تداعيات الصمت والمواجهة

غنيمة حبيب

غنيمة حبيب

لم يكن وهو يبني تلك الثقافة الواسعة يدرك انها ستتحول نقمة تسبب له المعاناة والشقاء، فبعد أن توسعت مداركه وأصبح قادرا على استشراف القادم من الأحداث، ومن يقف خلفها ومن يستفيد منها، اكتشف عجزه وعدم قدرته على التغيير، فتحول وعيه ومعرفته لتصبحان سببا في معاناته اليومية، فتمنى لو أنه كان يتمتع بقدر أكبر من البساطة والسذاجة والجهل.
محمود تفتحت عيناه على الدنيا، وكان قدره أن يكون من أسرة مثقفة، كتب متنوعة المواضيع متناثرة في أركان البيت، كلمات والده صاحب المكتبة القديمة الواقعة في مباني العاصمة المهجورة ما زالت تتردد في مسامعه: “القلم سلاح التغيير والكتاب صراط لا يمكن أن يقودك إلا للمجد”، أطرق محمود مبتسما: “كان ذلك في زمنك يا أبي”.
يتذكر محمود ما قاله والده العجوز: «إن الوعي مستويات: معرفي ووجداني وسلوكي، وأهم هذه المستويات السلوكي، إذ هو الجوهر الذي تتحقق من خلاله الفائدة، ولا قيمة للوعي مهما بلغ مستواه في حال لم ينعكس على سلوك صاحبه، أو حتى في حال تقبل السلوك الخاطئ من الآخرين. فالوعي يفرض على صاحبه رفض السلوك الخاطئ أيا كان فاعله، وتقبل السلوك السليم مهما سبب له من خسائر» .
ذكريات محمود مع والده تجعله يعاني من أزمة صراع داخلي مؤلمة، التناقضات التي يراها في كل من حوله تجعله يوما بعد يوم يعتقد انه على خطأ، ويرى الآخرين بكل ما يتمتعون به من تناقض أكثر منه صوابا، فكما يُقال ان الأغلبية دائما ما تكون على صواب، ولكنه مرة أخرى يعود لمنطق الأب العجوز من ماضيه رافضا الاستسلام، فتزداد حالة التأزم التي يعيشها وتجعله يقرر السعي أكثر بحثا عن الحقيقة، وعن حل يعود به للاستقرار.
لم يكن محمود سوى حالة يمكن تكرارها في كل زمان ومكان، يمكن أن نجدها في نفوسنا، أو نلتمسها لدى البعض، ندرك السلبيات ولا نسعى لتغييرها أو تقويمها بعامة، لكن المعاناة تصبح ثقيلة وتحول الوعي هما يثقل صاحبه عندما يشعر انه لا يملك القدرة على التغيير أو ربما لا يقوى على المواجهة.
«لا بد من المواجهة إذن ، عليك أن تكون أنت، أو لا تكون، الحقيقة واحدة مهما تعددت الزوايا التي ننظر منها، والمبادئ تحتاج لمن يدافع عنها، عليك أن تلقي عن كاهلك هذا الهم، دع عنك الصمت، ضع يدك على الجرح ولا تخشى الألم»، تسرب إلى عروقه حب الحياة، وفجأة محمود بدأ يعيش حالة من النشوة والبهجة، أخيرا هدأت نفسه وبدأ يشعر بالسكينة، تبددت المخاوف من قلبه بعد أن وضع حدا للصراع الذي سيطر عليه، عادت رغبته بالقراءة من جديد.
محمود قرر المواجهة وانتهت معاناته وتبدد كل ما يشعر به من مخاوف، وبقي عليك أنت عزيزي القارئ أن تقرر المواجهة أو تستمر بالمعاناة وتترك الصراع يتفاقم بنفسك ويرهقها.

كاتبة كويتية
g.h.karam@hotmail.com