بن سودون… سخر من نفسه وأهل زمانه صاحب "نزهة النفوس ومضحك العبوس"

0 522

الساخرون على مائدة رمضان

إعداد – ريندا حامد:

يُعد كتاب “نزهة النفوس ومضحك العبوس” من الكتب التي نالت شهرة واسعة في مجال الشعر الهزلي والساخر، هذا الكتاب صاحبه الأديب الخيالي المتمرد علي بن سودون الجركسي اليشبغاوي، الذي عاش حياة الفقر بعد الغنى، هو ما دفعه إلى السخرية من أهل زمانه ومن نفسه.

مولده ونشأته
ولد الشاعر الهزلي علي بن سودون الجركسي اليشبغاوي القاهري، وكنيته “أبو الحسن”، بالقاهرة عام 810 هـ/1407م، في عصر الدولة المملوكية البرجية في عهد السلطان الخليفة العباسي القاهري المستعين بالله العباس، كان والده يعمل قاضيا وهو الذي وجهه بطبيعة الحال إلى مجالس العلم، لكنه كان يميل لحياة اللهو، فكان يختلف إلى مجالس العلم علنًا، وإلى مجالس اللهو سرًا، وعندما يئس أبوه من إصلاحه، تبرأ منه، فترك “على” القاهرة إلى دمشق ليعيش كما يحب، وظل يعاني الفاقـــــــة بعد الغنـــى في ظل والده، وهذا الضيق دفعه إلى السخرية من أهل زمانه ومن نفسه، وصار الهزل طبعًا له، والعبث منهجًا التزم به طوال حياته.
ومن هزلياته يقول “عجب عجب ، هذا عجب ، بقرة تمشى ولها ذنبُ، ولها في بزيزها لبن ، يبدو للناس إذا حلبوا.. من أعجب ما في مصر، يُرى الكرم يرى فيه العنبُ والنخيل يرى فيه بلح أيضاً ويرى فيه رطب، أوسيم بها البرسيم كذا في الجيزة قد زرع القصب ، والمركب مع ما قد وسقت في البحر بحبل تسحب، والناقة لا منقار لها والوزة ليس لها قتب، لابد لهذا من سبب حزر فزر، ما السبب”.
جامع النقيضين
غلبت على ابن سودون ثقافة الأديب العامة، حيث أبدع في الكتابة بالمصرية والعربية الفصحى، فكان يأخذ من كل علم بطرف، فألمّ بعلوم الدين واللغة وبعض معارف عصره، وعرف الموسيقى معرفة جيدة، وحصّل خبرة جيدة من تقلبه في بيئات مختلفة وأعمال متباينة، فصار على دراية بأوضاع مجتمعه وما يسوده من أفكار وتصورات ورؤى، وما يعانيه من مشكلات وهموم، وأدرك مواطن الخلل فيه، وكذلك ما يحبه الناس ويكرهونه، كل ذلك ساعده على إبداع أدبه، وحدد مضمونه وأسلوبه.
وقال عن مصر: “وكم عجب عندي بمصر وغيرها.. فمصر بها نيل على الطين قد جرى.. وفي ليلها من نام بالليل بله.. وليست تبل الشمس من نام في الضحى.. بها الفجر قبل الشمس يظهر دائمًا.. بها الظهر قبل العصر قيل بلا مرا”.
لم يترك “ابن سودون” ضربًا من ضروب النظم والنثر إلا شارك فيه وقلّده، وضمّن أدبه صورة لأحوال عصره، فربط بين الثقافة التي أطل عليها، وبين العامة الذين عاش بينهم، فجاء أدبه هجينًا ساخرًا، ومن هنا أتى الإضحاك، لأنه ربط بين نقيضين، وكان أيضًا موسيقيًا ويتضح ذلك من شعره الغنائي الذي نظمه على نظام الضروب الموسيقية على السجية، مثل المواويل في العصر الحالي، ولذلك كانت أشعاره يستسيغها المصريون ويحبونها.
ومما قاله أيضا: الأرض أرضُ والسماء سمــاءُ والـماء ماء ُوالهواء هواءُ.. والبحر بحر والجبال رواسخُ والنور نور والظلام عماءُ… والحر ضد البردِ قولٌ صادقٌ والصيف صيفٌ والشتاءُ شتاءُ.. كلُّ الرجالِ على العمومِ مذكرٌ أما النساءُ فكلُّهن نساءُ.
وظل ابن سودون على حاله هكذا حتى توفي في دمشق عام 868 هـ/1463 م.

You might also like