تحذير … لا تضربوا أطفالكم على أردافهم يُعدُّ انتهاكاً لشخصياتهم ويؤثر عليهم نفسياً وقد يصبحون عدوانيين في المستقبل

0

الجنوح والقتل والعصيان والفوضى… سلوكيات لأطفال تعرضوا للضرب دون سن الخامسة

القاهرة – فتحي مصطفى:

«شقاوة» الأطفال دون سن الخامسة تُسعد الكثير من الأسر، بفعل التصرفات الفجائية والكوميدية التي تصدر عنهم فتثير الضحك، أما إذا استمر الحال لفترات طويلة أو في أوقات غير مناسبة، فلا تستطيع الأسرة تحمل ذلك، فينهرون الطفل ويهددونه بالعقاب إذا لم يكف عن ذلك، ولأنه يحب اللعب والمرح، ففي الغالب لن يستجيب، وهنا تلجأ الأسرة إلى عقابه بالضرب على مؤخرته، باعتبار أن هذا المكان لن يؤذيه بالصورة التي قد تحدث إذا ما تم صفعه على وجهه، وسيتم فقط توصيل رسالة العقاب.
ولم يكن ضرب الأطفال على أردافهم من قبيل العقاب فقط، بل أيضاً وسيلة للعب معهم ومداعبتهم. ولقد حذرت الأبحاث والدراسات من ذلك، حيث أثبتت أن ضرب الأطفال على أردافهم خصوصاً من هم دون سن الخامسة له أبعاد سلبية كثيرة على نفسياتهم وسلوكياتهم، ما دعا الباحثين والخبراء إلى تقديم النصح والإرشاد للآباء والأمهات للابتعاد عن هذه العادة السيئة التي قد تصل بأبنائهم في الكبر وتحت ظروف ما إلى الشذوذ. فما مدى صحة هذه الدراسة، وما الظروف النفسية التي قد يتعرض لها الطفل في ضوء هذه الدراسة؟ هذا ما سنجد الإجابة عليه، وكذلك الآثار السلبية الأخرى له في هذا التحقيق:
أظهرت الدراسات والأبحاث أن تعرض الأطفال إلى الضرب على أردافهم في سن الخامسة يزيد خطر إصابتهم باضطراب في السلوك، مثل الجدال والغضب والعنف والتصرف بازدراء، فضلاً عن اعتراضهم على المشاركة في الأنشطة الطلابية، ووجدت الدراسات أن الأطفال الذين تعرضوا للضرب في سن الخامسة زادت لديهم اضطرابات في السلوك مثل الفوضى والعصيان ونوبات الغضب، بالإضافة إلى اكتسابهم سلوكيات عدوانية مثل الجنوح والقتال.
وذهبت الدراسات إلى أن ضرب الأطفال المشاغبين على أردافهم يزيد من خطر إصابتهم بالاكتئاب ، ويصبحون عرضة لإدمان المخدرات، كما أنها تترك أثراً طويل المدى في نفوسهم وتجعلهم أكثر عرضة للانتحار. وتوصلت دراسة أخرى إلى أن الأطفال الذين يتعرضون إلى إيذاء بدني أو إهمال تزيد لديهم احتمالات التعرض لاكتئاب شديد في مرحلة البلوغ.
سألنا بعض الآباء والأمهات عن السلوك الذي يتبعونه في معاقبة أبنائهم إذا ما أخطأوا، منهم من استنكر هذا الأسلوب، ومنهم من أكد أنه تربى وأخوته على ذلك ولم يحدث أي شيء مما ذكر.
أبدى علاء اندهاشه الشديد عندما حدثناه عن الدراسة وتأثيراتها على الأطفال دون الخامسة، فأكد أنه وأخوته تربوا على ذلك ولم يصبح أحد منهم عدوانيا أو ذا سلوك سيء، بل على العكس، هم أسرة مترابطة ولا يحمل أحدهم ضغينة لأي من أفراد الأسرة، مشيراً إلى أنه يتبع هذا الأسلوب في تعامله مع ابنته الصغيرة من قبيل المداعبة.
ويرى أحمد أن الطفل دون الخامسة لا يستحق الضرب بهذه الطريقة أو غيرها للعقاب، إذ يكفي حرمانه من اللعب بدميته المفضلة، ومن مشاهدة التليفزيون، ولو لجأنا إلى ضربهم على أردافهم أو أي مكان آخر في الجسد، فلن يكون بقوة إنما فقط لإشعاره بالإهانة لقاء تصرفه المرفوض حتى لا يعود إليه مرة أخرى.
وتؤكد دعاء أن ضرب الأطفال في هذه المرحلة العمرية اعتداء عليهم، ويؤثر بصورة كبيرة في تشكيل شخصيتهم، فهي لم تتبع هذا الأسلوب مع طفليها التوأمين وإنما كان هناك نوع من الحوار بينهم رغم صغر سنهم، وبالتالي تتطور العلاقة إلى صداقة، وهي الآن تحل معظم مشكلاتهم انطلاقا من علاقة الصداقة التي نشأت بينهم منذ الصغر.
وتلتمس شيماء العذر لكل أب أو أم يلجآن إلى معاقبة أطفالهما بالضرب للسيطرة عليهم، فأطفال اليوم يختلفون تماما عن ما تربت هي عليه، فالأطفال اكتسبوا العناد والعنف وروح القتال والمغامرة مما يشاهدونه في التليفزيون وفي ألعاب «البلاي ستيشن» وحتى الألعاب الموجودة على الهاتف المحمول، فأنت تتعامل مع مشروع طفل يحلم بأن يكون «الأسطورة» أو «فان ديزيل» إذن فلن يؤثر الضرب فيه، لأن هناك ما هو أقوى من الضرب في التأثير على سلوكيات الطفل وهو البيئة المحيطة وما يتعرض له من مؤثرات كثيرة.

ارهاب
سألنا الدكتور هاني السبكي، استشاري الطب النفسي، عن الآثار السلبية التي تترتب على سلوكيات الأطفال في ضوء الدراسة، فأكد أن الضرب بصورة عامة وليس على المؤخرة فقط يشكل خطورة على سلوكيات الطفل، وهناك ما هو أخطر من الضرب على المؤخرة وهو ضرب الطفل على وجهه، لأن ذلك يشعره بالإهانة والضعف والخضوع، فيرتبط في ذهنه أن الخطأ يساوي عقابا شديدا وإيذاء، فيعتاد على أن القوة هي التي تقهره وترده عما يفعله وبالتالي سيستسلم إلى أي قوة، لأنه لم يتعلم أو يعتد الدفاع عن نفسه، كما أنه يفقد القدرة على إصلاح أخطائه.
ويشير الدكتور هاني إلى أنه من المفروض توضيح الخطأ الذي ارتكبه الطفل مع العقوبة المناسبة والتي تخلو من العنف مثل إبداء الامتعاض والبعد عنه قليلاً أو خصامه لفترة وجيزة حتى يعتاد على أن العقاب العاطفي مع والده أو والدته أقوى وأشد من الإيذاء الجسدي له، باعتبار أنهما مصدر الأمان والحماية له، وبالابتعاد عنهما يفقد هذه المشاعر، وبالتالي سيحرص على عدم فقدها.
وقد يضطر الأبوان إلى اللجوء إلى الضرب، ولكن في هذه الحالة يجب أن يكون ضربا خفيفا لمجرد إشعاره بالغضب وليس الإيذاء، لأنه عندما يحدث ذلك فإن جسده شعر بالامتهان، إذا ضرب على الوجه.. انهارت كرامته، وإذا ضرب على المؤخرة ـ وهي المنطقة الحساسة الخاصة التي يجب ألا يمسها أحد ـ أصبحت مستهانة ومستباحة، فقد يؤدي ذلك إلى استسلامه إذا ما تعرض إلى التحرش أو التعرض لاعتداءات جنسية لأنه تربى على ذلك.
وإذا كان العقاب شديدا وعنيفا، فمن الممكن جدا اختزال هذه المشاعر الغاضبة وشعوره بالضعف، وأنه غير قادر على رد العقاب، فسيختزن هذا الغضب إلى أن يكون قادرا على رده عندما يكبر ويشتد عوده ، فيمارس ما تم ممارسته عليه من قهر وظلم فيتحول إلى إنسان عدائي يهين من أمامه بنفس الأسلوب الذي تربى عليه، وقد يطبق ما تم معه على أولاده، رغم رفضه الأسلوب الذي تربى عليه، إلا أنه يطبقه على أولاده لأنه لا يعرف غيره، وقد يصبح كارها لنفسه وللمجتمع، فتنتج من مثل هذه الشخصيات صور العنف والإرهاب، فالإرهابيون يدربون الأطفال منذ الصغر على الضرب المبرح حتى يكون عندهم نوع من تحمل الضرب، وبالتالي عدم الشعور بالرحمة عند إيذاء الآخرين فتتكون شخصية الإرهابي.

ميول انحرافية
أكد الدكتور يسري عبد المحسن أن مبدأ الإيذاء البدني مرفوض، سواء كان ضربا على الردفين أو الخدين أو أي مكان في الجسم، وليس شرطا إذا تم معاقبة الطفل بالضرب على ردفيه أن يتعرض للسلوكيات التي ذكرتها الدراسة، فالضرب سلوك سلبي ولكن ليس وحده من يشكل وجدان وشخصية الطفل، فهناك أسلوب التربية والجو العائلي الذي ينشأ فيه، وكذا الترابط الأسري ومقدار الرعاية والعطف والحنان والاهتمام، فيخرج لنا إما إنسان سوي متوازن مطيع ومعطاء يضحي من أجل الآخرين، أو ذو ميول انحرافية وعدوانية، غير قادر على التحكم نفسه. وهناك أساليب أخرى للعقاب مثل الحرمان من شيء يحبه، حرمان غير مقرون بالقسوة والتوبيخ، والأهم من هذا كله أن يجد أمامه مثلا أعلى يقتدي به، فمن غير المعقول أن ننهى الطفل عن شيء ونفعله نحن. وبقدر المستطاع يجب تفادي تعريض الطفل إلى السلبيات التي تقتحم حياتنا وتشاركنا في تشكيل سلوكيات أبنائنا مثل «الفيسبوك « و»اليوتيوب « و»الانترنت « وبرامج التليفزيون التي تعرض في أوقات يمكن للأطفال مشاهدتها وهي لا تناسبهم.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 + عشرين =