تدمير الأسرة من بوابة الشكوك والخلافات التنمر الزوجي...

0 561

يمارسه زوج غير سوي نفسياً ويمكن اكتشافه قبل التورط في دخول قفص الزوجية

اللوم المستمر يؤججه وتقدير الزوجة واحترامها والافتخار بها لا يقلل من شأن الزوج

التجاهل حلٌّ أمثل للقضاء على الظاهرة والحفاظ على بيت الزوجية والأولاد

النساء أيضا يتنمرن بتهديد ازواجهن ولا حرج في اللجوء للطب النفسي للعلاج

القاهرة ـ أنديانا خالد:

ارتبطت ظاهرة “التنمر” بالشباب والمراهقين، لكن الكثير من الدراسات كشفت أن بداية التنمر تأتي من الأسرة، بانتقاد الزوج لزوجته من ناحية المظهر أو أسلوبها في الحياة، ومقارنتها بامرأة أخرى، بجانب اللوم المستمر على أتفه الأمور والمواقف، والتعبير الدائم عن الاستياء والإحباط، وتوجيه الاتهام، والشك في تصرفاتها، ليقوم الأطفال بتقليد تلك التصرفات مع زملائهم في المدرسة، دون إدراك منهم أن سلوكيات العنف التي تولدت لديهم ما هي إلا نتيجة للمشاكل الزوجية بين الآباء والأمهات، وبدلا أن تسود العلاقة الزوجية المودة والرحمة وحسن المعاملة، حل محلها التنمر والعنف والخلافات.
حول تفشي ظاهرة التنمر الزوجي في المجتمع العربي وانعكاساتها السلبية على الأسرة والحياة الزوجية ونفسية الطرف المجني عليه وكيفية علاجها أكد عدد من الاكاديميين وخبراء النفس والاجتماع والعلاقات الأسرية في لقاءات مع “السياسة” أن التنمر الزوجي من الطرفين ظاهرة غذتها المسلسلات والأفلام التلفزيونية وتفضي إلى الخيانة الالكترونية والطلاق وهدم الأسرة، لافتين إلى أنها تنم عن عدم تقدير أحد الزوجين للآخر وأن من يمارسه مهزوز ومضطرب نفسيا، محذرين في الوقت نفسه من مخاطر التنمر على خلفية الشك الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الطلاق أوارتكاب جريمة القتل وتدمير الأسرة، وفيما يلي التفاصيل:
بداية، ذكرت استشارية العلاقات الأسرية والتطوير المجتمعي الدكتورة أشجان نبيل، أن مصطلح التنمر ليس علميا، لكنه ظاهرة انتشرت في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة، مبينة أنه ربما يكون لفظيا، أوجسديا، أوعاطفيا، ويظهر نتيجة اهتزاز ثقة الزوج في نفسه، فيقوم بعملية إسقاط على زوجته، كما أن أحد الأسباب يعود إلى ضعف العلاقة الحميمة بين الزوجين أو عدم استمرارها بشكل منتظم، فيحدث تنمر على الحياة الزوجية عامة دون الإفصاح عن سبب المشكلة الأساسية، فتظهر في صورة الشكوى أمام الآخرين من قلة الإنفاق، أو عدم الاعتراف بأي شيء جيد يقوم به أحد الطرفين، لافتة إلى أن انعدام الثقة لدى الزوج، يعد اعترافا أن لديه مشكلة نفسية يجب علاجها حتى لا تدمر أسرته.
أضافت، قد تولد الضغوط التي يتعرض لها الزوج في عمله شحنات غضب يفرغها في وجه زوجته بالمعاملة الجافة، والتعدي بالضرب، والسخرية منها، وفي العادة تتخذ شخصية الزوج المتنمر أشكالا مختلفة، مثل التقليل من شأنها أمام أسرته و أصدقائه في وجودها، وانتقاد تصرفاتها، وهيئتها،ومظهرها، ومقارنتها بممثلة أو زوجة صديق، مع الأخذ في الحسبان أن حالة الخرس الزوجي من قبل الزوجة عندما لا تبدي اعتراضا على انتقاد أو تصرفات زوجها السلبية في حقها تؤدى إلى فتور العلاقة بين الطرفين.
وأوضحت أن صفات الزوج المتنمر تظهر قبل الزواج، لكن المجتمعات العربية لا تستطيع التعامل مع فترة الخطوبة بطريقة صحيحة، فتتردد عبارات،”أصله بيحبك، أصلك لسه ما رحتيش بيته، ها يتغير بعد الزواج”، مما يعد من قبيل المسكنات، لكن بعد الزواج تقع الكارثة باستحالة التواصل والعشرة في منزل واحد، مما يؤدى إلى الخيانة، خاصة “الالكترونية” عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، اذ ينجذب أى طرف إلى الحديث المعسول الذي يؤدي إلى النفور بين الطرفين، داعية إلى الاستعانة بالطب النفسي، كما أنه في إمكان الزوجة أن تقوم بدور الطبيب النفسي، بدلا من أن تعرض زوجها لهذا الموقف، خصوصا أن المجتمع ينظر إلى الطبيب النفسي أنه يعالج “المجانين فقط”، دون إدراك منهم أن كل شخص سوي معرض لأي هزة نفسية تغير من سلوكه.

أشكال التنمر
من جهته، أشار خبير العلاقات الزوجية إسلام حامد، إلى أن أشكال التنمر الزوجي كثيرة، منها توجيه اللوم المستمر، التعامل كأنه وصي، يتحدث مع زوجته كأنها طفلة، استخدام نبرة الصوت العالي، توجيه الانتقادات المستمرة، الإساءة اللفظية،العنف الجسدي، التجاهل المتعمد، اختلاق المشكلات، محاولة العزل عن الأسرة والاصدقاء، وتوجيه الاتهامات الباطلة، يساعد على حدوث ذلك ما يظنه بعض الأزواج من أنه يحق لهم ان يفعلوا بزوجاتهم ما شاء لهم من سب، وإهانة، وتقريع، ولوم، داعية الطرفين إلى الانتباه لما يقوله أحدهما للآخر جيدا، فربما أشعلت كلمة عابرة، نارًا في النفس، حسرة على العمر، سقوط في غياهب اليأس، وقد تدفع طرف للتخلص من الحياة برمتها، مما يستوجب أن نتخير الكلمات قبل نطقها، ونتخيل وقعها على أنفسنا أولًا قبل إطلاق رصاصتها القاتلة على شريك الحياة وأن نضع أمام أعيننا قول الله سبحانه تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) الروم 21، فقد بين الله أن ما بين الأزواج “سكن”،”مودة”، و”رحمة”، هذا الجانب من أعظم ما دعا إليه الإسلام، كما ذكر الله تعالى الرحمة في مواطن عدة في القرآن الكريم، بل ومدح أهل الرحمة ووصل الرحم والمرأة من الرحم، لذا فان الزوج مطالب بكل معاني الرحمة تجاه زوجته، فهى تترك بيت أبيها، أمها، وإخوتها ممن كانوا يمثلون لها رداء الرحمة، لأجل إنسان غريب عنها، جعله الله تعالى بديلاً لها عن كل هؤلاء.
وتابع: إذا نظر الرجل للمرأة بعين الرحمة فهي عبادة يؤجر عليها، فلا يكلفها حملاً فوق حملها، وبخاصة أن الرسول،صلى الله عليه وسلم، طالب في حجة الوداع بحق النساء”حق نسائكم عليكم أن تطعموهن مما تطعمون، وأن تكسوهن مما تلبسون، وأن لا تضربوا الوجه ولا تقبحوه”، فعلى الزوج أن يهيئ للزوجة نفسية تساعدها على أن تنتقي قواعد التربية السليمة للأبناء، لأن إدخال الزوجة في حالة من الضيق والغضب والحزن الدائم يسبب خللاً في عطاء المرأة للأولاد وزوجها، فإن أعطت المرأة كارهة لن يدوم العطاء مع كرهها، فكم من حالات النشوز عند النساء سببها سوء خلق الزوج وسوء عشرته.
وطالبت كل رجل بأن يدرك أن تقدير صنيع الزوجة، واحترامها، والافتخار بها، لا يقلل مطلقا من شأنه، ولا يظهره ضعيف الشخصية، بل العكس، جبر خاطرها بكلمة طيبة و ثناء جميل، ينمي أواصر المحبة، وعليه تصحيح أخطائها بالحوار الهادئ.

أسس ومعايير
بدورها، اعتبرت أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر ان السبب الرئيسي في تفشي ظاهرة التنمر الزوجي هي المسلسلات والأفلام، التي كثر بها التراشق بالألفاظ الخادشة،الخداع،والخيانة، يضاف إلى ذلك أن المنازل أصبحت خالية من الأحاسيس والمشاعر، الأمر الذي يتطلب إعادة العلاقات العاطفية الدافئة و الإنسانية ليس بين الأزواج فقط لكن بين الأصدقاء،الأهل،والأخوة، بعودة الحوار بين أفراد الأسرة، وإلا فإن مثل هذا التنمر قد يقود إلى الطلاق والانفصال؛ لأن كثرة ضغوط الزوج على الزوجة أو العكس سواء كان لفظيا أو جسديا، قد يصل بالطرف المتضرر إلى طلب الطلاق، لا سيما أن سلوك المجتمع شهد تغيرا كبيرا في السنوات الأخيرة، فأصبحت المرأة تتجرأ على زوجها بالسب، والضرب، وإهمال واجباتها تجاه منزلها، وصار الزوج لا يحترم زوجته، لتأثرهم بالأعمال الدرامية التي يشاهدونها، لذلك يجب مراجعة جميع الأعمال الفنية التي تعرض على الشاشات.
وأشارت إلى أن ظاهرة التنمر برزت في الحياة الزوجية نتيجة اختلاف معايير اختيار شريك الحياة عما يجب أن تكون، حيث أصبحت المظاهر السبب الرئيسي في اختيار شريك الحياة دون دراسة شخصيته وطباعه خلال فترة الخطوبة، لذلك ما أن يتم الزواج حتى يصدم أحد الطرفين بطباع وشخصية الطرف الآخر، الأمر الذي قد ينتهي بالطلاق وتشريد الأطفال، لذا يجب اختيار شريك الحياة بناء على أسس ومعايير راسخة من حيث الشخصية وطباعه ومدى توافقها مع الطرف الآخرن كما يجب عمل دورات تدريبية للمقبلين على الزواج، في كيفية احترام الأزواج بعضهم بعضا ومعرفة الحقوق والواجبات المشتركة بين الطرفين، وكيفية التعامل مع الضغوط الحياتية والنفسية التي قد يتعرض له الطرف الآخر.

التجاهل حل
من جانبها، ذكرت إخصائية التنمية البشرية بسمة سليم أن الشخص الذي ينشأ في أسرة متزنة ومستقرة لا يمارس التنمر أو السخرية، مبينة أن الفتاة يمكنها أن تكشف سلوك الزوج في فترة الخطوبة، فإذا وجدت نفسها غير قادرة على تحمل هذا السلوك فلتفسخ الخطوبة،صحيح أن مجتمعاتنا العربية تعيب على المرأة فسخ خطوبتها، لذلك تفضل الاستمرار في علاقة مشوهة، لكنها لو أدركت أن استمرارها سيؤدي إلى كارثة لن تلتفت لمن حولها وستفضل أن تنجو بنفسها. ولفتت إلى أن مشكلة الرجل تكمن في أنه إنسان “بصري”، مصدر الإثارة لديه هي الصورة، فإذا شاهد امرأة جميلة، يضع زوجته في مقارنة معها، مما يعد أشد أنواع التنمر الذي تتعرض لها الزوجة، وفي مثل هذه الحالة عليها أن تتعامل بالتجاهل أو اتباع أسلوب الحديث بطريقة غير مباشرة، فلا يجب أن تهدم أسرة بسبب تصرف أو كلمة طالما تم الزواج وأصبح هناك أطفال.

تعديل سلوك
إلى ذلك، أكد استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز أن التنمر يعني السخرية، والتهكم، والتعدي اللفظي أو العيني، الذي يؤذى مشاعر الطرف الآخر، فقد يكون بالسخرية من جسد زوجته بعد الولادة والحمل، ومقارنتها بنساء آخريات، كما تمارس المرأة أيضا التنمر، بالتحدث عن ضعف إمكانيات الزوج الصحية، والتهديد بالاستعانة بأسرتها فور حدوث مشكلة زوجية، والتعدي عليه بالضرب والألفاظ، فالزوج والزوجة يمارسان التنمر والخاسر هم الأطفال، حيث ينشئ كل منهم بحرمان عاطفي، يظهر في صورة ضرب الأصدقاء، الفشل الدراسي، و التلفظ بألفاظ بذيئة.
وأوضح أن بعض الدراسات دعت إلى عرض الزوج الذي يتنمر على زوجته أو العكس على طبيب نفسي، لأنه يحتاج جلسات علاج وتعديل سلوكي.

الشك والغيرة
في السياق نفسه، ذكرت أستاذ علم الاجتماع،في جامعة عين شمس الدكتورة سامية الساعاتي، إن الزوج الذي يتعدى على زوجته لفظيا أو جسديا، يكون مصابا بخلل في تربيته منذ الصغر، بسبب تعرضه لهذا السلوك أو لأنه عاش في جو عائلي يسوده التنمر، لذلك يجب ُعرضه على طبيب نفسي، مع الأخذ في الحسبان أن صمت الزوجة بدافع الحفاظ على المنزل والأطفال هو السبب في استمرار الزوج في التنمر، مبينا أنه بعد مرور الوقت تكبر الأزمة وتصبح الإهانات أمام أهلها أو أهله، لذلك يجب عليها الاعتراض على أي إهانة تتعرض لها من قبل الزوج، كما أن الزوج قد يلجأ أحيانا إلى التعدي بالضرب أو التوبيخ بالألفاظ، لرغبته أن يكون هو الآمر الناهي في المنزل وتظل الزوجة ضعيفة، يصل الأمر إلى إهانة أهلها لتنقطع عن الجميع وتظل له فقط، وتعد هذه الحالة من أخطر الحالات التي تتعرض لها الزوجة من زوجها.
وكشفت أن هناك أنواعاً من الأزواج يشعرون أن زوجاتهم قصرن في حقهم فيبدأون بالتعدى اللفظي أو بالضرب، لأنهم يحبون السيطرة على شريكات حياتهم، كما يوجد نوع أخطر يتمثل في الزوج شديد الغيرة أو الشكاك، لأنه لا يسيطر على غضبه، وقد يصل رد فعله إلى القتل في بعض الحالات، لعدم الثقة في نفسه نتيجة لضغوط أسرية منذ الصغر أو عدم مقدرته على فرض شخصيته في العمل، لذا يجب عقد دورات للتأهيل النفسي لمثل هؤلاء الأزواج، والتوعية بكيفية التعامل مع الزوجة،تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة، فالرجولة ليست بـ “الضرب والإهانة”، كذلك يجب أن يتم عقد دورات للمقبلين على الزواج في كيفية حل مشاكلهم بكل احترام دون جرح مشاعر الآخر.

You might also like