بيعة الأوائل في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أدب الحوار وسنة الاختلاف في القرآن والسنة (1)

0

من مشكلاتنا اليوم التي تفاقمت في مجتمعنا عدم وجود حوار يلتزم بالآداب الإسلامية التي حث عليها القرآن وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته كما أن الاختلاف بين البشر هو سنة كونية يقول الله تعالى في سورة هود: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ…»، والاختلاف أنواعه متعددة فما بين أشكال وألوان، وخصائص وألسنة وعقائد. وقد عاش رسول الله ومن بعده الصحابة ثم التابعون كل هذه الاختلافات ففازوا ونهضوا بمجتمعهم وأشرقت نور الإسلام والحضارة على الكون جميعاً.

من الحوارات المهمة في السيرة النبوية والتي كانت البداية في إسلام أهل المدينة حوار الستة نفر الذين استمعوا من رسول الله إلى كلمات الله عز وجل من أعظم فم في الوجود هو فم رسول الله. ثم رجعوا إلى رسول الله وعددهم اثنا عشر رجلا ليبايعوه، وكانت هذه هي بيعة العقبة الأولى. فأرسل رسول الله مصعب بن عمير وجعله أول سفير في الإسلام ، يعلم أهل المدينة كتاب الله وسنة رسوله، وعاد مصعب إلى مكة ومعه من أسلم من أهل المدينة في موسم الحج، وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين هما نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو بن عدي، وخرجوا لملاقاة الرسول, فقدم رسول الله ومعه عمه العباس وكان العباس لا يزال على دين قومه ولكنه حضر مع رسول الله؟ البيعة ليطمئن عليه وكان أول المتكلمين فدار الحوار الآتي الذي يرويه ابن هشام في سيرته وابن كثير في البداية والنهاية: قال العباس: «يا معشر الخزرج ـ وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها ـ إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وان كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، قال فقلنا له: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله؟ فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال فتكلم رسول الله فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال فأخذ البراء ابن معرور بيده ثم قال نعم.. والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ـ أي نساءنا وأهلنا، وقيل أراد أنفسنا ـ فبايعنا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ـ الدروع ـ ورثناها كابرا عن كابر، قال فاعترض القول – والبراء يكلم رسول الله – أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، قال فتبسم رسول الله ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم منى أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم».
ومن الدروس المستفادة من هذا الحوار هو مقارنة بين البيعتين وحين نقارن بين البيعتين نجد فيهما اختلافا كبيرا من حيث العدد والبنود: ففي بيعة العقبة الأولى كانوا اثنى عشر رجلا وفي الثانية كانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين.
ومن حيث البنود : ففيهما اختلاف واضح إلا أن جوهر البيعتين واحد وهو الإسلام أمام الرسول وإعطاء المواثيق والعهود له..أما اختلافهما ففي الأولى لم يرد ذكر للجهاد فيها، وفي الثانية صرحت على الجهاد ونصرة نبيه أمام أي عدوان.
كذلك يبين الحوار سبب الاختلاف في البنود بين البيعتين والذي إلى أن البيعة الأولى كانوا يهيئون المناخ في المدينة لرسول الله على وعد باللقاء للبيعة الثانية فلما هيأوا المناخ وكثر عددهم جاءوا إلى رسول الله ولم يعدوه بأنهم سيلتقون به في المرة المقبلة، ولكن هذه المرة سيذهب إليهم رسول الله بنفسه ويعيش بينهم عندها تمت البيعة. كما يشير الحوار إلى أن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم يوضح للأنصار ويشرح لهم لما سيقبل عليه الأنصار من خطر شديد لأنهم سيأوون رسول الله في بلدهم، فوضح لهم مدى الخطورة أنهم سيحاربون ويحاربون. حتى يقرر القوم إن كان سيذهب لهم رسول الله أم لا.
كما أن الحوار يلفت إلى وعي النساء بالدعوة ومشاركتهن فيها، ويتضح ذلك من خلال أن هناك امرأتين كانتا تمثلان نساء المدينة في هذه البيعة؛ ليدل ذلك على أن أهل المدينة رجالا ونساء يبايعون رسول الله وهم على أتم استعداد للتضحية بالمال والنفس والولد من أجل رفع كلمة التوحيد ومن أجل نصرة رسول الله. كذلك يبين الحوار الإجابة الفورية من الأنصار وأنهم كانوا على علم بما سيلاقونه لو ذهب إليهم رسول الله فما أن فرغ العباس من كلامه فتكلموا فورا ودون أي تمهل ليعطوا المواثيق والعهد لرسول الله وذلك لأنهم أبناء الحرب فيها ولدوا وفيها عاشوا وكانوا يحاربون بعضهم بعضا على أشياء عارضة أما الآن فسيجاهدون من أجل نصرة الإسلام كذلك يبين الحوار الأدب الجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقديم عمه العباس عليه في الحديث رغم أن جوهر الحوار هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يبين أن الحوار الموضوعي هو الذي يبنى على الاحترام المتبادل وأن يعرف المتحدثون أن لكل واحد منهم مهمة ودورا لا يتجاوزه ولا يقلل من شأن غيره وإنهم جميعا كل منهم يكمل الآخر كذلك رغم أن هذا الحوار يلتقي فيه عدد لأول مرة يناقشون أمرا عظيما فإن الحوار لم يخرج عن حدود الأدب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة عشر + 17 =