توقف الأمير عن سرد قصة الحوار بينه وبين الملك فهد في غرفة الملك في الطائرة، ليقول إن هناك إشكالاً تنبهت له السعودية، وهو كيف تقيم علاقة مع تايوان دون الصين، فالمملكة كانت تعترف بتايوان ولا علاقات رسمية بينها وبين الصين… ويكمل: صمت الملك قليلاً ثم قال: روسيا لا، لا يستطيع ريغان أن يتقبل هذا الموضوع، لكن الصين ممكن. قلت له كيف نتصرف في غياب العلاقات وعدم وجود تواصل رسمي؟ هل يذهب الأمير سعود الفيصل لبدء علاقات معهم؟ رد الملك بسرعة: لا… لا، أحد يجب أن يعلم، حتى والدك (الأمير سلطان كان وزيراً للدفاع وقتها) ثم قال لي: اتصل بالسفير الصيني في واشنطن وادعه إلى منزلك، واخرجوا إلى الحديقة، لا تجلسوا في البيت، واطلب منه إيصال رسالة للقيادة الصينية بأن السعودية تريد شراء صواريخ أرض – أرض، وإذا كانت لديهم القدرة على ذلك، أنا مستعد لإرسالك إليهم للمقابلة والتفاهم.
ثم قلت للملك: لكنهم سيسألونني، طال عمرك، عن تايوان، فكارتر حاول فتح علاقة مع الصين وفي الوقت نفسه الإبقاء على العلاقة مع تايوان، ورفضت الصين ذلك حتى آخر لحظة، حتى أقر الأميركيون بأن تتحول العلاقة مع تايوان عبر مكتب تجاري، وتفتتح الدولتان (أميركا والصين) سفارتين في عاصمة كل منهما. ثم سألني الملك عن الطائرات، فقلت له الـ” F15E” هي الأفضل. ودار حديث بيني وبينه عن الطائرات القاذفة، وقلت له لا يوجد أفضل من الـ” E”، وأكد الملك حديثي وأخبرني عن شكوى لأنور السادات من طائرات الـ”ميغ”. وأتذكر أنه خلال الاستعداد لحرب 1973 حين طرت بطائرة الـ”ميغ” لم أصدق أنني هبطت… بعدها فكر الملك، وقال: ما البديل؟ قلت له هناك الـ”تورنيدو” البريطانية وهي الأقرب، وهنالك نوعان الدفاعية والهجومية. وأعطيته أوصافها”!
التفت الملك فهد إلى الأمير بندر، مستغرباً كل هذه التفاصيل عن الطائرات وأوصافها وأنواعها الحديثة، رغم انقطاع الأخير عن الطيران والعمل العسكري منذ سنوات، فكانت إجابة الأمير أنه مشترك في مجلات ودوريات عن الطيران ولم ينقطع عن القراءة عنها.

عودة العلاقات السعودية المصرية
كانت العلاقات بين السعودية ومصر مقطوعة منذ عام 1979، وتحديداً بعد توقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية السلام وزيارته إسرائيل. ومنذ تولى الملك فهد مقاليد الحكم، كان يفكر بإعادتها وينتظر الوقت المناسب.
قبل أن يرسل الأمير بندر إلى الصين، طلب منه التوجه إلى القاهرة لمقابلة الرئيس حسني مبارك. وذهب الأمير إلى مطار عسكري في القاهرة، ثم إلى بيت يسكنه الرئيس السابق مبارك حيث تم ترتيب الزيارة عبر مستشار الرئيس الدبلوماسي أسامة الباز.
يقول الأمير: “حين التقيت حسني مبارك، قال لي أريد إرسال أسامة الباز لرؤية الملك فهد، وقلت له على الرحب والسعة. وفي الحقيقة أن السعودية هي من بدأت مبادرة إعادة العلاقات مع مصر. الملك فهد أوصل خبراً بشكل غير مباشر للأشقاء في مصر ولقي تجاوباً، وقال سأرسل لكم شخصاً (يقصد الأمير بندر) من عندي يتحدث معكم وأنتم تعرفونه”.
لماذا قال الملك فهد للمصريين سأرسل لكم شخصاً تعرفونه؟ يجيب الأمير بندر: “أنا أعرف الرئيس حسني مبارك منذ عام 1972عندما كان قائدا للقوات الجوية المصرية، وكنا ندرّب الضباط المصريين في السعودية سريا قبل حرب 1973 على طائرات “اللايتننغ”،و نجعلهم يلبسون الزي العسكري السعودي. ولم تكن بريطانيا تعلم، أن السعودية تدرب الطيارين المصريين على تلك الطائرات كجزء من دعم الرياض للقاهرة في استعدادها لحرب أكتوبر 1973. وفي إحد التدريبات، كانت هناك عواصف ضبابية على مطار الظهران، فتم تحويل الطائرات إلى البحرين، وإذ باتصال يأتي من البحرين للقاعدة الجوية في الظهران، وكنت أنا الضابط المناوب بالصدفة، وفي الاتصال من البحرين قيل إن هناك طائرة سعودية مخطوفة، وقبل أن أكمل لك هذه القصة، تذكرت أيضاً أن من بين الذين تدربوا استعداداً لحرب 73 المرحوم عاطف السادات، وهو شقيق الرئيس الراحل أنور السادات، وعاطف استشهد في الأوائل الأولى لهذه الحرب”.
اضاف: “قالوا لنا في البحرين إن الطائرة على متنها مصري وبريطاني، وكاد الموضوع أن ينكشف وقلت له: لا أرجوك هذا ضابط سعودي، والده تربى في مصر، وأخذ عنه اللهجة المصرية. تفهم البحريني الموقف، وذهبت بنفسي وأخذت المتدرب المصري والمدرب البريطاني وطلبنا طاقماً فنياً لتجهيز الطائرة وإعادتها للسعودية”.
وعن العلاقة مع حسني مبارك وكيف بدأت قال: “هذه واحدة من القصص، أثناء تدريب الضباط المصريين، كان حسني مبارك يأتينا في مدينة الظهران شرقي السعودية كل ثلاثة أشهر للاطمئنان ومتابعة تدريب الطيارين المصريين. وفي مرة أو مرتين جاءنا وزير الدفاع المصري الفريق محمد صادق، للاطمئنان على فريقهم. وكانت الفكرة أن نأخذ طائرات الـ”لايتننغ” ذات السرعة والمقدرة الاعتراضية إلى القاهرة، ويعمل الضباط المصريون الذين دربناهم على استخدامها لحماية القاهرة. ويتم إرسال جميع طائرات الـ”ميغ” وخلافه للجبهة، ونحن في سرب الـ” F5″، نذهب إلى تبوك، لأن مخازن الوقود فيها، وبعد التزود بالوقود نهاجم إيلات الإسرائيلية، وكنت أنا أحد أفراد هذا السرب، واتفقنا على أن يكون الهجوم من الجنوب مع دورة على الشرق، وهناك ما يسمى، “بي بي كي” (بروببليتي اوف كيلينغ / probability of killing) وهي احتمالية نجاة الطيارين، والمعلومات المتوفرة لدينا هي أن المدافع ضد الطائرات، وجميع الدفاعات المتمركزة في إيلات تدل أن احتمالية وفاة غالبية الطيارين عالية. وبقينا تلك الليلة نفكر من منا سيعيش ومن منا سيموت… وألغي الهجوم لاحقاً بسبب اتفاقية وقف إطلاق النار في يوم 11أكتوبر1973″.
يقول الأمير: “هذه مشاركة من مشاركات أخرى في حرب1973، ومنها مثلاً تزويد الجيش المصري بأجهزة اتصالات متطورة أميركية، مشابهة للأجهزة الإسرائيلية، وبالتالي لا تستطيع إسرائيل التشويش عليها. ومشاركة أخرى قد يجدها البعض غريبة، وهي شراء السعودية لمضخات عالية القوة تمويها على الإسرائيليين، وحتى لا تنكشف الخطة العسكرية لفتح ثغرات في خط بارليف. ومن الطرائف، أن إحدى تلك المضخات هي تلك المستخدمة في نافورة جدة”.

التمويه قبل الوصول إلى الصين
كان الملك فهد يريد أن يزور الأمير بندر أكثر من دولة، وكلفه بمهمات لكل بلد يزوره. يكمل بندر بن سلطان سارداً القصة: “بالعودة لموضوع الصواريخ الصينية، كانت خطة الملك فهد أن أزور الأردن، وأخبر الملك حسين بنتائج لقائه مع ريغان ومحادثاتنا بشأن القضية الفلسطينية، ثم أذهب إلى مصر ثم العراق وأخبر صدام حسين بتلك النتائج، ثم بريطانيا والتقي برئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، وأسألها إن كان لديها استعداد لبيع الـ”تورنيدو” القاذفة. قلت له: سيدي من الأسهل أن أذهب من نيس إلى لندن مباشرة. قال لي لا، أريد أن يكون الانطباع أن نخبر الأشقاء العرب بما حدث من مباحثات”.
يشرح الأمير، الفرق بين المباحثات في ما يتعلق بصفقات الأسلحة ما بين الولايات المتحدة وبريطانيا بقوله: “في بريطانيا الوضع يختلف عن أميركا، إذا وافقت الحكومة على موضوع صفقة الطائرات، فالبرلمان يأتي في المرحلة الثانية للبحث. أما في واشنطن فالعكس هو الصحيح، الكونغرس صاحب القرار. وحين تحدثت مع تاتشر وافقت مباشرة، وسألتني كم العدد؟ قلت إننا نحتاج 48 طائرة. فوافقت فورا، وقالت لكن نحتاج كذا وكذا، وكانت تشير لبعض الإجراءات، فوافقت بدوري، قلت لها: أريد أن أخبرك بشيء لكنني خجل منك. قالت تفضل: قلت للأمانة لا يوجد لدي ما أقوله، ففي واشنطن اعتدت أن أخوض معارك طويلة، وهنا جاءت الموافقة سريعاً. أضفت لكن كيف سنتعامل مع واشنطن؟ وأخبرتها برد فعل ريغان، فقالت لي: أخبر الملك فهد أنني موافقة، لكن لا تعلنوا شيئاً، وأنا سأذهب إلى واشنطن الأسبوع المقبل، وأقول لريغان أنه يجب عليهم بيع الـ” F15E” للسعودية، وسيخبرني بكل تأكيد ما قاله للملك فهد، وبعدها سأزور الكونغرس ولجنة الشؤون الخارجية والدفاع وسأخبرهم أنه يجب بيع الـ” F15E ” للسعودية، وإلا فسيذهب السعوديون لروسيا أو الصين أو أي مكان آخر، ومتأكدة أنهم سيقولون ما قالوه لريغان”.
وقع الأمير بندر في حيرة، لم يكن يريد من تاتشر أن تخبر أحداً بزيارته، وفي الوقت ذاته فكر بكلامها، وأنه قد يكون من صالح السعودية. وقال: “كنت أفكر أنني أتيتها سراً، وستذهب هي بنفسها وتعلن ذلك من واشنطن! قالت لي: وفي هذه الحالة إذا رفضوا سأقول لهم أنا عندي الحل وسأبيع لهم (السعوديون) الـ”تورنيدو” القاذفة. وهنا أحل الإشكالية”.

اللقاء بالسفير الصيني
عاد الأمير بعد الجولة على الدول العربية، ثم زيارة لندن إلى واشنطن، لينفذ أمر الملك فهد بلقاء السفير الصيني. التقى به كما أمره الملك، في حديقة منزل السفير السعودي، وأخبره ما تنوي السعودية فعله ورغبتها. يقول بندر بن سلطان: “لم يعطني إجابة سلبا أو إيجاباً… مر أكثر من أسبوع ، ولم يأتِ رد. وبعد ثلاثة أسابيع اتصل بي وقال أود دعوتك للعشاء. وأتذكر أن الملك قال لي لا تتحدث معي أو معه على الهاتف، وإذا جاءك الرد تعال إلي ونتحدث وجهاً لوجه. التقيت بالسفير في حديقة السفارة، وقال: بكين مهتمة بموضوع الصواريخ، لكن لا علاقات بين بلدينا، وهم يقترحون اجتماعاً بينك وبين مسؤول كبير عندهم، لتحديد المواقف بين البلدين وبعدها يتم البحث بموضوع الصواريخ، وقال نرحب بكم في بكين! قلت له، سعادة السفير ونحن نرحب بكم في الرياض. قال: لا… لا نذهب للرياض. فسألته: جنيف محايدة؟ قال لا، هناك تنشط الاستخبارات! ثم فكرت وتذكرت حديثاً دار بيني وبين الباكستانيين، ثم قلت له: باكستان؟ قال فكرة جيدة”.
وجد الطرفان الصيني والسعودي حلاً مناسباً، في باكستان، وكانت العلاقة بين باكستان والصين جيدة وبين السعودية وباكستان ممتازة. يقول الأمير: “جاءني فضول، سألت السفير الصيني: لماذا أخذ أكثر من ثلاثة أسابيع ليرد علي…فأجابني أنه نقل ما حدث شخصيا للقيادة في بيكين وهذا سبب التأخير.”
اضاف الامير بندر: “عدت إلى الرياض وأخبرت الملك بما حدث، وأطلعته على نتيجة اللقاءات مع تاتشر ومع السفير الصيني. ثم قال الملك عن تاتشر: شيطانة هذه السيدة، في إشارة إلى دهائها وذكائها. وطلب أن ننتظر النتيجة. فقلت يجب أن نبدأ الترتيب وأن نستأذن الباكستانيين ببدء عقد اجتماعات مع الصينيين على أراضيهم. ثم سألني عما سأقول لهم؟ قلت أستأذنكم في أخذ وفد من شركة “سابك”، وسأقول للباكستانيين أننا نريد أن نلتقي بالصينيين عندكم، لعدم وجود علاقات معهم، ونريد مناقشة تطوير أسواق للبتروكيماويات، رحب الجانب الباكستاني بطلبنا، وحين ذهبت ومعي الوفد عرضوا وضع قصر الضيافة تحت تصرفنا. فأبلغتهم بعد الشكر، أن الصينيين طلبوا أن يكون الاجتماع في سفارتنا ثم في سفارتهم. وحين عدت إلى واشنطن أخبرت السفير الصيني بما سيحدث، وحددنا التاريخ وذهبنا إلى باكستان”.
وحين جلس الوفدان لم يكن الوفد السعودي يعرف السبب الحقيقي للزيارة، ومن الجانب الصيني مسؤول واحد لديه علم بالموضوع، وهو الذي سيبحث كيف يمكن بدء العلاقات، وكذلك موضوع الصواريخ”.
اضاف: “خرجنا أنا والمسؤول الصيني للنقاش، والذي عبّر عن استعدادهم لبحث الموضوع، لكن من دون تقديم ضمانات! فقلت بدوري ونحن أيضا على استعداد للبحث، حتى لو أردتم أن آتيكم إلى بكين، لكن من دون التزام، قال إذا اتفقنا”.
قال الامير إن المسؤول الصيني سأله كيف سيقوم بزيارة بكين دون وجود علاقات، فأجاب: “قلت له نكمل الرواية، قصة البرتوكيماويات، وسنذهب إلى هونغ كونغ ثم بكين، وأطلب زيارة مصانعكم. وكان في ذلك الوقت تشاو بينغ الرئيس، وتشاو تشيان نائبا لرئيس الوزراء، وفي حديث معه قال لي تشاو تشيان: البعض يعتقد أن صداقتنا معهم قائمة على طريقة لبسهم أو تقليدهم لـ “ماو” ( ماو تسي تونغ مؤسس جمهورية الصين الحديثة وأحد زعماء الشيوعية عالميا) في اللبس والفكر، وأعطيك مثلاً رئيس أثيوبيا، الذي تم الانقلاب عليه لاحقا، جاء مرتدياً ما يعرف بقميص ماو، وحين وصل للصين كان المسؤولون في استقباله، مرتدين البدل وربطات العنق، وفي السيارة قال لي: أنا من مؤيدي الأفكار الماوية، وإن لاحظت أن جميع وفدي يرتدي الملابس الماوية. عندها رد الرئيس تشيان: ماو عبارة عن أفكار وليس لبساً ورداء”.

أخبر الأميركان ولا تكذب عليهم !
هناك قصة شهيرة، سبق أن ذكرها الأمير بندر بن سلطان، وهي أن الملك فهد قال له أن يخبر الأميركان بالنية لشراء صواريخ أرض – أرض من الصين، ولا يكذب عليهم. ويروي الأمير تفاصيلها: “قال لي: هذه هي آخر سلسلة تعليمات لك، أولاً، يجب عليك أن تخبر الأميركيين، ثانياً: لا تخبرهم أنك ذاهب لشراء الصواريخ، ثالثاً: لا تكذب عليهم. فقلت للملك: كيف يمكن فعل ذلك؟ هل تسمح لي أن أفكر؟ قال: لا… لا تفكر، لكن نفذ. ولا أنسى هذه اللحظة وأنا في جدة، خرجت من قصره وقدت سيارتي بنفسي، من قصر الملك إلى قرب استراحة الرحيلي ذهاباً وإياباً وأنا أفكر… عدت إلى واشنطن بعد أن أخبرت الديوان الملكي بالترتيب للمجموعة – البتروكيماوية – التي سترافقني، أن تستعد للذهاب إلى هونغ كونغ.
وقبل أن أغادر أتيت بالفكرة التالية، الحرب بين العراق وإيران مستمرة، وإيران مصدر سلاحها الرئيسي من الصين، والحاجة أم الاختراع وعند عودتي لواشنطن ذهبت لرؤية وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، وقلت أنني أحمل رسالة سرية للغاية من الملك لريغان، والرسالة للرئيس ونائب الرئيس ولك فقط، ومفادها أن الملك قرر أن أزور الصين، وتعرف أن المنطقة لا يمكن أن تتحمل هذه الحرب بين العراق وإيران للأبد، وسنذهب للصينيين ونعرض عليهم أمراً لا يمكن رفضه. قال شولتز ماهو؟ فأجبته سنقول لهم بأننا سنشتري كل السلاح الذي تريد إيران شراءه منكم. فقال: ماذا ستفعلون به؟ أنتم لا تستخدمون سلاحاً شرقياً؟ قلت له: صحيح، سنعطيه لصدام للقتال به. قال: فكرة هائلة. هنا قلت له: أنا أخبركم بذلك، كي تقولوا في حال تسرب الخبر أننا ذهبنا لصفقة بتروكيماويات وغيرها. قال شولتز: لا عليك سأتدبر الأمر وأتصرف وأتحمل المسؤولية”.
وضع الأمير الكرة في ملعب وزير الخارجية الأميركي، فقد أخبره بنية الذهاب للصين وبشراء أسلحة. اضاف: “ذهبنا إلى الصين، وكانت الرحلة غريبة، حين وصلنا أخذونا من المطار، وانتقلنا إلى السكن بسيارات ستائرها مقفلة، وفي فلل الضيافة الصغيرة، في المجمع الكبير، طلب منا الصينيون عدم فتح الستائر. المشهد يشبه الأفلام. وقتها كان عبدالعزيز ناظر، مدير مكتبي، وجاءني بعدما وصلنا إلى الفلل وقال لي: يا سمو الأمير أنا تطفلت، وتلصصت عبر الستائر وفتحت الستارة، وتعال أريد أن أطلعك على شيء. فتحنا الستارة وإذ بوفد إيراني موجود في الفلل المجاورة لنا، للتفاوض على شراء أسلحة. هذه مشيئة القدر فعلاً.
ومن مصنع إلى آخر، تعب وإرهاق. في اليوم الثالث جاؤوا وأخذوني بمفردي إلى نائب رئيس الوزراء، وبعد المجاملات طرحت عليه ما قلته للسفير حرفياً. قال: هل هناك شيء آخر؟ قلت له: نعم نحن على استعداد لشراء أي سلاح تشتريه إيران، ونقداً، ومقدماً”.
شعر الأمير أن نائب رئيس الوزراء سيفتح موضوع العلاقات مع تايوان، وكيف يمكن القيام بصفقة الصواريخ من دون وجود علاقات رسمية. قال: “قال لي نائب رئيس الوزراء: هذا شيء جيد لكنه ليس المهم… المهم كيف تريدوننا أن نتعامل معكم من دون وجود علاقات بيننا؟
قلت له الشعب الصيني عظيم ومبادئه عظيمه، ومبادئكم الخمسة المعروفة عظيمة، فأعجب بمعرفتي البسيطة وخلفيتي عن ما يحدث عندهم، ثم تحدثت عن إصلاحات تشاو بينغ، وقلت له الرئيس بينغ. قال: بينغ ليس الرئيس، وإنما رئيس اللجنة العسكرية، وتبين لاحقاً أن رئيس اللجنة العسكرية هو كل شيء، ثم قال لي: يجب أن أعود للقيادة في هذا الموضوع، لكن كيف سنتعامل؟ وصواريخنا التي تريدونها ليست صواريخ مسافات بسيطة، بل تتعدى الـ 1000كم ، ثانياً: كيف تعتبرون تايوان الصين ونحن لسنا الصين؟ قلت له: نحن الآن للتو بدأنا، وهناك رغبة لدى القيادة بخلق علاقات ستراتيجية مع الصين، ويجب بناؤها على الثقة، إذا قطعنا علاقتنا مع تايوان الممتدة منذ 25 سنة، وحولناها لمكتب تجاري لأننا بحاجة إليكم في مسألة معينة، كيف تضمنون أن لا نتخلى عن علاقتنا معكم بعد أن نأخذ ما نحتاجه؟ فأجاب: الثقة؟ قلت: إذاً هذا هو المطلوب، وأنتم دولة عظمى. قال: لسنا دولة عظمى، بل دولة من العالم الثالث لكن رائدة. قلت: بل أنتم دولة عظمى ونحن لسنا كذلك، وأعدك أن ندرس الموضوع بجدية خلال سنة من الآن، وقلت له عندي تفويض من الملك بأن نوقع اتفاقية مع سفيركم في واشنطن بفتح مكاتب تجارية بين البلدين”.
عاد الأمير بندر إلى مقر إقامته وقد اعتاد أن لا إجابة من الصين مباشرة حتى يتم بحثها بشكل جدي، ولم يكن يتوقع أن الموافقة قد جاءت. يقول: “عدت إلى الفيلا، وسألني مدير مكتبي عن النتيجة، فقلت يبدو أنه لا أمل. ثم جاؤوني وقالوا سنأخذكم في جولة على المعالم، وقلت في داخلي لسنا بحاجة للمعالم، نحن بحاجة لما أتينا من أجله”.
سبق أن زار وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجر الصين سراً، ودعوه للعشاء في مطعم ما، قاموا بأخذ الأمير بندر للمطعم ذاته، وقال له نائب رئيس الوزراء: دعوتك لهذا المطعم لأن زيارتك سرية، وقد دعوت كسينجر للمطعم ذاته حين جاءنا سراً.
اضاف: “قال لي نائب رئيس الوزراء: القيادة يا بندر لم توافق، لم أرد على كلامه. ثم أتبعها… ولكن السيد تشاو بينغ صوّت بمعادلة جيدة لأنها في مصلحة الطرفين. اضمنوا توقيع اتفاقية تبادل مكاتب تجارية بأسرع وقت، وأرسلوا لنا وفداً عسكرياً بملابس مدنية، ليرى المواصفات والتفاصيل. وبعد سنة نأمل أن لا تخيبوا أملنا، ثم أكمل: غداً نأخذكم إلى العاصمة السابقة شيان التي فيها المقبرة الملكية وغيرها. قلت شكرا أريد أن أعود غداً. قال: لا أفضل أن تزور شيان”.

زيارة المصنع والمفاجأة!
قال الأمير إن بقاءه كان مهماً، لكنه لم يكن يعرف ذلك. اضاف: “وصلنا في اليوم الثاني بعد المساء، وبسيارات بستائر أيضاً، ثم عبرنا بهواً وخرجنا منه إلى السكن، وبعد الفجر أيقظونا وقطعنا مسافة بعيدة ثم دخلنا قاعدة عسكرية، وإذا بمستودع كبير… كبير جداً فتحوا بابه، وحين دخلنا صافح الضباط وشاهدت الصاروخ وذهلت. وقلت أين يمكن أن نضع هذا الصاروخ؟ ثم التفت وقلت له: أمتأكد أن مدى هذا الصاورخ 1000كم فقط؟ قال: إسأل العسكريين …”.
الصدف تنقذ السعودية والصين، يقول الشخص الذي تفاوض معه الأمير في باكستان في أول لقاء قال: “رجال الأمن وجدوا صحافياً كندياً بالقرب من القاعدة العسكرية، وتحفظوا عليه. دعنا نكتب مسودة خبر مشترك، وفي حال تسرّب أي خبر يكون لديكم نسخة ولدينا نسخة، ويكون حديثنا متطابقا. سألتهم ماذا تقترحون؟ قالوا إن تكون الإجابة أننا ديبلوماسيون لا علاقة لنا بالشأن العسكري. تمت الموافقة على الفكرة وطبعنا نسخاً بأكثر من لغة”.
عاد الأمير إلى المملكة، وأخبر الملك فهد، وسُر الملك بالتفاصيل، لكن الأمير قال: “سيدي، الصاروخ أطول من مجلسكم هذا 6-7 مرات، ويحتاج مخابئ وبناء، وليس بالشيء السهل…ثم أمرني أن أتصرف”.
حيرة جديدة للأمير بندر، فالأقمار الاصطناعية ستلتقط الصاروخ، ويحتاج لمخابئ ومخازن ببناء مسلح. يحكي هذه القصة أيضاً ويقول: “عدت لواشنطن وأخبرت الوزير شولتز، وقلت له الصينيون وافقوا ولن يبيعوا أسلحة لإيران، لكن عندنا مشكلة وجلالة الملك يريد أخذ رأي الأصدقاء في واشنطن. كنت أفكر في التمهيد لبناء المخابئ، فقلت لشولتز: مخازن ذخائر القوات المسلحة جميعها في الخرج، قرب الرياض، تبعد عنها 100 كلم- وقد يحاول شخص مجنون التعرض لهذه الذخيرة، الملك يفكر بنقلها كلها بعيداً عن العاصمة.
قال شولتز: هذه فكرة جيدة. وقلت له: سأقترح على جلالة الملك أن نعطي عقد المقاولات للصين، حتى نضمن عدم تسليحهم لإيران أيضاً. وحين أيد شولتز الفكرة قلت له: إذا سأبدأ بالتنفيذ، لكن هناك إشكالية، وهي أن المنفذين الصينيين سيأتون للسعودية عبر باكستان. وكنت بحديثي، أمهد لكل شيء. وكان شولتز يؤيد كل ما أقول”.

نقل الصواريخ الصينية للسعودية
لا يمكن نقل الصواريخ بالطائرات، والميناء الذي يمكن من خلاله استقبالها يقع قرب مدينة رابغ، غرب السعودية، يكمل الأمير: “هذا الميناء بني خصيصاً للحرب العراقية- الإيرانية، وتم فتح خط بري سريع منه للعراق، وكان كل ما يحتاجه العراق يأتيه مباشرة عبر هذا الميناء. وانتهت الحاجة إليه حيث كان يتم تزويد العراق بالسلاح لاحقاً عن طريق العقبة”.
ويكمل الأمير بندر عن إيصال الصواريخ: “إذا كان الميناء جاهزاً، تصل الصواريخ إليه، لكن كيف ننقلها لمخابئها؟ اتفقت أنا والمسؤولون العسكريون على أن نلصق إعلانات لقوارير مياه باردة ومشروبات باردة أو ما شابه على شاحنات، كنوع من التمويه، فتبدو وكأنها شاحنات لنقل بضائع. وحين تصل السفينة ننقل ما بداخلها إلى الشاحنات، وتتحرك في المساء، وحين تريد التوقف، تتوقف تحت أقرب جسر”.
قال الأمير: إن نصيحة الملك فهد الأولى أنقذته، وجعلت موضوع الصواريخ الصينية يمر بسلاسة عند المسؤولين الأميركيين، اضاف: “حين وصلت بكين للمرة الاولى، أرسل مندوب المخابرات الأميركية خبراً لواشنطن بأن السفير السعودي لدى واشنطن وصل الصين، وأبلغوا مجلس الأمن الوطني، وقال لهم شولتز: لا داعي للقلق، لدينا خبر! وموضوع المخابئ كذلك، وصل لمجلس الأمن الوطني، وقال لهم شولتز لدينا خبر”.
كان المسؤولون العسكريون السعوديون يريدون معرفة سؤال مهم، وهو الدورة الزمنية للقمر الاصطناعي فوق الأراضي السعودية، حتى يتمكنوا من رسم خطة لتمرير الصواريخ، ونقلها في أوقات مناسبة وإدخالها للمخابئ. يقول الأمير عن كيف استطاعوا الحصول على الإجابة: “ذهبت لرئيس الاستخبارات الأميركية وقتها، وقلت له: لدينا مشكلة كبيرة وردت معلومات، أن الإيرانيين بدأوا بتحريك أسلحة وصواريخ تجاه المنطقة الشرقية السعودية. قال لي رئيس الاستخبارات هذه مسألة سهلة (هل هناك تحريك لأسلحة إيرانية أم لا)، سنستطلع ذلك بالأقمار الاصطناعية، وقلت له: متى أستطيع العلم بذلك. سأل وعاد لي وقال: خلال 12 ساعة. وطلبت منه تحديث المعلومة وإبلاغي حتى لا يشك”.
بدأ السعوديون العمل بناء على هذه المعلومة، لكنهم لم يضعوا في الحسبان الأقمار الاصطناعية الإشعاعية كما يقول عنها الأمير،اضاف: “تعطلت إحدى الشاحنات، ومر القمر الاصطناعي الأول، ثم القمر الثاني الذي التقط بالأشعة وجود جسم غريب على شكل صاروخ داخل شاحنة. الضابط المناوب في غرفة عمليات الاستخبارات الأميركية قام بمقارنة الصور حين وصلته، وفجأة ظهر له أقرب شكل للمجسم وهو “c3 رياح الشرق”. فاتصل بمسؤوليه وقالوا: سنتأكد، وفي كل مرة يتصلون بالقيادة السياسية لديهم يقولون لدينا علم. هذه المرة اختاروا التركيز على الشاحنة، وتتبع مسارها حتى دخلت المخابئ، ولحسن الحظ كانت الشاحنة المعطّلة تحمل آخر صاروخ”.
كان الجانب الأميركي يتوقع أن الأسلحة هي تلك التي اشترتها السعودية لمنع حصول إيران عليها، وكلما اتصل بهم ضباط الاستخبارات لإخبارهم قالوا أن لديهم علماً، لكن التغير حدث بشكل دراماتيكي. يقول الأمير: “فجأة اتصل بي السفير الأميركي السابق لدى السعودية، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد ميرفي، وكان يوم جمعة، وقال لي: هل أستطيع أن أمر لمقابلتك لمدة خمس دقائق. قلت له: تفضل على العشاء، فأجاب أن وقته ضيق، وهو مدعو للعشاء مع زوجته، لكنه سيمر لحديث سريع.
دخل هو وزوجته وكان يحمل مظروفاً، وكانت زوجتي موجودة. قال لي: أريد أن أختلي بك في المكتب وذهبنا ومعه المظروف، وقال: نحن أصدقاء منذ وقت طويل، أرجوك لا تحرج نفسك. تفضل هذا المظروف افتحه، واشرح لنا، كيف حصل؟ ولماذا لم نعرف إلا عن طريق الصدفة؟ قلت له: دعني أرى ما في المظروف. وإذ بها الصور الملتقطة وصور أخرى للصاروخ نفسه. قلت له: نعم هذا صحيح، نحن أصدقاء منذ زمن، ونعرف بعضنا بعضا منذ فترة طويلة، منذ كنت سفيراً، أما عن هذا الموضوع بالذات فأنا كنت في القوات المسلحة، أما الآن فلا، وهذا سؤال عسكري، أستغرب أنك أتيت تسألني عنه، كنت أتوقع في حدث مثل هذا أن يأتي شخص من البنتاغون، لكن لا تعليق لدي. سآخذ هذا المظروف وأرسله لحكومتي ويجيبون هم عليه”.
اكتشفت واشنطن أن بندر بن سلطان قد حصل على ما يريد، وأنه خدعهم في الوقت ذاته. قال المسؤول للأمير: “هناك رسالة من شولتز، قل لبندر إنه كذب علي، وكذب على الولايات المتحدة، وهذا عمل خطير، وأنا كوزير خارجية أميركي أحظر عليه الذهاب لأي جهة حكومية إلا بعد أخذ الإذن مني ولن أعطيه”.
لم يستسلم الأمير كما قال ورد: “قلت له أنقل له التحيات، وقل له إنني أتحداه، عليه أن يعود إلى المحاضر، ويجد أنني قلت له سنشتري سلاحاً من الصين للعراقيين. وإذا كان ما يقوله صحيح، قد يكون هذا صحيحاً، لأن السعودية لديها رد فعل من منع الولايات المتحدة بيع صواريخ “بيرشنغ” لنا، ويستطيع شولتز العودة لمحاضر الاجتماعات، وسيجد أنني قلت له أننا سنستعين بالصينيين لبناء مخابئ للذخيرة، ولم أكذب عليه، ثم قال لي: أنت ثعلب فعلاً، لكن الوزير غاضب. قلت له أشكر الوزير وأنا غداً سأذهب لمزرعتي في أسبن، وسأبقى هناك لأسبوعين أو ثلاثة، وإذا لم يتصل بي أحد ويخبرني أنه رفع عني هذا القرار سأذهب لإنكلترا أو جنوب فرنسا”.
يقول الأمير: “ذهبت لأسبن ثم إلى السعودية لأكثر من ثلاثة أشهر، وبعد فترة، اتصل بي بوش الأب، وكان نائب رئيس حينها، وقال إن زوجته سألته عني، وقالت إنها لم ترني منذ فترة، وعن سبب انقطاعي عن الزيارة، وأنها التقت بالأميرة هيفاء وأخبرتها أنني خارج البلاد. ويبدو أنه سأل وعرف السبب، وأبلغ الرئيس ريغان، الذي وبخ الوزير شولتز: كيف يقوم بهذه التصرف دون إذن؟ وريغان قام بتوبيخ الوزير، لأن للسعودية جميلاً عليه… في الفترة ما قبل بدء مباحثات الصواريخ الصينية وحتى اكتشاف القصة، بدأت عملية “إيران كونترا”، والتي تحدثت عنها لك سابقاً، وفيها طلب ريغان المساعدة من الملك فهد لحين القدرة على الحصول على تصويت الكونغرس”.

غورباتشوف والقادة الروس
سألت الأمير، حين ذكر الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف: تعاملت مع غورباتشوف ومع الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، وسياسيين آخرين، ماهي انطباعاتك؟
قال: “سبق لي التعامل مع سفير الاتحاد السوفياتي في واشنطن الديبلوماسي المعروف دوبرينن، وكذلك مندوبهم في الأمم المتحدة، فورنسوف، والتقيت الزعيم غورباتشوف في نيويورك أثناء أحد دورات الأمم المتحدة لبحث قضية أفغانستان، وعند دخولي للاجتماع، وجدته محاطاً بعدد كبير من المسؤولين المدنيين والعسكريين، وقبل أن نبدأ بالمجاملات المعتادة، قال أنا أود أن أحذر المملكة، فما تقومون به في أفغانستان سيكلفكم كثيراً، فرددت عليه بنقل تحيات خادم الحرمين الشريفين، والذي وجهني ببحث ما يريده فخامته. أضاف غورباتشوف أن لديهم معلومات مؤكدة أن المملكة تدعم المجاهدين الأفغان بنحو 200 مليون دولار سنوياً، فأجبته أن هذا غير صحيح، (وعلى طريقة الزعيم السوفياتي خروتشوف)، قام غورباتشوف بالطرق على الطاولة بغضب مردداً: نحن معلوماتنا مؤكدة، وستتحملون نتائج وخيمة لذلك. فرددت عليه: يا فخامة الرئيس، نحن لا ندعم المجاهدين بـ 200 مليون، نحن ندعمهم بـ 400 مليون دولار، ولدينا الاستعداد لدعمهم بـ 600 مليون أو حتى أكثر من ذلك، نحن ندفع أموالاً وأنتم تخسرون جنودكم، أنصحكم بالخروج من أفغانستان. فطلب حصر الاجتماع على انفراد بي، وعندما خرج الجميع، إذا به يندفع نحوي وظننت أنه سيعتدي علي، وإذ به يأخذني بالأحضان ويقول: أود أن أطلب منكم إعادة تكرار هذا الموقف والإصرار عليه، فأنا منذ فترة أحاول إقناع اللجنة المركزية في الحزب والقيادات العسكرية بالانسحاب من أفغانستان دون جدوى. أضاف: كما أود منك إبلاغ الرئيس ريغان، بأننا سنتوقف عن الاعتراض على نشر صواريخ “بيرشنغ” في أوروبا”.
ويكمل الأمير بندر، أن لقاءه اللاحق الرئيس السابق غورباتشوف كان بعد غزو صدام حسين للكويت. اضاف: ” التقيت به، ووزير خارجيته آنذاك ادوارد شيفر دنادزا في موسكو، حيث بحثت معهما أهمية دعم الاتحاد السوفياتي لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بإجراءات إخراج صدام حسين من الكويت، والتي وافق عليها، كما بحثت معهما برنامج مساعدات من المملكة للجمهوريات الإسلامية التي كانت تتبع للاتحاد السوفياتي والتي استقلت فيما بعد، بما في ذلك توزيع مليوني مصحف فيها، ووافق الرئيس غورباتشوف أيضاً على ما عرضته”.
أضاف الأمير، أنه سبق والتقى الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين وقال: “ذكرت لك في بداية اللقاء وحديثنا عن سوريا، عن تفاصيل لقاءاتي المتعددة معه وما انتهت إليه”.

“لوكربي” والقذافي ومانديلا
سألته عن قضية “لوكيربي” الشهيرة وعن لقاءاته بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.قال عن بداية القصة: “اتصل بي الملك عبدالله حين كان ولياً للعهد، وكان الملك فهد يمر بوعكة صحية، وقال لي: إن أمراً غريباً حدث، حين كان في القمة العربية في مصر، جاء رئيس المراسم الليبي وأبلغ رئيس المراسم السعودي أن القذافي يريد لقاء أحد المسؤولين السعوديين، فرد الملك عبدالله وقال له: هل يريد أن يلتقي بالأمير سعود الفيصل وزير الخارجية؟ قال لا… دعه يرسل لي سفيرهم في واشنطن الأمير بندر. اتصل بي الديوان وطلب مني العودة عاجلاً، حيث التقيت ولي العهد، وسألني هل اتصل بك أحد من ليبيا؟ قلت: لا. ثم سألني اذا كنت أعرف أحداً هناك، فقلت له: نعم هناك صحافي وكاتب اسمه الهوني، قال أعرفه، ثم استطردت، وقلت عدا ذلك لا أعرف.
ثم قال الملك ممازحاً: لدي أخبار سارة. قلت: ماهي؟ قال: ستلتقي بمعمر القذافي. فضحكت وقلت: الله يبشرك بالخير سيدي، لكن هذه لا تأتي منك. ثم عدت وقلت أن هناك حظراً جوياً بسبب حادثة “لوكربي” (هي حادثة تفجير طائرة ركاب أميركية أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي في اسكتلندا عام 1988، وقد اتهمت أميركا وبريطانيا ليبيا القذافي بتدبيرها)، قال لي: أن هناك اتفاقاً بأن تنزل الطائرة في قرية جربة التونسية، وهناك تنتقل عبر الحدود إلى ليبيا. قلت:بأمرك وذهبت، وتوقعت أن المسافة بين جربة وطرابلس ساعة أو ساعتين، لكن المسافة كانت سبع ساعات”.
لم يكن الأمير بندر يرغب في لقاء القذافي، لكن لا اعتراض على أمر الملك أو ولي عهده، ويروي قصة الرحلة المنهكة والمواقف الغريبة التي تعرض لها في ليبيا: “وصلنا إلى فيلا الضيافة والتي سنلتقي بالقذافي بعدها، وكانت حديقتها غير منسقة، والقاذورات في كل مكان. وفجأة خرجت إلي مجموعة، وتسأل: أنت هنا لترى القائد؟ قلت: نعم بالتأكيد، هل تظنون أنني هنا للسياحة مثلاً؟ ثم قال لي رئيس المراسم الليبية السفير المسماري: لكن القائد ليس في طرابلس! استغربت وقلت: أنتم أخبرتموني بذلك. ثم قال لي: إن القذافي في سرت، وأن مسافة الطريق بالسيارة 12 ساعة، وقلت له: آسف لن أذهب. قالوا مسموح لنا التنقل بالطائرة داخل ليبيا. ذهبنا بطائرة ليبية، وحاولت ممازحة كاتبن الطائرة ومساعده أثناء الطيران حتى نقطع الوقت، فسألت الكابتن منذ متى لم تطر؟ قال ثمانية أشهر، وسألت مساعده قال: ستة أشهر…فزاد قلقي عليّ وعلى من معي. وصلنا سرت، ثم أخذني رئيس المراسم والوفد المرافق معي في حافلة ولاحظت أن غالبية المباني في المدينة خالية”.
لا يعرف الأمير إن كان الاستفزاز متعمداً، أم أن هناك خللاً في الترتيبات المصاحبة. لكنه جاء بناء على طلب من القذافي وتوجيه من الملك عبدالله، ولي العهد آنذاك ويكمل: “وصلنا مقر الضيافة، وكان موظف الاستقبال يقرأ الصحيفة، واضعا قدميه على الطاولة، وكان معنا وزير ليبي استقبلنا، هو السيد عبدالعاطي العبيدي، وهو رجل عاقل وصاحب خلقٍ رفيع وقدرات عالية. نادى الوزير الليبي على الموظف وقال له: يا أخ أين غرف الضيوف؟ قال: انظروا المفاتيح معلقة خذوا ما تريدون منها. وكنت قد تعبت من ألم ظهري، ولم يكن في صالة الاستقبال سوى كرسي واحد. جلست عليه، فجأة دخل علينا شخص ملثم بلثمة تشبه لثام الطوارق ، ووضع يده على خصره، ثم التفت إلى جميع الموجودين، وصرخ: من فيكم الأمير! وكان معنا شخص خفيف ظل رد عليه وقال له: اللي عمى قلبك عمى عينيك، هناك كرسي واحد وهناك شخص جالس عليه، هل هو السائق مثلاً؟ ثم التفت إلي الملثم وقال: هل أنت الأمير؟ تعال معنا، القائد يريد أن يراك في معسكر الكتيبة، وكان القذافي يقضي وقتاً طويلاً بين كتائبه العسكرية، لكنها لم تنفعه حين جاء وقت الجد”.
بدأ الأمير باستذكار التفاصيل، وكيف أن التدرج في الإنهاك وكأنه مخطط له، طائرة ثم سيارة ثم حافلة ثم استقبال مستفز، اضاف: “دخلنا المعسكر، ومن نقطة تفتيش عسكرية لأخرى، حتى وصلنا… وقالوا لي تفضل. نزلت ونزل معي مساعدي في السفارة رحاب مسعود، والبقية قالوا لهم بأن يجلسوا في الحافلة، ومنعوهم من النزول. دخلت الفيلا الرئاسية وبعد قليل دخل القذافي وكان يرتدي بزة مثل حراسه ومعمم بلثام، وبعد أن رحب بنا قلت له مرحباً فخامة الرئيس…قال: أنا ماني رئيس… أنا قائد الثورة! ونحن بلد لا يوجد فيه زعيم أو رئيس، كل الشعب واحد”.
اكمل الأمير بندر بعد أن ضحك بسبب طريقة القذافي: “قلت له إذا أخي القائد تحية طيبة وصافحته، ثم جلس، ونظر إلي وهو ملثم، ثم قال: لم أنت هنا؟ قلت له أخي القائد عندي إجازة وقلت أمر لأرى ليبيا لم أرها في حياتي، ثم قال: أولست أنت السفير السعودي في واشنطن؟ قلت: نعم، ثم أردف، ومن واشنطن: جئتني هنا؟ قلت له: لا جئتك من الرياض حسب طلبك من الأمير عبدالله. ثم قال القذافي: نعم… نعم تذكرت، ثم سأل عن رحاب مسعود: هذا من؟ قلت له مساعدي. وبعد برهة قال: أنتم ملكية، لا يوجد عندكم ديمقراطية، لكن حتى الديمقراطية سيئة، هناك طريق ثالث صحيح، وحتى توني بلير رئيس وزراء بريطانيا يتبعه الآن. لم يكمل إجابته. ثم قلت له: أنتم لديكم ديمقراطية ومساواة فعلاً؟ قال: نعم، قلت: كيف إذاً منعوا الوفد الذي معي في النزول من الحافلة؟ استغرب القذافي من الإجابة، ثم وقف ورن الجرس مرة مرتين دون رد، فقام بفتح الباب وصرخ حتى جاء ضابط، وقال له: لماذا منعتموهم، هل فعلاً منعتموهم؟ ثم ضرب القائد على صدره، وقام الضابط ورد الضربة بضربة أخرى على صدر القذافي، وتعجبت أنا مما يحدث أمامي”.
كان لدى القذافي حديث يريد أن يستطرد به، لكنه يريد جس نبض الأمير، وحين تحدث بما يريد شك الأمير إن كان القذافي في وعيه أم أنه يسخر ويكمل: “سألني: قال أنت أين تعلمت؟ أجبته في السعودية، ثم كلية الطيران في بريطانيا، ثم دورات عسكرية متقدمة في أميركا، وكعادة القذافي، رد علي وقال: اها، يعني أنت وليد الاستعمار. قلت له: نعم الاستعمار متطور ولديه إمكانيات. وقبل التوجه إلى ليبيا أخذت كل المعلومات التي ممكن أن آخذها عن شخص القذافي وعن ليبيا، ولاحظت أنه في العام 1968 كان القذافي في دورة في بريطانيا وهو ضابط، وأنا تخرجت في العام 1969 . أي أنه في هذا العام كنا جميعاً في بريطانيا. رددت عليه: الأخ القائد أنا تخرجت عام 1969، وأنا كنت هناك في الكلية منذ العام 1965، ثم سألته: أين كنت أنت في العام 1968 الأخ القائد؟ قال: في بريطانيا. ورددت بقولي: أها بلد الاستعمار؟ قال يبدو عليك أنك ذكي، من هو الأقرب لك أو لقلبك. الرئيس عبدالناصر أو الرئيس بوش. قلت بوش انتهت رئاسته، وأعرفه، عبدالناصر لا أعرفه. ثم سأل: أيهما أقرب لقلبك ليبيا والشعب الليبي أو الاستعمار؟ قلت أكيد الشعب الليبي. ثم أماط اللثام وقال بزفرة: اييييه، اترك موضوع “لوكربي” جانباً”.

التخطيط لقلب النظام السعودي!
أعجبت إجابات الأمير بندر القذافي، وفي لحظة مفاجئة عرض عليه أمراً غريباً يرويه الأمير، الذي ينقل عن القذافي قوله:”في الحقيقة، طرأت على بالي فكرة، أنت تعرف ما دام القادة العرب الموجودون الآن (على كراسيهم)، فلن تتحرر فلسطين، والاستعمار سيظل. لم أرد عليه، ثم قال: ولهذا نحتاج لأشخاص مثلك، وأنا مستعد أن أحتضنهم وأدربهم ونعمل خلايا سرية لقلب نظام الحكم، وأفضل مكان نبدأ فيه هي دول الخليج. هل تعرف أحداً تثق به في دول الخليج؟ لأن أهم نقطة في الانقلابات هي السرية والثقة، وألا تزيد الخلايا، عن خمسة أشخاص. قلت له: نعم لدي أصدقاء كثر في الخليج، لكنني لم ألتق بهم منذ زمن، وأعطني مهلة أذهب للخليج وأجس النبض”.
يكمل الأمير بندر: “كنت أرد مستغرباً وساخراً، لكن القذافي كان جاداً بذلك، وطلب مني طريقة لدعوتهم وتهريبهم عن طريق مصر، وكان يعتريني الذهول. ثم قلت له: في السعودية عندي خمسة أشخاص أعتقد أنني أثق فيهم وبهم. قال من هم؟ ثم أخذ القلم وبدأ يكتب: أولاً فهد بن عبدالعزيز، ثانياً عبدالله بن عبدالعزيز، ثالثا سلطان بن عبدالعزيز، رابعاً نايف بن عبدالعزيز، خامساً سلمان بن عبدالعزيز، وكان القذافي يكتب وكأنه في حالة تخدير. ثم انتبه ورفع رأسه وضحك وقال خبيث… أنت خبيث”.
شعر الأمير بالقلق، ثم حاول استغلال الفرصة لمفاتحة القذافي في موضوع “لوكيربي” قبل أن يفاتحه هو وقال: “رد القذافي علي: وقال أنا مرتاح لك. ثم قلت له: الصراحة لا أرتاح أنا، لأنني كعربي متألم للحصار على ليبيا. فقال لي: ما سأقوله لك سر، ولا أريد أن يعرف عنه إلا الأمير عبدالله… اذا استطعت أريدك أن تلتقي توني بلير وبيل كلنتون، لترى ما هو الحد الأدنى أو الأقصى من الطلبات التي يمكن تلبيتها لإنهاء الحصار وخلافه”.
بحث الأمير بندر مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، فأخبره أنه مستعد لفعل ما قد ينهي الحصار على ليبيا، إذا اعترفت ليبيا بالمسؤولية، وتمت محاكمة المتهمين ودفع التعويضات. لكن المهم الحصول على تأييد بيل كلنتون. يكمل ويقول: “وكان المطلوبون في ليبيا كثيرين، ومنهم زوج أخت زوجة القذافي عبدالله السنوسي، وموسى كوسى وسيف الاسلام القذافي وغيرهم. ذهبت للقذافي وأخبرته بالتفاصيل، وبعد مفاوضات شاقة ورحلات عديدة وافق على مضض. وللأمانة، لم آخذ كلامه على محمل الجد. ولا أريد توريط بلدي وفقدان مصداقيتها مع أميركا وبريطانيا والأمم المتحدة بسبب القذافي، وهذه التساؤلات والاحتمالات جاءت بعد حديثه ومخططاته التي أفصح بها عن رغبة الانقلاب”.

إشراك مانديلا بالمفاوضات
طرأت لدى الأمير بندر فكرة، وهي إشراك شخصية عالمية مؤثرة في مباحثات فك الحصار عن ليبيا، وكانت الشخصية هي نيلسون مانديلا. قال الأمير: “أخبرت الملك عبدالله، كان ولياً للعهد وقتها، أن هناك صداقة تربطني بنيلسون مانديلا، وبدأت الصداقة بعد إطلاق سراحه، حين جاء إلى الأمم المتحدة، ثم زار سفارات الدول التي أيدت إطلاق سراحه وخروجه، وسعت لذلك، ومنها سفارة السعودية في واشنطن، وحدثت بيني وبينه قصص شخصية عززت العلاقة. واقترحت أن أطلب من مانديلا أن يأتي معي ونذهب لليبيا، وشرحت له القصة ووافق. وقال أريد طائرة. قلت له: سهلة، سآتي إليك ومن هناك نذهب بالطائرة لكن بسبب الحظر، ستستغرق الرحلة أكثر من 71 ساعة. قال مانديلا إنه سيتصل بكوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة وقتها، ويطلب منه رفع الحظر عن هذه الرحلة تحديداً. وسألني نيلسون: هل وافق القذافي على كل المتطلبات؟ قلت: نعم، ووافقت بريطانيا وأميركا أيضاً، وأن الأمم المتحدة سترسل طائرة لأخذ المتهمين الاثنين ليحاكما في اسكتلندا”.
عرف القذافي أن مانديلا سيكون معي هذه المرة، وجن من الفرح، وخرج إلى المطار لاستقبالنا وكاد أن يتجاهلني. وكنا في الخيمة الخاصة به، ثم بادر مانديلا وقال له: قرارك شجاع، والمهم هو لمصلحة الشعب الليبي وإنهاء هذا الإشكال، والحل السلمي هو الأفضل دائماً. قال القذاقي: فعلاً أنا موافق، ثم قال مانديلا: إذاً نخرج إلى المطار لتوديع المتهمين، طائرة الأمم المتحدة بالانتظار.
رفض القذافي طلب مانديلا ثم باغته نيلسون بقوله: الأخ القائد، هل غيرت رأيك، إذا غيرت رأيك سأخبر العالم أنك كاذب وكذبت علينا؟ رد القذافي بسرعة وقال: لا غير صحيح، ثم استدعى موسى كوسى، رئيس استخبارته، وطلب منه تسليم المتهمين الاثنين للأمم المتحدة. ثم طلب القذافي بعد انتهاء كل هذا العودة إلى قصر المؤتمرات، لأنه سيلقي كلمة يشكر فيها الرئيس مانديلا”.
أضاف الأمير: “التفت مانديلا إلى القذافي وقال له ينبغي عليك شكر السعودية والأمير عبدالله والأمير بندر وليس أنا. ثم استدرك القذافي ذلك وقال: بالتأكيد”.
يكمل الأمير سرد القصة واللحظات تلك: “ذهبنا إلى قصر المؤتمرات، واعتلى القذافي المنبر وقام يشكر مانديلا طول الوقت، والتصفيق كان أكثر من الكلام، بعدها دعاه لاعتلاء المنصة وامتدح نيلسون الشعب الليبي وقرار القذافي بإنهاء المعاناة، وذكر بأن الحلول السلمية هي الأفضل، ثم شكر الجميع وجلسوا. وبعدها تجاهلني القذافي: وقال سأوصلكم المطار بنفسي. قال مانديلا له: لكن الأمير بندر لم يتحدث ويلقي شيئاً؟ التفت القذافي إلي وقال: أنت تعرف تحكي؟ وكان ردي بـ”أحياناً”. ثم قال مانديلا ما الذي يقوله؟ أخبرته بتهكم القذافي، غضب مانديلا من هذا السلوك، وتوجه بالحديث إلى الرئيس الليبي وقال له: أعرف أنك تتحدث الإنكليزية معمر، إذا لم يلقِ بندر خطاباً سأقوم وأقدمه بنفسي. قام القذافي وقال الأخ بندر سيلقي كلمة قصيرة.
قمت وقلت إنني سعيد أن الشعب الليبي تخلص من هذه المأساة، وسينتهي موضوع العقوبات، وأتمنى الاستقرار والسعادة لكم، وفي منتصف كلمتي، شعرت أن كلامي ليس نابعاً من القلب بسبب معاملة القذافي ونكرانه الجميل. صمت قليلاً ثم قلت: في حدث مثل هذا يعجز الإنسان عن وصف شعوره، وخير الكلام ما قل ودل”.
واختتم الأمير بقوله: “على كل حال، رحم الله معمر القذافي، وهو في دار حق، وسيلقى الله ويحاسبه على كل أعماله خيرها وشرها”.

نيسلون مانديلا وبندر بن سلطان في واشنطن
صورة أرشيفية لصواريخ “رياح الشرق” ويشاهد الجمهور السعودي الحاضر الاستعراض العسكري
You might also like