بيتر الصغيران: ثقافات الصعيد لوّنت كتاباتي يعتبر نفسه ابناً مخلصاً للرواية الاجتماعية

القاهرة – ايمان مهران:
رغم أنه اختار السياحة والفنادق مجالا لدراسته، لكنه لم يقاوم عشقه لعالم الأدب، الذي بدأ معه منذ الطفولة المبكرة، صدرت له أعمال تنوعت ما بين الرواية والقصص القصيرة وان كان القاسم المشترك بينها هو عالم الصعيد بكل مفرداته حيث نشأ.
عن مجموعتيه القصصيتين « صمت الطمي «، «وقت جيد للتحليق «، وروايته « مملكة القطط « كان لـ «السياسة» هذا الحوار مع الكاتب الشاب بيتر ماهر الصغيران.
– إلى أي مدى أثرت نشأتك بصعيد مصر على كتاباتك؟
* أنا ابن محافظة المنيا، عروس الصعيد كما يلقبونها، التي كانت في عهد أخناتون عاصمة الدولة المصرية، عندما تم نقلها من طيبة إلى تل العمارنة، هذه القرية الصغيرة الواقعة جنوب شرق المنيا والتي نادي منها اخناتون بالتوحيد. بكل تأكيد تأثرت ببعض العادات والأصول التي نشأت في ظلها مثل، تقدير الكبير، احترام الوعد والكلمة وغيرها من الثقافات التي شكلت وجداني والصورة الجمالية البصرية التي ظهرت في معظم كتاباتي.
– لماذا تركت مجال السياحة والفنادق واتجهت إلى الأدب؟
* لأني أدركت أن السياحة شيء والأدب شيء آخر، فاخترت عشقي وهو الأدب الذي يسيطر على عالمي منذ الطفولة.
– بدايتك مع الكتابة، متى كانت؟
* لا أدري ، وجدت نفسي وأنا بالصف الثالث الابتدائي أقول شعراً بمناسبة عيد الأم، كان هذا أمرا مذهلا بالنسبة لمدرسة اللغة العربية ثم وجدت نفسي أكتب بعض القصص بكشكول صغير، كان لدرس القراءة عن الأديب العالمي نجيب محفوظ أثر كبير على مخيلتي الصغيرة حتى أنني اتخذته مثلا أعلى.
– هل هناك من تعتبره المكتشف الأول لموهبتك الأدبية؟
* شقيقتي الكبرى كانت أول من اكتشفت في الذائقة الأدبية، بدأت أعرض عليها بعض التجارب الأولية في الكتابة وأنا بالصف الثالث الاعدادي، الفضل الثاني يعود لأمي التي كانت تقرأ لي منذ الصغر حتى نمت لدى محبة القراءة.
– متى بدأت تشعر بموهبتك بشكل حقيقي؟
* منذ دخولي الجامعة، كان لدي جمهور يسمعني، ينتظر أشعاري. كونت أول ملامح مكتبتي الخاصة وأنا بالجامعة. بدأت في القراءة الجادة وشراء الصحف الأدبية، مثل، أخبار الأدب، مسرحنا، الثقافة الجديدة، الشعر، لم يساعدني أحد، بل ساعدت نفسي، لأن الأهل وقفوا أمام طموحي الأدبي في البدايات.

صمت الطمي
– ما الدافع وراء كتاباتك المجموعة القصصية « صمت الطمي «؟
* قهر الأنثى وما يحدث لها في المجتمع، الطمي هنا هو المكون الأساسي للتربة المصرية، كما أن المرأة هي المكون الأساسي للأسرة المصرية، الربط كان واضحاً بين المرأة التي تبني الأسرة في صمت وبين الطمي الذي يشكل التربة، استغرقت حوالي ثلاث سنوات أو أكثر في كتابتها بين التنقيح، الحذف، الاضافة.
– لماذا اخترت هذه القصة لتكون عنواناً للمجموعة؟
* للتعبير عن القهر المصري بالتحديد بمختلف صوره، خصوصاً الفلاح المصري الذي تم اهدار حقه كثيراً في تلك الأيام.
– هل ترى أن غلاف المجموعة عبر بما يكفي عن المضمون ؟
* الغلاف جاء بالتوافق بيني وبين دار النشر، كان موفقا في التعبير عن الفكرة.
– أي قصص المجموعة أقرب اليك؟
* المجموعة ضمت 16 قصة مختلفة ومتنوعة، أقربها إلى قلبي «غضب البحر الأخير»، لأني أعدت من خلالها تشكيل أسطورة عروس البحر.
منظار السعادة
– لماذا لجأت إلى الرمز في قصة « يوميات الرجل العصفور «؟
* القصة تطرح عدة تساؤلات، كيف تضع نفسك بمكان الآخر، كيف يكون شعورك وأنت قوي في موقف الضعف، لهذا الأساس كتبتها بصورة رمزية، الرمز هنا عبر بشكل أكثر حرية عن الفكرة من الاستخدام المباشر لتوظيف الفكرة.
– ما المقصود بـ « أحاديث الكتل « التي كانت عنوانا لإحدى قصص المجموعة؟
* هي أمتع القصص التي كتبتها لأنها لعبت على فكرة الرمز، في حديث الكتل الصلبة «الرجال» والكتل الطرية «النساء»، كيف تحولت المرأة إلى مجرد حيز يملأ الفراغ المحيط، كنت أقصد كيف تحولت أعين الرجال إلى هذه النظرة الدونية للمرأة بشكل فج.
– ماذا عن الصراع بين الفن والعهر الذي جسدته في قصة « الحساب»؟
* هذه القصة أثارت جدلاً لأنها تحدثت عن عاهرة تحب كتابة، خصوصا الشعر، جاءت المفارقة في كونها عاهرة وفي نفس الوقت تجد متعة ما في الكتابة ويدور الصراع حول هذا الأمر.
– كيف عشت تفاصيل شعور الأنثى بسن اليأس عندما تقترب من الأربعين؟
* تلك كانت في قصة « بضع ساعات»، قصة كاشفة لما يدور في عقل امرأة ستحتفل بعيد ميلادها الأربعين، من هنا تبدأ هواجس انقطاع الخصوبة، كيف ستكون نظرة زوجها اليها، نظرة المجتمع، حاولت رصد كل تلك الهواجس، أعتقد أنني نجحت.

ثورة الجياع
– تعرضت لثورة الجياع في « الحلفاء « لكنك ختمتها بقمعها ما سبب ذلك؟
* بالفعل عبرت فيها عن الثورة، صراع الطبقات، تفوق طبقة على الأخرى حتى جاءت ثورة الجياع في ختام القصة، والتي رغم قمعها الا أنها لم تمت.
* هل تعتبر مشاركتك في معرض الكتاب الأخير بمجموعتك الجديدة « وقت جيد للتحليق « تجربة مختلفة؟
* بالطبع لأنها كانت بمثابة تغيير جلد على مستوى السرد، اللغة، أسلوب الكتابة، وقد كتبتها على فترات زمنية متباعدة، كان الفاصل الزمني بين أول وآخر قصة ثلاث سنوات على الأقل، تركز على موضوعات مختلفة من بينها الرغبات الانسانية والثورة في الجزء الأول، بينما الجزء الثاني يتحدث عن صراع الانسان مع الطبيعة المتمثل في الشمس.
– ماذا عن روايتك « مملكة القطط «؟
* هذه الرواية أرهقتني فكريا ونفسيا بشكل كبير حتى أحافظ على ما بها من ايقاع داخلي.
– لماذا تهتم بالواقعية الاجتماعية في طريقة السرد وتصوير الشخصيات على لسان أبطال الرواية؟
* الواقعية الاجتماعية أساس لأي عمل أكتبه، لأن الواقع هو المرآة الكاشفة، وقد بدأ ذلك واضحا في هذه الرواية بشكل كبير.
– لماذا لجأت إلى أسلوب التدرج النفسي في سرد الأحداث؟
* لكي يفهم القراء أن ما وصل اليه بطل العمل من انحدار وتدن لما يكن وليد الأمس فقط، بل نتاج حياة كاملة أدت إلى ذلك، فعلت ذلك لاثبات أن السقوط في الوحل لا ينشأ من فراغ، لكن لابد أن يكون له أسبابه ودوافعه.
– هل عبر العنوان عن المضمون؟
* اختيار كلمة» مملكة» دليل على ديكتاتورية ما، وأعني الحياة نفسها، لأن بها بعض الأشياء التي لا نختار تبديلها، بينما كلمة «القطط « جاءت للتعبير والخلط بين صفات البشر والقطط، العنوان المعبر الوحيد عن الرواية بما فيها من اتساع للرؤية.
– هل بطل روايتك الذي أطلقت عليه» تاج السر محل « موجود في الواقع؟
* نعم، شخصية واقعية من واقع حديثي مع بعض الأصدقاء، سبب التسمية أن تاج هو سر محل والده العطار.
– هل قابلت شخصية «ليلى « التي دارت الأحداث حولها؟
* ليلى ليست شخصية واحدة، بل عدد من الشخصيات تقابلت معها في الحقيقة، تفهم الحرية من منظور شخصي، رغم عملها كامرأة ترافق الرجال، لا ترى في ذلك أي مشكلة، لديها حرية العيش كما يحلو لها.
– تعددت أعمالك، فهل هناك عمل حظي باعجاب القراء بشكل أكبر ؟
* المجموعة القصصية «صمت الطمي» حتى الآن لما فيها من أفكار تجريبية تجريدية.
– هل تأخذ بالنصائح النقدية اللاذعة؟
* أقبل النقد بكل صوره، لكن عندما يكون موضوعيا.
– هل تصنف ككاتب يهتم بالقضايا الاجتماعية؟
* بكل تأكيد أنا ابن مخلص للرواية الاجتماعية التي هي روح أي مجتمع، خصوصا تلك المعبرة عن خصوصيته.
– لماذا لجأت في الكثير من القصص إلى أسلوب الشرح والتفصيل بدلاً من ترك القارئ يستنتج ما بين السطور؟
* كما أن الرمز يحير عند القراءة، هناك بعض القصص التي وجدت نفسي أضع لها مقدمة معينة، مثل، «برائحة الأم»، انها محاولة مني لاظهار قيمة الأم.
– هل تأثرت بأدب نجيب محفوظ في بعض قصصك؟
* بكل تأكيد ينساب أدب نجيب محفوظ داخلنا جميعاً لأنه أدب مؤسس وليس مجرد أدب عابر، كل من كتب تأثر به بشكل أو باَخر.
– إلى أي مدى تتفق مع مقولة ان القصة من أكثر أنواع الفن الأدبي قدرة على التجريب والتجديد من حيث المضمون؟
* هذه العبارة كتبتها بمقدمة المجموعة «ان القصة أكثر الأنواع الأدبية قدرة على التجريب لما تملك من تكثيف واستحضار لغوي حتى لو على شكل ومضات».
– ما سر تسميتك بـ «الصغيران»؟
* كنت في الصغر أوقع في ختام كل قصة أو قصيدة بـ «الكاتب الصغير» أو «الشاعر الصغير»، أدمجت اللقبين في لقب واحد ليكون مثنى « الصغيران».
– هل لك طقوس خاصة اثناء الكتابة؟
* التأمل، ثم الهدوء والتركيز، حتى استجمع الحالة التي تسيطر على الموضوع الذي أكتبه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.