بندر بن سلطان: ياسر عرفات أجرم بحق القضية الفلسطينية والسعودية حذَّرت الأسد من انفلات الوضع السوري 3 مرات كشف عن ان رئيس السلطة الفلسطينية الراحل كان يتواصل مع شارون سراً عبر ابنه عمري

0 943

* الخطوط الحمراء التي رسمها البيت الأبيض لرئيس النظام السوري كانت مجرد فرقعات إعلامية
* التدخل الروسي والإيراني في سورية بوتيرة متسارعة جاء بعد ضمانة أن واشنطن لن تتحرك
* كان رونالد ريغان ممتناً جداً لوقوف الملك فهد والسعودية معه في موضوع الـ “كونترا”
* الإسرائيليون جنّوا حين غيَّر ريغان سياسة واشنطن تجاه القضية الفلسطينية 180 درجة

في الحلقة الحالية، وهي الثالثة، من خمس حلقات حاورت فيها “اندبندنت عربية” رئيس الاستخبارات السعودية والأمين العام لمجلس أمنها الوطني وسفيرها الأشهر السابق لدى واشنطن الأمير بندر بن سلطان، يتحدث الأمير عن تراخي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في ما يتعلق بمنع تجاوزات رئيس النظام السوري بشار الأسد تجاه شعبه واستخدامه الكيماوي لقصف المدنيين، وقصة زيارة رئيس وزراء بريطانيا السابق ديفيد كاميرون لمزرعة الأمير خارج لندن، وطلب منه أن تتدخل السعودية لإقناع أوباما بالتحرك، لأن هناك معلومات أنه لن يفعل شيئاً تجاه تجاوزات الأسد. وقبل أن يتحدث عن تراخي أوباما، كشف الأمير بندر تفاصيل للمرة الاولى حول ما دار بين بشار الأسد ورياض حجاب رئيس الوزراء السوري المستقيل، والفار من العمل مع نظام الأسد، والأجواء العامة للثورة السورية ورد فعل حكومة بشار.
بعد انتهاء حديثه في الحلقة السابقة عن بشار ورفيق الحريري، هم بالحديث عن تراخي أوباما تجاه وحشية نظام الأسد واستخدامه الكيماوي ضد المدنيين، ثم استذكر ما دار بين السعودية وسورية، ونصائح الملك عبدالله لبشار الأسد. قال الأمير: “بداية الأحداث في سورية كما تعرف في درعا حيث قام بعض الأطفال في سن 12 و13 عاماً بكتابة بعض العبارات ضد الدولة على بعض الجدران، فقامت الأجهزة الأمنية السورية باعتقالهم وتعذيبهم وقلع أظافر هؤلاء الأطفال، وأدى التعذيب لوفاة أحدهم، واستدعاء أهالي الأطفال وتعذيب بعض منهم، بل إن أحد الآباء قيل له: “إذا مَنت قادر تربي أولادك احنا نجيب من أمهم أولاد ونربيهم”، وهذه كانت شرارة المظاهرات التي خرجت لتطالب ليس بتغيير النظام، بل احتجاجاً على ما قامت به الأجهزة التابعة للأسد، والتي قامت بدورها بقمع تلك التظاهرات، التي بدأت تظاهرات تضامنية مع أهالي درعا في المناطق الأخرى، وهي أيضاً لم تطالب بتغيير النظام، بل باتخاذ إجراءات لكبح جماح الأجهزة الأمنية”.
السعودية كانت تتابع التطورات عن كثب، ولم تعلن موقفاً، بل أرسلت المندوبين للأسد تطلب منه اتخاذ ما يمكن لإنقاذ الوضع وتطوراته، أرسل الملك عبدالله لبشار مندوباً برسالة مفادها أن عليه أخذ إجراءات سياسية عاجلة لتهدئة الأمور قبل أن تفرط، فوعده بشار بذلك، لكن للأسف استمر في سياسته القمعية.
أرسل الملك عبدالله مندوباً للمرة الثانية يحذر بشار من استمرار تدهور الوضع، فكان رده أنه يعي ما يحصل، وسيتخذ إجراءات سياسية إصلاحية عاجلة، لكن هذا يتطلب إصلاحات اقتصادية، ورفع مرتبات الجيش. فأرسل له الملك عبدالله 200 مليون دولار كمساعدة عاجلة لتهدئة الوضع، والتعامل مع الأمور، سياسياً واقتصادياً، لكن بشار وبذكائه العجيب، والذي يعتقد أنه يستطيع أن يخدع به كل الناس بما في ذلك شعبه، أخذ الأموال من دون فعل شيء، بل زاد في القمع والتنكيل بالشعب، ثم انشق رياض حجاب، رئيس الوزراء الأسبق، وسمعنا منه العجائب عما كان يحصل داخل النظام، ومن ذلك أن أول لقاء له مع بشار بعد توليه رئاسة الوزراء حاول شرح الوضع الداخلي لبشار في دير الزور، خصوصا أن حجاب من دير الزور، واتصل به العديد من أهالي الدير يبلغونه بما يحصل فيها من قتل وتنكيل، فكان رد فعل بشار أنه لا عليك، أعرف بالوضع وهو تحت السيطرة، و”لا تشغل نفسك بهالحكي بس فيه هناك عقد التلفونات بدو تجديد، وهذا بدك تعطيه لرامي مخلوف، وفيه أرض للدولة لماهر الأسد بدك تشتروها منه”، وهذا ما جعل رياض حجاب يخرج من الاجتماع بقناعة أن “الدنيا وما يحدث في وادٍ وبشار الأسد في وادٍ آخر”.

السعودية أرسلت مندوباً مرتين لبشار الأسد
أضاف الأمير قبل أن ينتقل إلى قصة تراخي أوباما: “ثم بدأ بشار بضرب المدن السورية بالصواريخ والبراميل المتفجرة، وهنا اقتنع الملك عبدالله أنه لا يمكن التعاون مع هذا الشخص، بل وأنا أتعجب اليوم، وللأسف، لا يوجد بيت أو حي أو قرية أو مدينة إلا وقد سحل فيها الناس وقتلوا ودمروا”.
كشف الأمير بندر عن معلومات خلاصتها “أن التدخل الروسي والإيراني في سورية بوتيرة متسارعة، جاء بعد ضمانة أن واشنطن لن تتحرك. وفي الوقت الذي كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تتفاوض مع إيران بشأن الاتفاق النووي، كانت الخطوط الحمراء التي رسمها البيت الأبيض أكثر من مرة لرئيس النظام السوري بشار الأسد مجرد فرقعات إعلامية”.
قال عن انطباعه وما استقاه من زيارته الثانية إلى روسيا، بعد الأولى التي قال له بوتين فيها إن بشار سيأتي إلى موسكو حبواً: “السبب في تدهور الأوضاع في سورية، وتدخل الروس وغيرهم، هو الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. كان الروس يتوقعون جدية من أوباما، وأن الأميركيين ومعهم البريطانيون والألمان والفرنسيون، والدول العربية الرئيسية، كمصر والسعودية والإمارات والأردن، وتركيا كدولة إقليمية سيوقفون تجاوزات الأسد، ولم يكن الروس يريدون اتخاذ موقف يخالف هؤلاء جميعا، لكن الروس حين شعروا أن لا جدية من أوباما تحركوا”.
لكن موقفاً حدث بالصدفة جعل الرياض تتيقن أن أوباما يراوغ، وأن الخطوط الحمراء مجرد استهلاك إعلامي، وأن الأسد سيواصل قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيماوية. لدى الأمير بندر مزرعة خارج العاصمة البريطانية لندن، وكانت عائلته فيها. قال: “مر ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق بها، وطلب أحد أبنائي، خرج له وتفاجأ بوجود كاميرون، وذهبا إلى كوخ صغير في بحيرة أمام البيت، وكان من دون أمن وحراسة، وصافحه ابني. طلب كاميرون من ابني السير على الأقدام لمسافة، ثم قال له: هل هناك وسيلة للاتصال بالوالد؟ قال نعم لماذا؟ قال أريدك أن تخبره أن أوباما ليس جاداً في سورية، ولن يقوم بشيء، وأننا قد حاولنا مع الفرنسيين بجهود كبيرة، وأوباما يرفض الاستماع إلينا. وأكمل كاميرون متحدثاً إلى ابني: لو بالإمكان أن تبذل السعودية مجهوداً قد يكون هناك تحرك. قال له ابني: سعادة رئيس الوزراء، والدي لا يدخلنا في العمل، وأنا لا أعدك بإيصال شيء لأننا لا نتدخل. أخبرني ابني بما حدث وقلت له أفضل ما فعلت أنك قلت إنك لن تخبرني، وأنكم لا تتدخلون في عملي. وفوراً أخبرت الملك عبدالله، الذي علّق: هذا غير ممكن! قلت له هذا كلام ابني الآن”.
“اندبندنت عربية” تواصلت مع مكتب رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، وسألته عن تعليقه على هذه القصة، فكان الجواب بتأكيد اللقاء بين كاميرون وأحد أبناء الأمير بندر في جلمبتون خارج لندن، لكن دون تعليق على التفاصيل التي وردت أعلاه، وجاء في الرد الذي ورد عبر البريد الإلكتروني لمكتب رئيس الوزراء البريطاني السابق، “أن الأمير وكاميرون التقيا مرات عدة حين كان كاميرون رئيساً للوزراء”.

أوباما والوعود الوهمية
طلب الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز من الديوان الملكي إطلاع الأمير بندر على تفريغ المكالمة مع الرئيس أوباما، وفيها طلب أوباما مهلة يومين لاتخاذ الموقف بشأن قصف المدنيين السوريين بالكيماوي، وتجاوزات بشار الأسد تجاه شعبه. وكانت من بين اربع مكالمات مليئة بالوعود. وأصبح أوباما – حسب الأمير بندر- مثل بشار من ناحية عدم المصداقية والوفاء بالوعود، بل إن المسؤولين في حكومته أصبحوا يطلبون الوساطة السعودية للتحرك لوقف الجرائم بحق المدنيين السوريين على يد نظام دمشق.
يستذكر الأمير بندر موقفاً مع وزير الخارجية الأميركي في عهد أوباما جون كيري: “قال كيري لي أنه سيستقيل إذا لم ينفذ أوباما وعده في ما يتعلق بالخطوط الحمراء، ولكنه لم يفعل رغم عدم تنفيذ أوباما لوعده. وقد سخر منه الأمير سعود الفيصل خلال مكالمة هاتفية وقال له: تكلمني الآن كمواطن أو وزير خارجية؟ في إشارة إلى أنه من المفترض أن يكون قد استقال بسبب عدم إيفاء أوباما بوعده”.
ويذكر الأمير بندر للمرة الاولى، تفاصيل تعطيل أوباما لأي تحرك ضد بشار الأسد وقال: “التقيت برئيس الاستخبارات الأميركي السابق ديفيد بتريوس، في أحد الاجتماعات في الأردن، وقال لي إن مجلس الأمن الوطني موافق على وضع حد لتجاوزات بشار الأسد واستخدامه الكيماوي، وكلما جئنا بأمر تحرك ليوقعه أوباما قام بتأجيله وتجاهله”.
كل ما سبق، حسب الأمير بندر، لم يُجرئ الروس فقط على التدخل في سورية، بل الإيرانيين كذلك. وأصيب حلفاء واشنطن بصدمة وذهول، حين اكتشفوا لاحقاً أن مكاسب إيران في سورية كانت بسبب مفاوضات أوباما مع طهران على النووي، ويقول: “اكتشفنا أنه كان في ذلك الوقت يتفاوض مع إيران على الاتفاق المتعلق بالنووي، وعلى أنه لا يريد القيام بأي خطوة تفسد هذه المفاوضات، في الوقت الذي كان الجانب الإيراني يستميت لرفع العقوبات، ولو انتظر أوباما قليلاً لحصل على الكثير”.
ويواصل الأمير بندر حديثه عن هذه النقطة: “كان أوباما قلقاً من انسحاب الإيرانيين من المفاوضات النووية، والعجيب مثلاً، أن فرنسا وبريطانيا أرسلتا طائرات عسكرية إلى قبرص لضرب أهداف الكيماوي السوري وغيرها في تحرك عسكري شامل مع الولايات المتحدة، وهذا دليل جدية. الأميركيون قالوا إنهم سيساهمون بالمعلومات الاستخبارية والدعم واستهداف أماكن الكيماوي، وتخيل أنه في هذه اللحظة روسيا لم تكن تتدخل بعد”.
الملك عبدالله تفاجأ برد فعل أوباما، ومراوغته، ولم يستسغ ذلك، ويقول الأمير بندر إنه في آخر مكالمة بين أوباما وبين الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، وكان فيها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق كاميرون، ومدتها تزيد عن 40 دقيقة، ومما قاله الملك عبدالله لأوباما في مكالمة هاتفية: “لا أصدق نفسي أنني يوما ما سأعيش ورئيس للولايات المتحدة الأميركية يكذب عليّ”. وكان أوباما يحاول الدفاع عن موقفه.
الرئيس الفرنسي هولاند أخبر الملك عبدالله عن المكالمة الأخيرة، قائلاً: عندما أبلغوني في الاليزيه بأن أوباما يريد التكلم معي، توقعت أنه يريد التدخل فعلاً في سورية، فاستدعيت مسؤولي الأمن الوطني بما في ذلك رؤساء القطاعات العسكرية عندي للاستماع إلى المكالمة، ومن ثم ينفذ كل ما عليه، توقعت رداً حاسماً من أوباما وموقفاً تجاه استخدام الأسد للكيماوي. وكانت صدمة هولاند أن أوباما قال له، يجب أن أعود للكونغرس للحصول على الموافقة، وهذه خطوة قد تأخذ وقتاً، هولاند رد على أوباما: كم تتوقع أن يستغرق كل هذا؟ قال أوباما ستة أشهر، وبعدها أغلق هولاند الخط وانتهت المكالمة.
بداية فقدان الثقة بين الرياض وواشنطن والذي تسببت به ضبابية أوباما تجاه إيران والأسد، جعلت المسؤولين السعوديين يشككون في كل تحرك من الإدارة الأميركية، ويذكر الأمير بندر أيضاً قصة مرتبطة قال: “كنت في جدة عندما تلقيت اتصالاً من جون كيري وقال: من الضروري أن تتصل بالملك عبدالله، وتطلب منه مشاهدة قناة “سي إن إن” بعد قليل لأن الرئيس أوباما سيدلي ببيان. في هذا الوقت كنت أعرف أن شيئاً لن يحدث، لأنني سمعت الكلام من رئيس الاستخبارات الأميركية، ومن كاميرون ومن الجميع، أن أوباما لن يتدخل. قلت لجون كيري: الملك لديه شاشات الأخبار، ويشاهد القنوات الإخبارية. ولو قال الرئيس أوباما أي شيء يهم السعودية والمنطقة، ستنقله قناة “العربية” والقنوات الإخبارية الأخرى، وأود أن أذكرك أنني رئيس الاستخبارات والأمين العام لمجلس الأمن الوطني، ولست وزير الخارجية، نظيرك هو سعود الفيصل تستطيع الاتصال به. قال: ظننتك تستطيع الاتصال بالملك أسرع، قلت له: هذا غير صحيح. وبعد خمس دقائق اتصل بي الأمير سعود الفيصل وقال لي: هل اتصل بك جون؟ قلت نعم. سألني عن رأيي، وقلت له لا دخل لي بالموضوع طلبت منه الاتصال بك. قال لي سعود: هل تتوقع أن الرئيس جاد وسيعلن شيئاً؟ قلت لا. وسألني سعود الفيصل: هل أبلغ الملك؟ قلت له لو كنت مكانك سأصبر قليلاً، إن كان الخبر جيداً فالملك سيشاهده، وإن كان سيئاً فلم تسع وتوصل رسالة سيئة. رد عليّ سعود الفيصل وقال لكن هذه رسالة من رئيس الولايات المتحدة كيف لا أوصلها؟ قلت له من قال لك لا توصلها؟ أنت طلبت رأيي وأخبرتك به”.
حدس الأمير بندر وتوقعه، والمعلومات التي كانت لديه عن موقف وجدية الرئيس أوباما، أنقذته ومعه الأمير سعود الفيصل من موقف محرج مع الملك عبدالله، يقول عن تلك اللحظة:
“وبعد ذلك بقليل خرج الرئيس أوباما على قناة “سي إن إن”، ولم يعلن شيئا، وقال إنه سيعود للكونغرس للموافقة، واتصل بي الأمير سعود الفيصل يشكر الله أنه استشارني. وبعدها مباشرة اتصل الديوان الملكي يطلبني للقاء الملك، وكذلك الأمير سعود الفيصل”.

مكالمات بين أوباما والملك عبدالله
أربع مكالمات عن الأزمة السورية بين الملك عبدالله والرئيس أوباما، يسردها الأمير بندر كالتالي: “المواقف السابقة والمكالمات كانت: المرة الأولى عبر وزير الخارجية جون كيري لتأكيد الموقف الثابت من سورية، والمرة الثانية عبر وزير الدفاع تشاك هاغل، والمرة الثالثة عبر رئيس الاستخبارات ديفيد بتريوس، ولم يحدث أي شيء. والمكالمة الأخيرة والرابعة هي التي قال فيها الملك عبدالله لأوباما: إنني لم أتوقع أن أعيش لأرى اليوم الذي يكذب فيها علي رئيس الولايات المتحدة. وكان الملك مذهولاً من خداع أوباما، وكانت مكالمة من الرئيس أوباما تسبق دائماً هذه المواقف ليؤكد موقف واشنطن الثابت من الأزمة السورية، وتحجيم النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط”.
ينفي الأمير بندر أنه كان يتجاهل الالتقاء بأوباما، ويقول إن الظروف هي من تسبب بذلك، ويرى أنه ليس نادماً على أنه لم يلتق به، حيث سألته عن معلومات تقول إن الأمير اعتذر أكثر من مرة حين تمت دعوته لاستقبالات أوباما.

الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي
زار الأمير فهد الولايات المتحدة كولي للعهد في عهد الرئيس كارتر، واستقبله الأميركان استقبال رئيس دولة واستضيف في الـ “بلير هاوس” قرب البيت الأبيض، وبعد العشاء الرسمي، قال كارتر: سمو الأمير نريد أن نجلس على انفراد. فأجابه: ولك ذلك. ثم قال كارتر ملاطفاً الأمير: هذه ابنتي إيمي أقبلها قبل أن تنام. ثم التفت للملك وقال تعال معي…
قال الامير: “وهما في الشرفة قال كارتر: أريد أن أحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأريدهم أن يتحدثوا مع بعضهم بعضا، وأعتقد أننا قادرون على فعل شيء. أنا أريد أن يعترف الفلسطينيون بالقرارين الأمميين 242 و338، ومقابل ذلك، سأعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، ونفتح مكتباً لهم في واشنطن”.
دخل السرور قلب الملك فهد، ولي العهد وقتها، بكلام الرئيس كارتر، ولم يصدق نفسه، وطلب من الرئيس كارتر إعادة ما قاله. يقول الأمير في سرد القصة: “قال: أرجو من فخامتكم إعادة الكلام كاملاً، وأخذ ورقة ودوّن جميع النقاط. ثم سأله: هل أنت متأكد فخامة الرئيس؟ نحن نريد ذلك منذ سنوات ولم يحدث؟ رد كارتر: “أعدك”. هذا مقابل اعتراف الفلسطينيين ومنظمة التحرير بالقراريين 242 و338، وفي هذه الحالة يمكن بدء المفاوضات”.
يقول الأمير: إن الملك فهد من شدّة حماسته للعرض، غيّر برنامجه، لأهمية حل القضية الفلسطينية بالنسبة له، فبعد أن كانت وجهته بعد العاصمة الأميركية واشنطن ماربيا في أسبانيا لقضاء إجازته، عاد إلى السعودية، وكان الملك خالد وقتها في الطائف، وطلب من الأمير سعود الفيصل الاتصال بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ودعوته إلى الطائف. يعود الأمير بندر فجأة لسرد رد فعل المسؤولين الأميركان في حكومة كارتر بعدما غادر الملك فهد بالورقة: “بعد ما غادر الأمير فهد إلى السعودية، كنا أنا ورئيس الاستخبارات ووزير الدفاع، ننتظر رد الرئيس كارتر، وحين أخبرنا، أمسكنا برؤوسنا، كيف كان كارتر يغير سياسة أميركا كاملة، يقول المسؤولون الأميركيون: نحن نرفض الاعتراف بالفلسطينيين حتى اعترافهم بإسرائيل، وأنت الآن تقول لهم فقط اعترفوا بالقرارين، ونحن نعترف بممثل رسمي لكم؟ قال كارتر لهم، الفكرة طرأت على بالي الآن ووعدت بها الأمير فهد ولن أخلف وعدي”.
جاء أبوعمار إلى الطائف، وقرأ عليه الأمير فهد ما حدث بينه وبين كارتر، وقفز من الفرحة وقبّل الأمير وقال: أنت حررت فلسطين وأنت حررت القدس. شكره الملك فهد وقال ما رأيك؟ إن كنت ترى أن فيه مصلحة للفلسطينيين أخبرني حتى نخبرهم، وإذا لا أيضاً أخبرني. قال: كيف يا سمو الأمير، على العكس؟ ثم طلب الأمير فهد من ياسر عرفات كتابة قبوله بهذا الشيء والتوقيع عليه، ثم سأل ياسر عرفات لمن أوجهه؟ قال الملك فهد لمن تريد، وألف مبروك.
وأنا مستعد أن أعود إلى أميركا بنفسي من أجل الموضوع، وإن لم أتمكن سأرسل الأمير سعود. وقال ياسر عرفات: لكن عندي طلب بسيط يا أمير فهد، قال أريد إمهالي يومين. قال الملك فهد: يومين؟ أنت وافقت.
وردّ عرفات: أريد أن أذهب إلى الكويت لمدة يومين حتى أخبر مجلس قيادة الثورة الفلسطينية ثم أعود. وقال الملك فهد: اتفقنا.
يقول الأمير بندر: “وطلب ياسر عرفات طائرة، وأعطوه طائرة، وذهب للكويت، يوم، يومين، ثلاثة. كان السفير الأميركي في السعودية يدعى جون سي. ويست، واتصل بالديوان الملكي وقال: الرئيس كارتر يسأل هل عندكم جواب أم لا؟ فطلبناهم الانتظار. مرت تسعة أيام، ليأتي بعدها مندوب فلسطيني من الكويت، بخطاب من أبوعمار، موجه لكارتر وموقّع، ويقول الخطاب إنه بناء على اتفاقك مع فهد بن عبدالعزيز، فنحن موافقون حسب الشروط التالية ووضع 10 شروط، الاتحاد السوفياتي نفسه لا يستطيع فرضها على أميركا، وكان كارتر يقول اعترفوا ودعونا نبدأ”.
وفقا للامير بندر بن سلطان، فإن تلك اللحظات عصيبة على الملك فهد، ينتظر الجواب، فيأتي التعقيد من الجانب الفلسطيني، ولا يود توضيح ذلك للجانب الأميركي. يقول الأمير: “قرأ الملك فهد خطاب عرفات الجديد، وطلب من السفير الأميركي أن يأتي إلى الطائف، وحين وصل أبلغه الأمير فهد نقل تحياته للرئيس كارتر، وقال له: إن السعودية درست العرض المقدم، ووجدت أنه لا يفي بحق الفلسطينيين، وبالتالي قررنا أننا لا نعطيهم القرار، كل هذا لكي لا يلقى اللوم على الفلسطينيين، يقول زبيغنيو بريجنسكي، مستشار للأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر: حين جاء الخبر احتفلنا برفض الفلسطينيين لهذا القرار، ومع هذا جاءت اتفاقية “كامب ديفيد”، وأصر الرئيس المصري أنور السادات، وأيده كارتر على ملحق الحكم الذاتي في غزة والضفة، والذي قال لي أبوعمار شخصياً إنه أفضل بعشر مرات من اتفاقية أوسلو، قلت له: لماذا إذاً لم توافق عليه إذا؟ فأجابني: حافظ الأسد قال لو وافقت، طخيتك بطراق، كيف تعمل سلام قبل أن تعمل سورية اتفاق؟”.

القضية الفلسطينية !
يبدو أن قضية سورية وأباما، جعلت الأمير يسرد أدق التفاصيل عن تعاملاته مع رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، مستشهداً بالقضية الفلسطينية وأسرار كثير منها يقال للمرة الاولى. يتحدث الأمير بندر فجأة: “أقول لك، قضيت 23 عاماً في واشنطن، وعلى الأقل 60 في المئة من عملي كان بخصوص القضية الفلسطينية، من حصار طرابلس (شمال لبنان) كنت عبر الهاتف مع أبو عمار يتكلم عبر الراديو من قبرص، ويحولونه لي وعبر الهاتف الثاني مع الملك فهد وجورج شولتز أحد وزراء الخارجية الأميركية في عهد الرئيس رونالد ريغان، ومن كان يحاصرهم؟ السوريون في طرابلس؟ واللبنانيون في بيروت. وكان هناك قرار بأن لا يكمل الإسرائيليون الحسم داخل بيروت، وكان الجنرال ألكسندر هيغ وزيراً للخارجية، وقال لي الملك فهد: تبلغ ريغان وهيغ أن الفلسطينيين مستعدون للانسحاب من لبنان، والشرط الإسرائيلي بأن يترك الفلسطينيون كل الأسلحة مرفوض، كل سلاح لا يمكنهم حمله في السفن سيعطونه لحلفائهم، وهذا ما حدث فعلاً، أما السلاح الخفيف الذي معهم فيبقى معهم، ونريد حماية أميركية من الأسطول السادس ترافق السفينتين الفلسطينيتين اللتين ستغادران من بيروت إلى الإسكندرية حتى لا يتعرض لها أحد”.
استغلت المملكة قضية “الكونترا” وطلبت من ريغان الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتم ذلك، ورقص عرفات حين عرف وقال: “تحررت فلسطين… تحررت فلسطين”.
تعرض الفلسطينيون لهجوم، وبرره ألكسندر هيغ لريغان أن الإسرائيليين كانوا يدافعون عن أنفسهم، وحسب الأمير بندر اتضح لاحقاً أن هيغ كذب على ريغان وقال له إن الفلسطينيين هم الذين بدأوا الاعتداء، وأن ما فعلته إسرائيل كان رد فعل. ريغان خرج وقال إن إسرائيل تدافع عن نفسها، وهي تملك هذا الحق، وكان تضليل هيغ هو سبب خروج ريغان وحديثه. وأبلغ الأمير فهد الأمير سعود الفيصل بالسفر ولقاء ريغان، الذي كان وقتها في ألمانيا في اجتماع لـ”ناتو”. وأخبره بالتفاصيل، بحضور هيغ، فرد ريغان: يا سمو الأمير كل دولة لها حق الدفاع عن نفسها. ورد الأمير سعود الفيصل بأن هذا غير صحيح، الفلسطينيون لم يعتدوا. فتفاجأ ريغان وقال: كيف غير صحيح؟ هيغ قال لي هكذا. فقال الأمير: وزير الخارجية أخبرك بهذا؟ إسأل مندوبكم الذي كان في لبنان، وهو يخبرك بالتفاصيل. وسأله، نعم فخامة الرئيس، الفلسطينيون لم يبدأوا بالضرب، بل الإسرائيليون. فالتفت ريغان لهيغ وقال له: إذهب الآن وأخبر الإسرائيليين بأن يوقفوا هجومهم وينسحبوا. ذهب هيغ وفعلاً حدث الانسحاب”. هذه القصة كما رواها الأمير بندر بتسلسلها.
أضاف الأمير مسهباً عن حصار بيروت وطرابلس:” اتصل بي الملك فهد غاضباً كيف يضرب الإسرائيليون المخيمات الفلسطينية وجنوب لبنان، وطلب مني فوراً الذهاب لريغان، وأخبرته أن ريغان ينام مبكراً فقال اذهب والتق بشولتز. ونقلت كلام الملك فهد حرفياً، وكان معي ريتشارد ميرفي كان سفيرهم عندنا، ونقلت رغبة الملك بإبلاغ الرئيس وإدانة ما حدث. شولتز وجهه خالٍ من التعابير، لا تعرف إن كان يضحك أو لا أو إن كان مستغرباً. وقال لا داعي لإخبار الرئيس، ننزل سوياً وأنا أدين ضرب إسرائيل للفلسطينيين وأنت تدين ضرب السوريين للفلسطينيين بطرابلس. فقلت له لا، العرب في ما بينهم أمر مختلف. وقفت مندهشاً باحثاً عن مخرج: القضية نفسها والمبدأ واحد، تعرض الفلسطينيون للهجوم، كيف تدين هذه ولا تدين تلك؟”.

إيران كونترا والقضية الفلسطينية
طلب الرئيس ريغان من الملك فهد خدمة طارئة، استغلتها السعودية أيضاً، لخدمة القضية الفلسطينية والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية. كان ريغان يريد تمويل الـ “كونترا” في مواجهة الشيوعية ووقف تمددها في نيكاراغوا وكوبا، لكن الكونغرس تغير، والديمقراطيون أصبحوا يسيطرون، ويحتاج حتى يحصل على الموافقة لتمويل الـ “كونترا” أكثر من ستة أشهر.
كان الطلب هو أن الرئيس ريغان يحاول إقناع الكونغرس، لكن حتى ذلك الوقت يحتاجون دعم السعودية للتمويل حتى تأتي الموافقة، قال الأمير بندر سافرت إلى الملك فهد وأخبرته بذلك، وكان الأمير قد سأل ماكفالرن كم يحتاجون؟ فقال له مليوني دولار في الشهر.
وصل الأمير بندر إلى المملكة وأخبر الملك فهد، واستغرب الملك من المبلغ وضآلته، وقال إن هذا مبلغ بإمكان أي رجل أعمال أميركي دفعه أو شخص يتبرع لهم به، لكنها “فرصة يا بندر”، ويقول الأمير إن الملك قال له: “كم تبقى في السنة؟ قلت له ستة أشهر، مليونين كل شهر حتى نهاية العام، وطلب من وزير المالية وقتها تحويل المبلغ لحسابي في واشنطن مباشرة وقلت له: لا جلالة الملك، هم سيعطوننا حساب ونحول المبلغ إليه”.
أضاف الامير: “عدت إلى واشنطن واتصلت بمكفالرن، وقلت له إن الملك وافق وسيتبرع بقيمة السنة وليس شهرين، وكاد أن يصرع من الفرح على سرعة اتخاذ القرار والموافقة، وسألته كيف يتم التحويل؟ بعد يومين طلبني الرئيس ريغان، وسلمت عليه، وقال لي- كان معه بوش الأب وكان وقتها نائب رئيس وشولتز- تذكر الكرسيين الذين جلسنا عليهما في لوس انجليس حين أتيت تطلبني أن أصوت لكم في صفقة الطائرات وكنت أنا ضد كارتر؟ قلت له نعم أتذكر الكرسيين اللذين جلست عليهما معك في منزلك. قال هما في الدور العلوي للبيت الأبيض، دعنا نراها. استغرب بوش وشولتز، وحين صعدنا، قال: هذان هما الكرسيان. ثم التفت وقال أود أن أقول شكرا، وتعرف ما أقصد. قلت له لا داعي للشكر، أعرف ماذا تقصد ولهذا يوجد الأصدقاء”.
ويكمل الأمير عن تفاصيل توجيه الملك فهد لفتح موضوع القضية الفلسطينية مع ريغان:
“وجهني الملك فهد ببحث موضوع القضية الفلسطينية عاجلاً مع الرئيس، والتقيت به بحضور وزير الخارجية شولتز ووزير الدفاع واين بيرغر ونائب مساعد الرئيس للأمن الوطني ماكفارلن ومساعدي في السفارة رحاب مسعود. أخبرت الرئيس ريغان برسالة الملك فهد وأنه لا بد للإدارة الأميركية أن تتعامل بجدية مع القضية الفلسطينية، وأن تبدأ حواراً مباشراً مع القيادة الفلسطينية الممثلة في السيد ياسر عرفات، وأن يتم تحريك عملية السلام وفق المرجعيات الدولية 242 و338 وغيرها، فرد الرئيس ريغان أنه لا يرى مانعاً في ذلك”.
يصف الأمير المشهد في المكتب البيضاوي: “انتفض وزير الخارجية شولتز ووقف من كرسيه، وقال أرجوك يا فخامة الرئيس إن هذا تغير كامل في سياستنا في الشرق الأوسط، فرد عليه الرئيس ريغان اجلس يا شولتز. طلبت من الرئيس ريغان إعطائي تلك الموافقة خطياً للملك فهد فرفع شولتز يده مرة أخرى معترضاً قائلاً: إننا تلقينا رسالة شفهية فنرد شفهياً. همس ماكفارلن في أذن رحاب مسعود، إذا كنتم تعرفون الوصول إلى مكتبي اذهبوا إليه، أجابه رحاب بـ “نعم نعرف كيف نصل من المكتب البيضاوي إلى هناك، وسأله رحاب لماذا قال ستعرفون قريباً”. تم إنهاء الاجتماع وذهبنا نحن الاثنان إلى مكتب ماكفارلن وشاهدنا من النافذة مغادرة وزيري الخارجية والدفاع. بعدها جاء روبرت ماكفارلن وقال ريغان يريد اللقاء”.
كان ريغان ممتناً جداً لوقوف الملك فهد والسعودية معه في موضوع الـ “كونترا”، ويريد فعل أي شيء. اضاف: “ذهبنا إلى الرئيس وقال: وقف معي الملك فهد حين احتجته، والآن أقف معكم، اكتب يا بندر الخطاب الذي تود مني توقيعه للملك فهد. وكتبت بخط يدي خطابا من الرئيس إلى الملك فهد فيه اعتراف واشنطن بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً عن الفلسطينيين، وأن تبدأ حواراً مباشرا في تونس – هذا تغير جذري في سياسة واشنطن حيث كانت تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية لا تتحاور معها – وفي الخطاب، تقبل الإدارة الأميركية بجميع مرجعيات الحل، ومنها 242 و338، بل وحتى قرار عودة اللاجئين 191، ثالثا الموافقة على وفد فلسطيني- أردني مشترك من المنظمة والحكومة الأردنية لإعادة المباحثات في مؤتمر جنيف لعملية السلام. وأخذ السيد ماكفارلن الخطاب ووقعه من ريغان”.

الأمير وعرفات
يكمل الأمير بندر سرد القصة، ويقول: “اتصلت بالملك فهد وأخبرته بما حصل، فوجهني أن أذهب مباشرة إلى تونس وإطلاع السيد عرفات على ما توصلنا إليه مع الرئيس ريغان وعندما “شاف” أبوعمار قام يرقص، وقال تحررت فلسطين… تحررت فلسطين، مضيفاً أنه يود أن يذهب للملك فهد مباشرة وأن يشكره على هذا الجهد. وأخبرته أن الملك فهد يرغب في أن يتوجه مباشرة إلى الأردن كي يتم تشكيل الوفد المشترك، والشروع في بدء التحرك، وأن يحرص على المصالح المشتركة للأردن والفلسطينيين. وأن هذه فرصة كبيرة ومهمة يجب ألا يضيعها الفلسطينيون مرة أخرى، ورد أبوعمار بالعكس أنه سيأخذ الفرصة، لكن لا يوجد لديه طائرة. ذهبت إلى تونس بطائرة خاصة صغيرة سعودية، قلت له طائرتي تحت أمرك خذها إلى الأردن وأنا أتصرف. فرد أبوعمار أنه يحتاج لأخذ موافقة ودعم الفصائل الفلسطينية الأخرى بعضها في سورية، وبعضها في عدن، وكانت علاقتنا مع عدن متأزمة تلك الفترة بسبب وجود القوات الكوبية فيها والتوجهات الماركسية لحكومة عدن. أخذ أبوعمار الطائرة وذهب إلى عدن واستمر في تنقله بالطائرة لأكثر من شهر، عدن وبغداد ودمشق وغيره ولم نره بعدها”.
قال الأمير: “جن جنون الإسرائيليين بما حصل، فقد غير الرئيس ريغان سياسة واشنطن تجاه القضية الفلسطينية 180 درجة، وجن جنون شولتز وزير الخارجية، واعتبر أن السعودية قد خدعت الرئيس. يتوقع شولتز أنني قد ضحكت على الرئيس ريغان – طبعاً لم يكن شولتز يعرف بالاتفاق المتعلق بالـ”كونترا”- ووجه موظفي وزارة الخارجية بعدم استقبالي في الخارجية إلا من قبل أصغر موظف- الدسك أوفسر- ولم أجد غضاضة في ذلك، فكنت أذهب الى “دسك أوفسر”، وكان يتصبب خجلاً لأنه مبتدئ وحايس، حتى أن مكتبه لا يوجد فيه إلا كرسي واحد فأجلس أنا عليه ويبقى من معي واقفاً، فكنت أسأله عن مواقفهم حيال الوضع في المنطقة، فكان يرد أني لا أعرف، ثم أقول لماذا لا نتصل بالرئيس ونسأله. وكنت فعلاً أطلب البيت الأبيض وأحادث الرئيس مباشرة، وأقول له إنني هنا في مكتب السيد فلان، ونود أن نعرف كذا وكذا، وهكذا كنت أتعامل مع منعي من مقابلة الوزير بالتواصل مع الرئيس عبر هذا الموظف الصغير الذي حددوا أن يكون نقطة اتصال بيني وبينهم”.
اضاف الأمير: “كنت أود أن يعرف الوزير شولتز أنه لا مانع لدي من أن أقابل أي شخص لكي أصل لما أصبو إليه، وأن الـ “دسك أوفسر” باستطاعته أن يكلم الرئيس، وأني أسهل له هذا. وهكذا جيرنا موضوع الـ “كونترا” لدعم القضية الفلسطينية، حيث كان بإمكان المملكة أن تطلب من الرئيس ريغان في ذلك الوقت أي شيء ترغب فيه لها سواء في ما يتعلق بصفقات الأسلحة، أو شيء يتعلق بالسعودية مباشرة، لكن الملك فهد ارتأى أن يجير ذلك لخدمة القضية الفلسطينية”.
يعود الأمير للحديث عن جولة ياسر عرفات، وقال: “إن الرياض ذهلت من تصرفات عرفات، حيث إن رسالة وصلت إلى السعودية أن أبوعمار كان ينتقص مما فعلوا وكان يقول للوفد الفلسطيني في عمان إنهم لن يخبروا الملك حسين ملك الأردن الراحل بكل شيء، بل سيقولون إن السعوديين لم يستقبلوهم. ويقول الأمير بندر، إن الملك حسين استقبل ياسر عرفات والوفد الفلسطيني، ثم اتصل الملك حسين بالملك فهد وطلب منه إرسال الأمير للقاء ملك الأردن وأخبره بكل شيء وتصرفات عرفات والوفد”.

بعد حرب تحرير الكويت
رغم الخلاف بين السعودية ومنظمة التحرير الفلسطينية بسبب موقف ياسر عرفات من حرب تحرير الكويت، سعت الرياض مجدداً لحل القضية، وكانت الولايات المتحدة تريد إرسال الرسائل بشأن عملية السلام والحلول، لكن لا يمكن أن يتم ذلك في ظل علاقات مقطوعة. يقول الأمير بندر عن تلك المرحلة: “كانت العلاقات مقطوعة بيننا وبين ياسر عرفات، ولا يوجد أي اتصال. لكن كان الأميركيون يوصلون لنا رسائل يريدونها أن تصل إلى ياسر عرفات، فكنا نستدعي مندوبهم بصفة خاصة أو نبلغ الأشقاء المصريين وهم يبلغون الفلسطينيين. وبقي الحال هكذا حتى عام 1994 تقريباً”.
قال الأمير: “بدأت مفاوضات السلام، ومبادرات الرئيس كلينتون من اجتماع عام 1999 إلى اجتماع عام 2000 أو آخر 2000 حتى أوائل يناير 2001، لكن الوقت بدأ يداهم الجميع. أياماً معدودة وينتقل الملف كاملاً لرئيس جديد وفريق جديد، وإذا لم يكن أمامه اتفاق موقع فإنه ليس مجبراً بالأخذ بما لم يتم”.
في نوفمبر 2000 انتخب الرئيس الجديد جورج بوش الابن، وله وزير خارجية جديد هو كولن باول، له مكتب في البيت الأبيض لكن لم يبدأ رسمياً، وكانت الوفود الإسرائيلية والفلسطينية تتفاوض كل واحدة على حدة، وكان يترأس الوفد الفلسطيني ياسر عبدربه، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وخرج خبر في الصحافة مفاده بأن باول وزير الخارجية المقبل استقبل وفداً إسرائيلياً. قال الأمير بندر: اتصل بي الفلسطينيون، وقالوا أبو عمار يريد لقاءك، وفي النهاية قالوا ياسر عبدربه يأتيك ثم قال لي: كنا متفائلين ببوش الابن الرئيس المنتخب وعلاقتكم الجيدة مع آل بوش، ونريد أن تساعدوننا بإقناع كولن باول بأن يلتقي وفدنا حتى يظهر للناس أن الوضع متساو. أخبرتهم أن الموضوع مجرد شكليات”.
يواصل الأمير بندر بن سلطان سرد تفاصيل مبادرات السلام التي كانت السعودية تضغط لتنفيذها وقال: “نعود لسبتمبر (أيلول) 1999، الملك عبدالله كان في نيويورك، وكان وقتها ولياً للعهد، والتقى بأبو عمار في الأمم المتحدة، وسأله كيف تسير المفاوضات؟ فأجاب أبو عمار أن الأمور ليست على ما يرام، وسأله الملك: أكيد؟ قال نعم. قال الملك: ستأتي مادلين أولبرايت وأبحث الموضوع معهم. وشكر عرفات الملك عبدالله، ثم قال له الملك: نحن لسنا راضين حتى هذه اللحظة على وقوفك مع صدام. وحاول ياسر عرفات طلب نسيان الموضوع”.
في بداية عهد كلينتون وبعد أن انتقل إلى موقف سبتمبر والأمم المتحدة، يعود إلى أواسط التسعينات ويقول: “حدث التوقيع في البيت الأبيض، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين ووزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز وأبو عمار، وكل السفراء كانوا مدعوين لحضور حفل بداية معاهدة السلام، وكان قد وضع مسرح في البيت الأبيض. وخرجوا إليه بالترتيب، بيريز، رابين، كلينتون، ثم أبو عمار، أو أبو عمار بيريز رابين كاينتون. والمدعوون يجلسون على شكل حرف “u”. في الجهة اليمنى جلس رجال الأعمال وبعض المدعوين، في النصف الكونغرس، وعلى اليسار السلك الديبلوماسي، ووقتها كنت عميد السلك الديبلوماسي، وقد عملنا خلف الستار بشكل كبير حتى يسير الموضوع لصالح الفلسطينيين. وعندما تمت كل الأمور واقترب الاحتفال بتوقيع بداية عملية السلام، عدت إلى السعودية، إلى مدينة جدة تحديداً، وقلت في نفسي لا داعي للحضور. وصلت إلى جدة وإذ بقائد القوات الجوية في المنطقة الغربية ينتظرني في المطار، وقال لي إن الملك يبحث عنك”.
كان الأمير بندر يتوقع أنه يستطيع الغياب عن التوقيع، لكن الرئيس كلينتون كان يحتاج لوجوده. واضاف عن قصة بحث قائد القوات الجوية في المنطقة الغربية له وذهابه للملك فهد:” حين وصلت سألني الملك متى أتيت؟ قلت الآن. وقال الملك لي: كلينتون اتصل بي، ولا أود أن أعود له بجواب حتى تأتي. فأخبرت الملك بسير الأمور الإيجابي، ثم عاود الاتصال بكلينتون ليسأله عما يريد، فأخبر كلينتون الملك فهد أنه تم بذل جهد كبير للتقدم في عملية السلام، وفي النهاية يأتي أبو عمار ورئيس وزراء إسرائيل ووزير خارجيتها وسفراء العالم، باستثناء السفير السعودي، وهذا المنظر ليس جيداً، فقال الملك فهد رداً على كلينتون بالعكس المنظر جميل لنا، فرد كلينتون سيقولون أننا استطعنا جمع الجميع عدا السفير السعودي”.
أمر الملك فهد الأمير بندر بالعودة إلى واشنطن وحضور حفل توقيع البدء ببحث معاهدة السلام. قال:” قلت له يحدث ما تأمر به. قال تذهب، قلت نعم، لكن طاقم الطائرة يحتاج من 4 إلى 5 ساعات. وهناك نقطة طال عمرك، وهي أن التقاليد في احتفال مثل هذا تقول بأنهم ينزلون ويسلمون على الصف الأول، وسأكون أول ديبلوماسي وإذا سلموا على الضيوف والكونغرس وبقية الضيوف، وأنا في الصف الأول سأضطر لمصافحة رئيس وزراء إسرائيل ووزير خارجيته؟ فقال الملك “انجنيت أنت، الحين أبو عمار يسلم عليهم وأنت ما تسلم، احنا كلنا تعبنا عشان فلسطين، كيف حلال على أبو عمار يسلم وأنت حرام عليك تسلم؟ سلم مثل غيرك”.
القلق الذي لدى الأمير بندر لم يهدأ، ولا يريد أن يلومه أحد داخل الأسرة الحاكمة، فاتجه لوالده. يقول:” ذهبت للأمير سلطان وأخبرته بما سيحدث وقال: منطقي أن تعود، ليس من الجيد أن نغيب. وأخبرته بموضوع المصافحة، فرد: “صافحهم مادام أبو عمار سيصافحهم”.

قبلات عرفات وقلق كلينتون
ويكمل الأمير بندر سرد القصة والكواليس التي سبقت التوقيع، ويذكر أن الرئيس كلينتون كان الرئيس الأميركي الوحيد من الذين عمل معهم، لا ينام مبكرا، وكان كلينتون يجتمع بمجموعة صغيرة كلما كان هناك متسع من الوقت، وأنا من هذه المجموعة إما يلعبون الورق أو يشاهدون فيلماً أو يدخنون السيجار. وما إن وصلت المنزل متأخراً في واشنطن حتى قالوا: البيت الأبيض يطلبك. فأعدت الاتصال بهم، واتصلت بالرئيس بيل كلينتون، وقال: بندر أتينا بك، عندي طلبان.
انتاب الأمير قلق من طلبات الرئيس كلينتون، وأن يكون هناك خلاف قد شب بين المتفقين قبل انطلاق مباحثات السلام: “قال لي كلينتون إن الطلبين شخصيان: الأول بأن لا يقبّلني أبو عمار اذا جاء، فإذا رأوني الناس أقبل بطريقة أبو عمار سأخسر الانتخابات. قلت له لا أستطيع إخباره لأنه لا علاقات مباشرة معه. قال أرجوك. والطلب الثاني هو أنني اخترت آية من الإنجيل وآية من التوراة عن السلام، وأحتاج آية من القرآن، هل عندك آية من القرآن عن السلام حتى أضيفها إلى الخطاب وتكون جميع الديانات السماوية مذكورة؟ قلت للرئيس كلينتون: أنا لست رجل دين، أنا تابع للدين وأقوم بواجباتي الدينية لكن لدي مسؤولون أسألهم. قال أرجوك اطبعها لي باللغة الإنكليزية، اتصلت برئيس قسم الشؤون الإسلامية في السفارة ماجد الغشيان واقترح الآية “وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” قلت له اطبعها وترجموها”.
كل ما سبق، يسرده الأمير، وسيحضر اللقاء، رغم عدم وجود علاقة مباشرة، أو تواصل مع الفلسطينيين بعد حرب الخليج. وأصابته الحيرة بعد طلب كلينتون الشخصي. يقول الأمير: “اتصلت بالفلسطينيين وقلت أريد أن ألتقي أبو عمار، ورحبوا. وحين وصلت، أخذت حقي من قبلات أبو عمار. ودخلنا وإذا بالمجلس يعج بالناس. قلت له أولاً نهنئكم فيما توصلتم إليه، ودعواتنا لكم بالتوفيق، وأريدك في كلمة على انفراد، وقلت له: قال الملك إنك تعرف شعورنا تجاه موقفك من صدام، ولكن من أجل عين تكرم مدينة، من أجل فلسطين نحن مستعدون لعمل أي شيء، لقد كنت في المملكة وأعادوني لأكون معكم، والملك له طلب، يجب أن تعرف أن هذه لحظة تاريخية وسيتم تسجيلها على التلفزيونات والجميع سيشاهدها، والعرب والمسلمون، ويقول لك الملك: خلك ثقيل سلم يدك ممدودة على رابين وبيريز، قال عرفات أكيد، قلت له وعلى كلينتون كذلك، قال لا… لا كلينتون لازم أبوسه وأشكره. قلت له: إن قبلته لن تأتي المملكة، قلت له سنشرح لهم، وأقنعته فعلاً، ووعدني بأن لا يفعل ذلك”.
انتهت المهمة كما يقول الأمير بندر، لكن على الطرف الآخر كان كلينتون ينتظر ليعرف هل وافق ياسر عرفات على السلام من دون تقبيل؟ قال: “وصلت الى البيت، وإذا بالبيت الأبيض اتصل ثلاث مرات، كلمني كلينتون وقال: هل وافق على عدم التقبيل؟ قلت نعم، وأقترح عليك بأن تبادر بحضنه إذا اقترب منك حتى تفوت عليه فرصة التقبيل. لكن عندي طلبات يا فخامة الرئيس تتعلق بالبروتوكول. قال لي اتصل باولبرايت وأخبرها ما تريد، قلت لا أريدك أن توافق ثم أتصل بها أنا. فسألني عن طلباتي، قلت له أولاً إذا صعدتم المسرح أنتم الأربعة يكون من أقصى اليمين بيريز تدريجياً ثم أبو عمار. كنت أفكر إذا نزلوا يكون أبو عمار الأول، ثم أسلم عليه أولاً وبعدها كلينتون ثم هؤلاء”.

طلب الأمير ومصافحته رابين
وكان كلينتون ينتظر الطلب الآخر، لكن له مغزى، وهو أن لا يأخذ السفير وحده ملامة مصافحة الإسرائيليين دون السفراء العرب. يشرح الأمير كيف حل هذا الإشكال، ويقول: “قلت لكلينتون إن الأمر الآخر بروتوكولي، قال تفضل. قلت أريد السفراء العرب الى جانبي لا بحسب الأقدمية، وسأختار بعض السفراء ليجلسوا إلى جانبي، منهم السفير السوري، كي نكون كلنا في الهوا سوا، وفعلاً حدث ذلك”.
اكمل الأمير: “حين انتهت فعاليات السلام. وجاء دور المصافحة، صافحت أبو عمار، ثم كلينتون. فجأة رابين أمامي، لم يمد يده، ويطالعني وأنا أطالعه. جاء كلينتون وشعر أن أمراً ما يحدث، فوضع يده على كتف رابين ثم حاول وضع يده على كتفي، فتراجعت كي لا يستطيع التقريب بيننا، عرفني كلينتون، وقال رابين هذا الأمير بندر، قال أعرف يا فخامة الرئيس، سمعنا عنه كثيرا في الـ”F15″ والـ”أواكس”، حين مد يده مددت يدي وصافحت”.
الليلة التي قبلها، كانت معركة دعوات وحضور بين الأمير بندر وبعض السفراء العرب. يقول إن سفير سورية وقتها، وزير خارجيتها حاليا وليد المعلم، كان يخطط أن لا يأتي، ويحكي الأمير القصة: “الليلة التي قبلها أكدت على المعلم الحضور، ولكنه قال إنه سيخرج من واشنطن، فقلت له كيف وأنتم جلستم معهم في “كامب ديفيد”، وأصريت عليه بالحضور، وقلت له سأتصل بفاروق الشرع، كان وقتها وزير خارجية، أو عبدالحليم خدام نائب الرئيس. قال ولو اتصلوا بي لن أحضر، فهمت قصدي؟ قلت فهمت قصدك. واتصلت بحافظ الأسد وأخبرته. قال حافظ أخبر وليد أنت. قلت له يا فخامة الرئيس، أنت تخبره. قال لا مانع، بعدها اتصل وليد المعلم وقال لي: أمروني بالحضور معك. وحين جاء وقت المصافحة ووصل دور وليد المعلم، وصافح رابين، أخذ المعلم جدول الحفل وغطى وجهه حتى لا يظهر في التلفزيون وهذه اللقطة موجودة”.
يقفز الأمير مجدداً من العام 1994 إلى أواخر 1999 ويقول: “أعود لموضوع ياسر عبدربه وطلب الفلسطينيين أن يستقبلهم وزير خارجية بوش الجديد، اتصلت بكولن باول، وأعرفه من عام 1978 كان مقدم وكنت رائد، وكان مرافقاً لوزير الدفاع الأميركي وأعرفه عبر ريغان وبوش الأب، وبوش الابن. قلت له كولن أنت أحدثت مشكلة، قال لي بندر أنا أصبت بالصداع. اللوبي الإسرائيلي ضغط وضغطوا على الرئيس وطلبني لألتقي بهم، والآن تريد أن تضغط علي؟ قلت له فضلاً إفعل ذلك. قال كولن باول”اوكي”، في الوقت الفلاني الساعة الفلانية. وضع في بالك ما حدث، فسرها أو أرادوا تفسيرها أن الإدارة الأميركية الجديدة ورئيسها من (آل بوش) لم تلتق بنا إلا حين طالبهم السعوديون بذلك، وفي العقل المؤامراتي لدى بعض المسؤولين الفلسطينيين تفسير آخر، وهو كيف أوقّع مع شخص سيغادر بعد شهر والأفضل أن نوقع مع بوش، ولو تعود للتصريحات يقولون إنهم هم من رفضوا عرض كلينتون لأنه مجحف وخلاف ذلك”.
يكمل الأمير سرد القصة: “حين جئنا إلى الأمم المتحدة غضب عليّ الملك عبدالله، وقال: كيف تقول لي بأن الاتفاق جيد وفجأة يقول لي الفلسطينيون إن شيئاً لم يحدث؟ قل لسعود الفيصل أن يأتي، وجلسنا أنا وسعود الفيصل وأولبرايت والمستشار دينيس روس. وقبل أن تسهب أولبرايت في الترحيب قاطعها الملك عبدالله وقال: هل تريدون السلام فعلاً ودعم لعملية السلام أم لا؟ ذهلت اولبرايت وكذلك دينيس. قالت له يبدو أن هناك سوء فهم، قال: هل صحيح أنكم لم تعرضوا عليهم اتفاقا أو توقيعا؟ قالت أولبرايت غير صحيح جلالة الملك، فرد الملك: أبو عمار أخبرني، قالت مادلين: إنه يكذب. التفت الملك إلينا وقال معقولة؟ قال سعود الفيصل: ليست هذه المرة الأولى التي يكذب فيها”.
بعد الشد في الحديث والحدة بين الملك عبدالله ومادلين أولبرايت، ومحاولة أولبرايت إثبات أن ذلك ليس صحيحاً، اقترحت هي دعوة الملك عبدالله إلى فندق “وولدورف استوريا” الشهير في نيويورك، وقالت: “أعرض عليك الخرائط والاتفاق الجديد”. ويقول الأمير على لسان مادلين: ” وأشترط أن لا يحضر إلا بندر لأنه قد اطلع عليها عندنا، ولن يحضر معي إلا دينيس روس، وحتى المترجم الرسمي لن يحضر. وافق الملك بعد تفكير، وكانت كل الصالات في الفندق محجوزة، وكنا في أكبر صالة في الفندق، وفيها طاولة للعب البلياردو وطاولة طعام. قالت أولبرايت للملك: هل تريد أن نبدأ بتناول الطعام؟، فرفض الملك وقال إن لا شهية له قبل معرفة التفاصيل. وعرضت أولبرايت الخرائط التي كان فيها أن يعود للفلسطينيين 98في المئة من الضفة الغربية، ويكون عند حدود الضفة مع الأردن 6 أو 7 مراكز مراقبة، يتواجد فيها ضباط إسرائيليون – فلسطينيون – أميركيون وأردنيون، وتحت علم الأمم المتحدة لمدة عشر سنوات ثم ينتهي مفعولها وتفاصيل أخرى، وقالت أولبرايت للملك: القدس.. الاسرائيليون يضيفون جنوب الضفة ما يعادل 2 في المئة بحيث تكون الضفة 100في المئة”.
قال الأمير بندر: “أن الملك عبدالله- ولي العهد آنذاك- قاطع أولبرايت وقال لها: بس لحظة، القدس حتى لو وافق ابو عمار حنا ما نوافق. طلبت أولبرايت إكمال الشرح، وأوضحت أنا التفاصيل”، وفجأة التفت إلي الملك وقال: “متأكد من ترجمتك؟ وبابتسامة علق مستشار الحكومة الأميركية والمترجم الرسمي للبيت الأبيض الأخ جمال هلال بصحة الترجمة”.

جس نبض بوش الابن
كان لدى السعوديين قلق أن لا يحسم الفلسطينيون المفاوضات في عهد كلينتون، لأن الوقت بدأ يداهم الجميع. يقول الأمير عن تلك اللحظات: “عندما كنا في فنزويلا، طرأت الفكرة على الملك، بأن أتصل ببوش الابن وأجس نبضه، وكان هذا في نوفمبر من العام 2000، كي لا يلغي الاتفاق، ويقول بأنه تم عن طريق كلينتون ولا دخل له به. قلت له فخامة الرئيس، فقال ليس بعد، أنا منتخب ولم أباشر المهمات، قلت له هل البيت الأبيض يضعك في صورة ما يحدث؟ مجلس الأمن الوطني يعطي صورة من الملخص الذي يقدم للرئيس يومياً، ومستشارة الأمن القومي تذهب للرئيس المنتخب وتعرضه عليه بحيث يتم إيضاح نقاط التعارض في المواقف إن وجدت؟ قال: نعم يعطونني ملخصاً، فسألته هل أعطوك ملخصاً عن موضوع الاتفاقية التي يعملون عليها بين فلسطين وإسرائيل؟ قال اسمع جيداً، أولاً لا يوجد شيء أتفق فيه مع كلينتون إطلاقاً. ثانياً، كان من المفترض أن يعاد انتخاب والدي لا كلينتون. ثالثا لدينا رئيس واحد في كل وقت، والآن هو رئيسي، ولا يوجد لدي سياسات أقوم بها وأحددها، لكن لدي نصيحة، قل للذين أوصوك بالاتصال بي بأنك أخذت التزاماً بشيئين لو أصبحت رئيساً، الأول أنا لست بيل كلينتون، وأكره المكالمات الهاتفية، وكامب ديفيد ليس منتجعاً للاجتماعات، بل للراحة. وكان إيحاء منه إلى كلينتون، المعروف عنه أنه يطيل الكلام عبر الهاتف. قلت له والنقطة الثانية؟ قال إذا وقّع الفلسطينيون هذا الاتفاق ووقعه رئيس أميركا سأباركه. وإذا أصبحت رئيساً ولم تكن الاتفاقية قد وقّعت بعد، سأبدأ من الصفر”.
بعد الرحلة الرسمية إلى فنزويلا وعودة ولي العهد، آنذك، عبدالله بن عبدالعزيز إلى السعودية، واقتراب كلينتون من مغادرة البيت الأبيض، اتصل الأمير عبدالله على بندر بن سلطان وسأله: هل أنت في الجبل؟، كناية عن مزرعته في أسبن. يقول الأمير: “اذهب إلى واشنطن، أبو عمار يقول إن هناك إشكاليات. عدت إلى واشنطن وطلبت من السفير المصري، نبيل فهمي أن يزورني في البيت، وذهبنا معاً إلى أبو عمار في فندق الـ”ريتز كارلتون” في العاصمة واشنطن، وقال لنا: خلصنا واتفقنا. قلنا له مبروك. لكننا لم نر الأخبار، فقال: لا، هناك نقطة بسيطة غير مهمة بالنسبة للأمن، وسيأتي جورج تينيت (مدير وكالة الإستخبارات الأميركية السابق) سيأتي هنا ويصبح النص العربي والإنكليزي متطابقين”.
يقول الأمير، إنه حين سمع ياسر عرفات يقول هذا الكلام شعر أن الأمور تسير عكس ما يقول، اضاف:” أول ما قال ياسر عرفات هكذا نظرت إلى نبيل فهمي، وقلت له ألف مبروك أبو عمار، إذا سأتصل بالملك وأخبره. قال عرفات: لدي طلب قبل ذلك. أود لو يتصل الملك بالرئيس المصري حسني مبارك والعاهل المغربي الملك الحسن، والعاهل الأردني الملك حسين ويقنعهم بأن يجتمعوا سوياً وأذهب إليهم إما في الرباط أو القاهرة أو الرياض، وبهذا يعطونني غطاءً عربياً. قلت له ياسر بعد التوقيع؟ قال: نعم”.
يكمل الأمير: “بعد عشر دقائق يأتي جورج تينيت ونعدل ما يحتاج تعديل. ثم أخبرته أن الملك طلبني وأنني جئت من آسبن، استأذنت وقلت لهم ألف مبروك الاتفاق، إذا سأعود لآسبن لإكمال الإجازة مع العائلة. رفض أبو عمار وأصر عليّ أن أبقى. وقال لا أرجوك، قلت له نبيل فهمي يمثل مصر، ومصر تمثلنا كلنا، وهي قطب العالم العربي وأم الدنيا”. وفي هذه الأثناء، استأذن أحد رجال الأمن السعوديين المرافقين مع الأمير بندر، ومعه ورقة، وإذ به استدعاء طارئ من البيت الأبيض يسرد الأمير القصة: “قلت عن إذنكم سأجري اتصالاً، قال ياسر عرفات استخدم تلفون الغرفة، قلت له لا شكراً هناك موضوع عائلي خاص، والأمير سلطان طلبني، وقال أنا أيضاً أريد أن أكلم الأمير سلطان، واعتذرت منه وخرجت، كلمني مستشار كلينتون للأمن الوطني ساندي بيرغرز، قال هل أنت معه؟ قلت له لا في الممر لكن تفضل؟ قال (وي أر رننغ اوت اوف تايم)، وترجمتها:الوقت يداهمنا، إذا لم يأت خلال الساعة المقبلة، سيذهب الرئيس كلينتون في إجازة حتى رأس السنة، قلت له: بيرغر أبو عمار يقول أنكم اتفقتم؟ قال إنه يكذب. وإذا بكلينتون يكلمني، وكان غاضباً، وقال بندر لا أستطيع فعل أي شيء أكثر. رميت بثقلي كاملاً لأجل الفلسطينيين، وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك خرج من الاتفاقية، وهددته بأنه لو فعل ذلك سنتخذ إجراءات، واتصلت ببوش وأيدني. قلت له فخامة الرئيس الفلسطيني يقول لي إنه وافق معك وأن جورج تينيت سيأتي بعد قليل يوقع ثم يعود، قال لي كلينتون جورج تينيت ذهب لياسر عرفات وعاد! ذهلت من المراوغة وعدم الشفافية، وتساءلت كيف يكذب ياسر عرفات علي، لماذا لم يتفقوا”؟
قال الأمير بندر: “إن أبو عمار فكر أنه إن كان الاتفاق ممتازاً، سينتظر ثلاثة أسابيع، ويأتي بوش الابن، وعلاقته بالسعوديين جيدة، ويأخذ الفلسطينيون ما يريدون وأكثر من الاتفاق الحالي، ومن ضمنها القدس الغربية والشرقية”.
يكمل الأمير اللحظات الأخيرة لوأد ياسر عرفات للاتفاق:” دخلت على ياسر عرفات مرة أخرى، وقلت له: أبو عمار ألف مبروك على كل حال، والله يوفقكم ويوفق فلسطين، وإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. رد عليّ أبو عمار قائلاً: إننا لا نستغني عن دعم السعودية، وقلت له كل الدعم لكم وأردت توديعه، ثم حدث ما يشبه مشادة الوداع، حتى أن الحرس المرافق لي ظنوا أن هناك عراكاً، وقلت لهم لا تقلقوا هذه الطريقة العربية في التوديع، وطلبت من مرافقي ضغط زر المصعد، وقلت له في أمان الله، وألف مبروك ألم تقل لي أنكم وقعتم؟ نبيل فهمي موجود ويقوم بالواجب ويمثلنا جميعا. في السيارة كدت أن أبكي كمداً، التزام ومع التعديلات التي طلبوها، وتم الضغط من قبل الأميركيين على الإسرائيليين أن لا ينسحبوا، وبوش قال سنبارك الاتفاق ونصر على تنفيذه، والجانب الفلسطيني يلعب ما يشبه اللعبة الشعبية “غميمة”. اتصلت بالملك من السيارة، وأخبرته بما حدث. وقال اذهب إلى عائلتك وأكمل إجازتك. وانتهت الفرصة من دون توقيع”.

ماذا كان يحوي اتفاق السلام في عهد كاينتون؟
كانت الاتفاق وفقا ما يقول الأمير يحوي إقامة دولة فلسطينية مستقلة معترف بها من الأمم المتحدة، وجميع الدول، بما في ذلك أميركا وإسرائيل. على حدود 67، وتعوض الدولة بحدود 3 في المئة التي داخل الخط الأخضر، وجميع الترتيبات الأمنية والمائية التي طالب بها الفلسطينيون. عودة أي لاجئ للدولة الفلسطينية المستقلة، وعودة اللاجئين إلى داخل إسرائيل تحت مسمى”إعادة لم شمل العوائل” في حدود 50 ألف لاجئ كل عام لمدة 20 عاما. وإقامة صندوق لدعم عودة اللاجئين تعهد الرئيس كاينتون بمبلغ 20 مليار دولار لدعمه فوراً، لمساعدتهم للعودة أو تعويضهم مشيراً إلى أنه سيسعى تأمين مبلغ مماثل من الدول الأوروبية واليابان والدول الأخرى.
في ما يتعلق بالقدس، تكون القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، وحددت الأحياء التي تعتبر من القدس الشرقية. بالإضافة إلى بنود أخرى.
المفاجأة اللاحقة التي اكتشفتها السعودية، هي أن ياسر عرفات كان على تواصل مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون عبر ابنه عمري، وأن شارون وعدهم بعرض أفضل من حكومة ايهود باراك. وقال الأمير: “انتهت الفرصة التاريخية، وذهب باراك وجاء شارون، وحدث ما حدث للفلسطينيين والمسجد الأقصى في عهد شارون من إجرام بحق الشعب الفلسطيني الشقيق، وتدنيس للمسجد الأقصى والمقدسات، ولذا فأنا أقول أن ياسر عرفات ارتكب جريمة بحق الفلسطينيين والقضية الفلسطينية”.

الملك فهد والرئيس ريغان ويبدو الأمير بندر بن سلطان (صورة من الأرشيف)
ريغان مصافحاً بندر بن سلطان (صورة من الأرشيف)
You might also like