بيت الحكم السعودي حصن منيع… ولا عزاء للبوم والغربان

87 سنة من الثبات والقوة والتقدم أمضتها المملكة العربية السعودية في مسيرة التطور، فيما الأنواء والعواصف تحاول زعزعة هذا الحصن المنيع لكنها كانت تذهب هباء في صحراء الربع الخالي، لأن هذه القوة الجبارة لا يمكن هز استقرارها، كما يحاول بعض خفافيش التآمر تصويرها عبر أبواق اعلامية أجنبية مأجورة، معروفة كيف وأين تصاغ موادها، ولماذا يختار المتآمرون أن تصدر إلينا من الخارج، متوهمين أن الناس لاتزال تعتقد أن لتلك الوسائل مصداقية، مثل ما كان في العقود الماضية، قبل ثورة الـ «سوشيال ميديا» التي أسقطت الأقنعة عن الوجوه، وفضحت الإعلام الأجنبي، ولهذا ما يكتب عن خلافات داخل بيت الحكم السعودي، ولماذا يحاولون جعل ذلك وكأنه وحي يوحى سعيا إلى ترسيخها في أذهان العامة أنها المصير المحتوم للمملكة، فيما الحقيقة أن هذا البيت محصن بوحدة أبناء الأسرة الذين أثبتوا على مر التاريخ أنهم القدوة في التزام القانون، مستندين في ذلك إلى أرث الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الذي وحد أقاليم كانت تتنازعها إرادات شخصانية وقبائلية، وتشرذمها الأطماع والولاءات للخارج، تحت راية «لا إله إلا الله» لإيمانه أن الوحدة قدر لا مفر منه لهذه الأرض.
هذا الرجل الذي قال عنه روزفلت في العام 1945 عقب اللقاء الذي استمر خمس ساعات: «إنه مفاوض صعب، لم ألتقِ بأحدٍ في حياتي مثل ملك السعودية الذي لم أستطع استخلاص الكثير منه، هذا الرجل له إرادة حديدية».
هذه الإرادة الحديدية هي التي وظفت مداخيل النفط الضئيلة في ثلاثينات القرن الماضي، ولم تكن تتعدى 200 ألف جنيه استرليني، من أجل بناء دولة تبلغ مساحتها 2٫2 مليون كيلومتر مربع، ومحاطة بمنطقة ملتهبة حيث مشاريع السيطرة تتصارع من كل حدب وصوب، أكان في اليمن أو العراق أو سورية ومصر، حين كانت مشارط «سايكس – بيكو» تشرح جسد العالم العربي، ويومها حاول روزفلت في القمة الشهيرة على ظهر البارجة «كوينسي» أن يقتنص في لحظة نشوة بلاده بالانتصار في الحرب العالمية الثانية انتصاراً آخر بزرع اليهود في قلب الجزيرة العربية عبر حديثه عن حقهم المزعوم في خيبر، فجاء رد عبدالعزيز الصاعق: «امنحوا أرض ألمانيا لليهود، فأنتم من عذبهم وليدفع العدو الظالم الثمن».
لم تهدأ يوما عواصف التآمر على المملكة، وإن كانت في كل مرة تختلف الجهات، فهاهي حاليا تهب من نافذة التحالف القطري – الإخواني- الإيراني الذي بات الجميع يعرف تفاصيله، ولا سيما حديث حمد بن خليفة ومعمر القذافي قبل 12 عاما عن تفكيك السعودية، غير أن هذه الأرض التي اختصها الله سبحانه وتعالى بالبيت العتيق ومهبط رسالة التوحيد والسلام، محمية بقوة تلك الإرادة والإيمان، ولم تتعثر في مسيرتها أبدا، بل تمضي بقوة أكثر إلى تجديد شبابها وإعلاء شأن أهلها بسلسلة مشاريع اقتصادية وتعليمية، مترجمة مبدأ التنمية المستدامة، بالاعتماد على العقول السعودية الواعية.
لأن ثمة عزيمة وقفت خلف مشروع بناء هذه الدولة التي تنتقل اليوم إلى الدولة الرابعة، مدفوعة بإيمان شعبها بأن صناعة الأمن والأمان لا تكون إلا عبر السير إلى الأمام من أجل المستقبل الذي يظهر يومياً في حركة تنموية لم يسبق أن شهدتها دولة عربية على مر العصور، مثل ما هي حال هذه القارة التي هي قاطرة اقتصاد وأمن الإقليم ككل.
تاريخيا بنيت سياسة المملكة مع القوى العظمى والعالم أجمع على قناعة الحفاظ على الحقوق، ولذلك تحولت قطب الرحى في الإقليم، وكانت ولا تزال تتعاطى مع مشكلاته من هذه المسؤولية القومية منذ حاول العثمانيون العودة إليها بقوة الغزو وإثارة الفرقة، مرورا بحرب اليمن حين حاول الاتحاد السوفياتي غزو المياه الدافئة عبر عبدالناصر، ونشر الشيوعية التي تصدت لها المملكة وحدها في وقت كانت غالبية العواصم العربية تخطب ود موسكو من خلف الستار تارة وتارات عدة علنا، وصولا إلى التصدي للمشروع الفارسي التوسعي تحت شعار «تصدير الثورة» الخمينية، الذي يتمظهر اليوم بالحوثيين والانقلابيين اليمنيين و«حزب الله» عبر غزو مباشر من الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية.
اليوم، في مرحلة الانتقال إلى الدولة السعودية الرابعة، تحتاج المملكة لاستكمال عدة التحديث من خلال تعديل جملة من الأنظمة والقوانين ربما كانت صالحة للقرن الماضي، غير أن في ظل متغيرات فرضها القرن الحادي والعشرين، اجتماعيا واقتصاديا، لا بد أن تتماشى مع معطيات العصر من دون التخلي عن الثوابت التي قامت عليها هذه الدولة، مستلهمة في ذلك النقطة المفصلية في حركة النهضة حين فرض المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز تعليم المرأة، يومذاك رد على الحملات المعارضة لهذه الخطوة الجبارة بعبارته الشهيرة: «المدارس موجودة، من أراد تعليم ابنته فليرسلها إليها، ومن لا يريد لا يرسل بناته إلى المدارس»، وهاهي ثمار ذلك الزرع الطيب تظهر بمشاركة المرأة بكل نواحي الحياة في المملكة، وتجعلها شريكة للرجل في عملية تمتين أسس بناء للمستقبل الزاهر.
نعم، ثمة تحديات كثيرة في المملكة اليوم، تتصل بالدولة الرابعة التي أراد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الشاب الأمير محمد بن سلمان، أن تقوم على استمرار الارتقاء والعلم والحداثة، وفي مواجهة متغيرات اقتصادية عالمية هائلة، لكن أثبتت المملكة أن سياستها المرنة في هذا الشأن تجعلها قادرة على تخطي تلك الصعاب، حيث اليوم اقتصادها أقوى مما سبق.
تسعة عقود من عمر الدولة السعودية الثالثة لم تستطع كل الحملات الإعلامية المناوئة ثني السعوديين عن إيمانهم العظيم بوطنهم، ولذلك هم اليوم حين يقرأون ترهات بعض وسائل الإعلام الأجنبية عن خلافات في بيت الحكم، أو تغيرات أو تنحي خادم الحرمين الشريفين وغيرها، ينظرون إليها بسخرية ويمضون إلى حياتهم مدفوعين بإصرار أكبر إلى جعل المملكة تستمر في عملية التطور من أجل أن يأتي اليوم الذي يحتفلون فيه بالدولة الخامسة والسادسة والسابعة، وحتى المئة، موفرين حجارتهم للبناء بدلا من أن يرجموا بها البوم وغربان الإعلام البائس الناعب في قطر أو في عواصم العالم الأخرى.

أحمد الجارالله