تبييض الأسدية أم الطائفة أم كليهما معا؟

غسان المفلح

يكذب من يقول ان عدته المعرفية والايديولوجية لا تخضع لمعاشه اليومي، طبعا في القضايا التي تمس حياته وحياة من حوله، اهله مدينته بلده. نحتاج إلى عقل مكانيكي او اتوماتيكي مبرمج. كي يتعامل مع القضية بلا دم. ليس بدم بارد بل بلا دم تماما. أين هو هذا الانسان؟ أين هو هذا الكاتب في شؤون الثورة السورية، المبرمج المكانيكي او المؤتمت؟ دلونا عليه. حتى ننحني لقامته الموضوعية المطلقة. خلال خمس سنوات ونيف من عمر الثورة السورية، خضنا حوارات كثيرة، حول طبيعة السلطة، حول الاشكالية الطائفية في سورية. علاقة السلطة بالطائفة العلوية. وآخرها كان منذ اسبوع ونحن نخوض حوارا مع اسماء، نكن لها كل الاحترام والمودة. سواء كانت هذه الحوارات علنية وعلى صفحات الاعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي ام غير علنية من خلال التراسل البيني. أذكر في العام 2006 خضت حوارا كهذا حول آليات عمل السلطة الاسدية والطائفية، مع بعض المعارضين والكتاب السوريين. في الواقع قبل هذا التاريخ بزمن، كان لدي سؤال لم اجد الاجابة عنه، لدى كل من تحاورت معهم. يتعلق هذا السؤال بقنوات التواصل والتفاعل بين السلطة الاسدية، وبين جماهير الطائفة العلوية، كفاعلين تاريخيين داخلها، وكجمهور. كيف يتفاعل رموز السلطة الاسدية من رأس الهرم إلى اسفله، مع هذه الجماهير؟ أجاب الصديق والكاتب راتب شعبو ومعه أخرون يوافقونه الرأي، أن النظام الاسدي، لعب على وتر المظلومية العلوية، وتخويف الطائفة من الاكثرية السنية والتغيير. يتضح من اصرار الاصدقاء على ان قناة التفاعل هذه تقتصر على هذا الضخ الرمزي والايديولوجي، وغسل الدماغ كما سماه بعضهم. من قبل الاسدية لجماهير الطائفة. رافضون لكل ما من شأنه ان قناة التفاعل هذه كانت إلى جانب هذا الضخ الايديولوجي، كانت توزع رشاوى هنا وهناك بشكل مكثف، ومتناسب نسبيا، مع حجم الضخ الايديولوجي هذا وغسيل الدماغ، واشعارهم أن هذه السلطة سلطتهم، في احداث الثمانينيات في سورية، ضباط الطائفة وعسكرها بشكل اساسي كانوا معفين من العقوبة، عندما كانوا يسرقون بيوت الناس الذين يراد اعتقالهم او قتلهم او حتى تدمير بيوتهم في حماة، يتشارك الضابط مع العسكري مع قائد العملية، انها سلطته هذا هو احساسه. هذا لا يتم فقط بناء على زرع عامل الخوف. هذا لا يكفي. كانت تدرك الاسدية انه لا يكفي لهذا، وكي تحمي نفسها ايضا، أنه يجب ان يترافق هذا مع تغيير في معاش الفرد العلوي، كي يشعر انه ابن هذه السلطة وهي من تحميه وهي رب عمله ورزقه. عبر مسربين: الاول تمييزه عن اقرانه من المكونات السورية الاخرى في الحصول على وظيفة. هنا يعترض بعضهم بنوع من التضليل أن ما هذه الوظيفة في الجيش او في المخابرات او في دوائر الدولة؟ ماديا تبقيه فقيرا. أوافق انها ليست مطمعا ماديا، لكن لو قارنا حصوله عليها مع اي مواطن سوري آخر، سنجد أنها امتياز يشعره الفرد العلوي مقارنة مع اقرانه من السوريين. هذه المقارنة بحد ذاتها تجعله يشعر ايضا، ان لديه امتيازا رمزيا. كونه ينتمي لطائفة الرئيس. بناء على هذين البعدين تم تأليه الاسدية عند الطائفة. حتى وإن كان هذا التأليه عند بعضهم يحمل طابعا انتهازيا. العلوي الاسدي عندما يقتل من هو ضد الاسد، إنما يقتله ايضا بدافع الدفاع عن امتيازه ومصلحته من جهة، وعلى خوفه من جهة أخرى، إذا سلمنا أن هذا العامل هو اساسي عنده أيضا، كما يريد الاصدقاء منا ان نقتنع انه العامل الوحيد. إذا لديه خوفه التاريخي ومصلحته اليومية واحساسه بالتفوق وأن هذه السلطة هي سلطته، وانهيارها يعني انتفاء لوجوده هذا المرتبط وجوديا بها. لولا الرشوة العينية والمباشرة، لما نجحت سياسات الاسدية في تخويف الطائفة من شركائها في الوطن السوري. وإلا لماذا هنالك اصرار دائم، لدى الاصدقاء ان المعارضة السورية فشلت في تطمين الطائفة، وفشلت في تقديم برنامج وطني يفك الارتباط بين الطائفة والاسدية، علما ان هذا غير صحيح. رغم تقصير المعارضة في جوانب كثيرة إلا هذا الجانب. في المحصلة نحن الآن امام معادلة بسيطة، من حق اي كان ان يبرئ أهله ومحيطه الاجتماعي، ومفهوم تماما عدم الحيادية النسبية في هذا الموضوع. لكن ليس على حساب الجريمة. ساضرب مثالا المختلفون معي يضربون مثالا دائم الحضور لديهم، يتحدثون فيه عن تواطؤ تجار دمشق مع الاسد وتحالفهم معه، لا بل يذهب بعضهم أنهم يشاركون في القرار! لكن تسألهم لماذا؟ الجواب جاهز لأنها مصالحهم. هم شركاء طبقيون لرجال النظام. المصلحة موجودة فقط عند تجار دمشق وحلب وبقية المدن في دعمهم للنظام، كما يؤكدون هم، لكن الطائفة تقف مع الاسد لانها تخاف من الاكثرية فقط ولان المعارضة عجزت عن طمأنتها، ودون اي رابط مصلحي. أن نقوم بتبييض صفحة أهلنا واقربائنا ومحيطنا الاجتماعي، أمر يستحق معالجته بطريقة لا تبني الاحقاد، لكن المشكلة هذا التحليل يصل بنا في المؤدى الاخير لتبييض الاسدية، كما تم ذلك في ثمانينيات القرن الماضي، رغم كل ما ارتكبته من مجازر وبنفس العنصر البشري. نفس هؤلاء الكتاب يدينون كل الاتراك في ارتكاب مجازر بحق الارمن. كما أن بعضهم يدين كل السنة في ظلم العلويين. حتى أنهم لا يميزون بين سلطان عثماني كسني وبين سني عربي او حتى كردي لم يسمع بالعلويين آنذاك!! طبعا يدعمهم كثر من مثقفينا وكتابنا السوريين في تسويق هذا الضلال. 90 في المئة من مادة القتل في الفروع الامنية ينتمون للطائفة العلوية. لن انفي ان ما ازعم انه الحقيقة فيما اكتبه حول هذا الاشكالية، ربما يثير الاحقاد على نحو ما. لكن هل تتحمل ما ازعم انه حقيقي هذه المسؤولية في ذلك، أم الاصرار الاسدي الطائفي على الجريمة، والاصرار على الانكار من قبل الاصدقاء؟ حتى يسقط الاسد ضعوا يدنا على المادة التي يستخدمها الاسد للقتل؟ تشخيص امراضنا لا يعني الدعوة للانتقام. هذا أمر مرفوض جملة وتفصيلا. بقيت نقطة أخيرة، الاصدقاء كلما تحدثنا عن هذا الموضوع، يردون علينا بالقول» هل نبرر للاسدية بالقتل لأن داعش سنية؟ ووفقا لمنطق البيئة الحاضنة الاسدي؟ أعتقد ان مجمل الاحداث اثبتت ترهات هذه التسويق. لان الاكثرية هي من تقاوم “داعش” وهي من تقاوم جبهة النصرة. ليس عبر الطيران الروسي بل في مناطقها التي تسيطر عليها داعش والنصرة. ليكن مثالا واحد مصغرا عن هذا في المناطق العلوية ضد الاسدية! التي هي البيئة الحاضنة للاسدية واداتها الضاربة. لاننا قصرنا في السابق في وضع يدنا على الجرح، نحصد النتائج الآن. قصرنا وجاملنا ونافقنا في ثمانينيات القرن الماضي عندما كان اهلنا في حماة يذبحون على مرأى العالم، ونحن نصفق ليسار يقول بالوقوف في وجه الحلف الرجعي الاسود. ليسقط الاسد وسيعود العلويون للسنة والسنة للعلويين وأنا متأكد من ذلك. عندما نضع يدنا على الجرح نعرف كيف نعالجه. اما نبقى ننكره، ونحمل البقية المسؤولية، فهذا تبييض لمرحلة كاملة من السواد والقتل والفساد والخيانة.

كاتب سوري