تدبر القرآن كان سبباً في هداية وتغيير حياة الكثيرين مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (8)

0

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يذكر الدكتور عبدالله علي جوان في كتاب “التدبر مفهومه اكتسابه إشكالياته”، أن القرآن بحر زاخر من الخيرات وريه من الرحمن للعالمين فهو يعطيك معاني غير محدودة في كلمات محدودة، وهذا البحر الزاخر المملوء بالمعاني غير المحدودة لا ولن نستطيع أن نخرج دره إلا بالتدبر، قال تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)، (سورة الكهف الآية: 109)، والتدبر يشحذ الهمم ويشحن النفوس نحو الخير، ويبعدها عن الشر، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكرر الآية الواحدة عشرات المرات، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قام الليل وهو يكرر قوله تعالى: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، (سورة المائدة الآية: 118)، وعن ابن أبي مليكة رحمه الله قال: “صحبت ابن عباس رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل قام شطر الليل، فسئل كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، (سورة ق الآية: 19)، فجعل يرتل ويكبر في ذلك النشيج. والنشيج: شدٌة البكاء إذا هاج على صاحبه فبكى بصوت مخنوق في صدره فصار له أزيز كأزيز القدر.
وما معنى هذا التكرار في الآية إذا لم يكن فيها تقليب الآية، والتفكر فيها، وتكمن ثمرة هذا كله في تهييج النفس على العمل وتنشيط القلب على السير وتوثيق إرادة النفس على عزائم الأعمال، فهذا هو التدبر الحق وهذا هو السر في تكرار الآيات والتفكر فيها كالنظر إليها والعبرة منها. فالتدبر هو الاهتمام، وبالتالي هو التطبيق والممارسة وهي النقطة الأهم في حياة الأمة، فإذا تدبرنا القرآن نقلناه إلى حقول الممارسة على الأقل أو إلى ميادين السلوك وكان هادينا ومرشدنا للنجاح والفلاح.
والتدبر في القرآن كان سببا في تغيير حياة كثير من الناس وأولهم الصحابة الكرام، الذين كانوا يسمعون القرآن فيقولون: والله إنه ليس بقول بشر، وما هي إلا لحظات تفكر وتدبر قليلة حتى يدخل ذلك الرجل في الإسلام، ويصبح من الصحابة الكرام، انظر إلى قصة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وعن فوائد التدبر والتفكر يقول الإمام ابن القيم في كتاب “مدارج السالكين”: إنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه.. وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار.. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام، وتوقفوه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل.. وتناديه كلما فترت عزماته وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه، أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد، وبالجملة فهو أعظم الكنوز، طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار معانيه.

روح الإنسان
يؤكد الشيخ الدكتور عصام بن صالح العويد في كتاب “فن التدبر في القرآن”، أنه لا بد من اليقين التام أنك مع القرآن حي ومن دونه ميت، مبصر ومن دونه أعمى، مهتد ومن دونه ضال. فكل قارئ للقرآن لا بد له من هذا اليقين قبل قراءة سوره وآياته؛ لأن القرآن هو الروح ومن دونه أنت ميت، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، (سورة الشورى الآية: 52)، والقرآن هو النور ومن دونه أنت أعمى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)، (سورة النساء الآية: 174)، وقوله تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، (سورة الرعد الآية: 19)، القرآن هو الهدي ومن دونه أنت ضال، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ)، (سورة يونس الآية: 108).
ومن هنا كان وصف القرآن للمعرضين عنه في غاية الشدة من الذم، قال تعالى: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ)، (سورة المدثر الآية: 50). فهنا يصفهم القرآن بأنهم “حُمُر”، وهي جمع حمار ثم بقوله “مستنفرة” أي: شديدة النفار، أي هاربة ذعرا وخوفا، القسورة هو الأسد، أي: حالهم حال الحمر الهاربة الخائفة المذعورة.
كما أننا لا بد أن نقف على الأوصاف التي وصف الله بها كتابه، فقد وصفه بالحق والهدى، والبرهان، الموعظة، الشفاء، النور، التذكرة، الرحمة، الصدق، العلي، العزيز، المبين المفصل، المحكم، العجب، البشير، النذير، البيان، التبيان.
ولذا، ذم النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ بعض الآيات ولم يتفكر فيها بقلبه. إذ قال: “ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها”، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة. لقد فهم السلف الصالح القرآن وتدبروه فأصبح عندهم كتاب حياة عرضوا عليه أعمالهم، فالواحد منهم يقرأ القرآن وكأنه مخاطب بآياته، ويستنبط من آياته بصائر واضحة يستعن بها في مسيرة الحياة الطويلة، فهو يتأمل في آياته حين يجد نفسه في مفترق الطريق فيعثر فيه على حل لمشكلته، ويجد فيه الضوء الذي يكشف من أمامه الظلمات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

إحدى عشر − 6 =