تحية للشعب الألماني مختصر مفيد

0 167

أحمد الدواس

الهنغاريون لم ينسوا صورة ملك هنغاريا وهو يـنزع التاج من على رأسه، ويعطيه لممثل الدولة العثمانية استسلاما، وهناك قبر سليمان القانوني في مدينة سيغيفار الهنغارية، وعندما خرج المهاجرون السوريون نحو أوروبا، اتخذ رئيس الحكومة الهنغارية فكتور اوربان، وما زال موقفا معادياً للمسلمين، واستمر هذا المسؤول الهنغاري المتعصب يمقت الإسلام في تصريحاته الى يومنا هذا، كما تحركت بلدان البلقان الأخرى، مثل مقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا، فوضعت الأسلاك الشائكة على حدودها ومنعت تدفق اللاجئين السوريين.
نزح اللاجئون السوريون أيضاّ باتجاه ألمانيا، فظهرت جماهير الشعب الألماني وهي تحمل لافتات تقول”نحن نحب المهاجرين”، واحتضنتهم ألمانيا، ووفرت لهم فرص البقاء فيها، لكن تنظيم” داعش” الإرهابي حرك عناصره المتطرفة وشن حملة تفجيرات قتلت بعض الأوروبيين في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، وظهر الاستياء على وجوه الألمان من موقف حكومة انجيلا ميركل، وبعضهم كال الانتقادات اللاذعة لها على موقفها المتسامح تجاه المهاجرين، وطالبوا بوقف تدفقهم على بلادهم، وفي الانتخابات الألمانية الأخيرة التي جرت في سبتمبر 2017 كادت ميركل تخسر الانتخابات وفازت بصعوبة نوعا ما، وفي دول أوروبا الأخرى ظهرت تيارات يمينية معادية للمهاجرين.
زرت ألمانيا للمرة الاولى سنة 1975 ثم تكررت الزيارات بعدها، وفي أول ابريل الجاري قررت السفر إليها لأرتاح قليلا من جو القراءة والكتابة سنوات طويلة متواصلة، لكن يبدو أن حبي لهما لاينقطع، فأخذت معي عدة الكتابة، فوصلت مطار فرانكفورت، وأمام ضابط الجوازات الألماني قلت في نفسي: عسى ما أجد أسلوبا غير مريح من الألمان، فنحن من العرب، وبعض الفئات الضالة من الإرهابيين المسلمين ارتكبت فيها جرائم، وأمام الضابط نفعـتـني اللغة الألمانية التي درست منها قليلا من الدروس في يوغسلافيا، فقد سألني وهو يبتسم: هل تتحدث الألمانية؟ قلت:”اين فينيك”، أي قليلا، سألني سؤالا آخر عن مدة الإقامة ثم ابتسم وختم جواز السفر، فشكرته.
الآن أريد عربة لأخذ حقيبتي فوجدت ان عليّ ان أدفع يورو واحدا لفك ارتباط العربة بسلسلة عربات، لم يكن معي فكة فوجدت موظفة ألمانية على طاولة قرب الحقائب، سألتني وهي تبتسم ان كان معي دنانير كويتية، أعطيتها الدنانير فحسبت حسابا في جهاز، وأعطتني الفكة وبقية النقود، وساعدني عامل على سحب العربة، حسبته من دول البلقان، سألته من أي بلد فقال:”من أفغانستان”.
دخلت الفندق فحمل حقيبتي أحدهم وسلم عليّ بتحية الاسلام، وقال انه من أفغانستان، وفي اليوم التالي أردت الذهاب الى مدينة فيسبادن القريبة من فرانكفورت حتى أحجز بفندق آخر، استقلتني السيارة، وتحدثت مع السائق وكان من أفغانستان، فـر من بلاده عند دخول القوات الروسية سنة 1979، وبالقرب من الفندق تجولت فوجدت مطعما عربيا بلوحة للمطعم مكتوب عليها بالعربية “الزيتونة “،صاحبه سوري كبير السن، مع سوريات ولبنانية يتحدثن الألمانية مع الزبائن، فتناولت الطعام فيه مرات عدة، ودخلت محلا لشراء حذاء رياضي، فقلت في نفسي كأن البائعة سورية، كانت تتحدث الألمانية مع الجميع، فقالت ان أباها من سوريـة.
كنت اتوقع ان أشاهد في ألمانيا نوعا ما من كراهية الأجانب، لكن ظني لم يكن على صواب، فالشعب راق في تعامله، فقد دخلت محلا، واشتريت منه بسكويتا وقطعة كاكاو بالعسل، وعند مروري أمام الكاشير لأدفع له، قال: ان الكاكاو بالكحول، فألغيته من الفاتورة، وفي إحدى الصيدليات وجدت لوحة معلقة على الحائط بلفظ الجلالة باللغة العربية: الله.
الابتسامة في كل مكان، روح التسامح تجدها في كل مكان، ليس هناك مشاعر عنصرية ولا لغة كراهية، بل تعامل متحضر، والسيدات المسلمات يرتدين الحجاب ولا يلفتن الانتباه، والألمان بارعون في الصناعة بأشكالها كافة،وعلى المستوى الثقافي هناك موسيقى رائعة وشجية لهم، سواء الكلاسيكية أو للعازف بيرت كمفورت، وكذلك أداء أندريه ريو، والانضباط في قيادة السيارات، فالحارة اليمنى من الطريق السريع مخصصة لمن سرعتهم بطيئة نوعا ما، والوسطى لسرعة 120 كيلومتر، أما الحارة اليسرى فلمن يقود بسرعة أكثر.
ألمانيا دافعت عن الكويت أثناء الاحتلال العراقي، وأنفقت ستة مليارات دولار لتحريرها، وتتمتع بأقوى اقتصاد في أوروبا مع قيادة سياسية مستقرة، تتزعم وتقود الاتحاد الأوروبي، نقول لألمانيا:”فيلن دنك”، أي بالعربية: شكرًا جزيلا.

سفير كويتي سابق

You might also like