بوتين وتنبؤات كيسنجر

0 80

د. عبدالعظيم محمود حنفي

[email protected]

قرر الشعب الروسي بأغلبية تناهز 80 في المئة الموافقة على التعديلات الدستورية التي قال عنها الرئيس الروسي: إنها “من اجل ضمان أمن واستقرار وازدهار بلد يفخر بإعادة بنائه بعد الفوضى التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي”.
ولفت المراقبون إلى أن التعديل الذي يسمح لبوتين بالبقاء في الكرملين حتى عام 2036 بعد انتهاء ولايته الحالية ومدتها ست سنوات في عام 2024، وسبق ان برر بوتين ذلك التعديل بأنه ضروري حتى لا تضيع البلاد في البحث عن خلفاء محتملين. والواقع ان نظرة الروس في غالبيتهم الى الرئيس بوتين تعود الى ذكريات الفترة السابقة على حكم بوتين التي اتسمت بكثير من الفوضى هي التي دفعت الروس إلى التشبث به، حيث يرى كثير من الروس أن الفضل في حل المشاكل الاقتصادية وتوفير زعامة سياسية مستقرة للبلاد إنما يعود إلى بوتين، إذ في عهده، خرجت روسيا من عزلتها الستراتيجية الطوعية، وأخذت تقوم بدور نشط في العالم، كما أن ضم روسيا للقرم من أوكرانيا والسياسة الخارجية الهجومية في سورية وغيرها أثبتت أنها تحظى بتأييد شعبي واسع داخلياً.
لم يحدث في أي دولة أخرى أن خَلَّفَت شخصية الحاكم -من كاثرين العظمى وإيفان الرهيب إلى لينين وستالين- مثل التأثير العميق على التاريخ الوطني لروسيا كما أحدثه بوتين والسؤال الكبير، ما مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا وبوتين.
والواقع أن العلاقات الأميركية الروسية كانت دائماً متشنجة، ويسود الان تياران كبيران في العلاقة مع “روسيا بوتين”: التيار الأول يرى في بوتين من مهددات الأمن القومي للغرب، حيث يعتقد بوتين بأن انهيار الاتحاد السوفييتي هو “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”، وهذا التيار يشدد على نهج العقوبات الاقتصادية ضد روسيا من خلال الحد من قدرة بوتين على تحقيق الرخاء الاقتصادي لبلاده، وبالتالي إضعاف شرعيته السياسية، كما يعمل على عزل روسيا البوتينية، عبر قطع روابطها الاقتصادية والسياسية مع العالم الخارجي، وتحويلها إلى دولة منبوذة، وفد فرضت أوروبا عقوبات على روسيا في سبتمبر2014.
التيار الثاني يرى ان عداء الغرب يسلم روسيا الى الصين وأن فلاديمير بوتين، نظرا لانغلاق أبواب الغرب، سينظر إلى الصين على أنها متحدث متميز، ويعزز من المحور الأورو- آسيوي الذي سيجبر الكرملين على نقل مركز الثقل الروسي إلى الشرق، مما سيؤدى إلى استمرار تعزيز الشراكة في الإطار الاقتصادي، والسياسي، والعسكري.
الصين تنظر إلى روسيا على أنها سوق كبيرة لعمل شركاتها، وأرض غنية بالمواد الأولية والطاقة لدعم نموها، ومن ثم فمع رياح الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية ضد الصين، ومع تحول واشنطن وحلفائها الكبير المضاد لروسيا، وجدت الصين وروسيا نفسيهما مجبرتين على اعتماد علاقات أوثق بينهما، وهذه المرة على حساب الولايات المتحدة. ولا يرى البنتاغون أن روسيا والصين سيتحالفان في الأجل البعيد، و يرى أن البلدين غير قادرين على إنشاء تحالف عسكري، رغم إجرائهما مناورات عدة مشتركة واسعة النطاق. وعندما كان هنري كيسنجر يوجه السياسة الخارجية الأميركية في النصف الأول من العقد 1970- 1979 ابتكر مفهوم “المثلث الستراتيجي”، وهو أنه يتعين أن تعمل أميركا دائمًا على أن يكون تقاربها مع كل من روسيا والصين يفوق التقارب فيما بينهما، وفي اخر كتبه قال كيسنجر إن النظام العالمي الجديد سيكون شراكة بين أميركا والصين، وهكذا، أخرج روسيا من قيادة العالم، ووضعها بين الشرق “الصين” والغرب “أميركا”.

كاتب مصري

You might also like