ترامب أدَّب نظام طهران… شكراً للرئيس الجريء

0 318

أحمد عبد العزيز الجارالله

ثمَّة عددٌ قليل من رؤساء الولايات المتحدة الأميركية الذين صنعوا لأنفسهم مكانة مهمة في التاريخ، أميركيا ودوليا، بينما هناك رؤساء يمر ذكرهم في تعداد من توالوا على البيت الأبيض من دون ذكر أي إنجازات لهم، وإذا كان تحرير العبيد اقترن بأبراهم لنكولن، أو ودرو ويلسون صاحب المبادئ الدولية الـ14 المنادية بالديمقراطية واستقلال الشعوب، وفكرة تأسيس عصبة الأمم، أو جيمي كارتر صاحب المبدأ المعروف باسمه المتعلق بحماية الممرات البحرية في الخليج، ورونالد ريغان الذي قاد مشروع تقويض الاتحاد السوفياتي، فان دونالد ترامب لا شك سيكون الأكثر حضورا في التاريخ.
رغم أنه الرئيس الأكثر جدلا من حيث المشكلات الداخلية التي انفجرت بوجهه خلال مسيرته إلى البيت الأبيض، وحتى بعد توليه الرئاسة، وآخرها محاكمته امام الكونغرس، حيث نال البراءة التي أبعدت عنه شبح تجرع كأس العزل المرة، إلا إنه أعاد الهيبة للولايات المتحدة، اقتصاديا عبر الإجراءات التي أقرتها إدارته ضد عدد من الدول من خلال عقوبات غيرت مفهوم الصراع في مناطق عدة.
أما سياسيا فقد استطاع إجهاض مخطط سلفه باراك أوباما في ما يتعلق بالشرق الاوسط، الذي قام على إعادة إحياء التدخلات الإيرانية بالشؤون الداخلية للدول العربية، وخصوصا “مجلس التعاون”، ومهد الطريق لانتعاش الإرهاب الذي كان قد بدأ يخبو مع الحملة الشرسة عليه بعد 11 سبتمبر 2001، ومناصرته التيارات المتأسلمة في تقويض الانظمة العربية من خلال دعمه ما يُسمى “الربيع العربي”.
لقد كان ترامب أمينا مع نفسه في تنفيذ برنامجه الانتخابي بالدورة الأولى، إذ ألغى الاتفاق النووي المسخ، وهو بالحقيقة أشبه باتفاق ميونخ في ثلاثينيات القرن الماضي الذي جعل ألمانيا النازية تتوسع في أوروبا، أي تماما ما سعت إليه طهران إذ لو تيسر لها الاستمرار به لكانت اليوم تسيطر على غالبية العالم العربي مستندة إلى تحوير مقولات دينية، أو بمعنى أوضح لكانت حولت الثقافة الدينية إلى الشيعية السياسية على النمط الايراني، وفقا للمبدأ الأوبامي “احكموا العرب ولا تقتربوا من إسرائيل”.
هذا الاتفاق جعلنا قاب قوسين أو أدنى من الفوضى الفارسية المستندة إلى ثارات قديمة عفا عليها الزمن، وباسقاطه غيَّر ترامب مسار التاريخ الشرق الاوسطي، وربما هنا يأتي من يقول إنه أيضا خدم إسرائيل، وهذا الكلام صحيح، لكنه خدمنا، وذلك دليل على الوفاء للحلفاء التاريخيين، فالرجل أثبت أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن الاصدقاء في وقت الشدة، وربما هناك من يقول إنه فشل مع كوريا الشمالية، بينما مع إيران لم يحسم الأمر بحرب أو معركة تنهي النظام الحاكم فيها.
لا شك أن ظروف كوريا الشمالية وشبه قارة الهند- الصينية تختلف عنها لدينا في هذه المنطقة، فنحن لدينا سلسلة من الأزمات الكبرى المستمرة منذ عقود، خصوصا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إذ هي لا تزال ترخي بظلالها على الأوضاع العربية والشرق أوسطية منذ قرن، وكل هذا يجعل الأمر معقدا، غير أن المبادرة التي قدمها الرئيس الأميركي للحل هي أفضل ما يمكن للعرب الحصول عليه، وإذا رفضوها لن تكون لهم أي فرصة مستقبلا.
لم يؤسس ترامب لحرب جديدة في الشرق الأوسط، بل جعل كرة ثلج الرفض الشعبي تتدحرج حتى سدت الطرق أمام إيران، فهذه الثورة العراقية الحالية أسقطت كل ما يحكى عن تلك المرجعيات الدينية وقوتها، وأثبتت أن العراقيين يريدون وطنا يحكمونه بأنفسهم، وليس عبر مرجعيات دينية ولاؤها لنظام الملالي الحاكم في إيران.
لا شك أن ترامب بالنسبة للعرب الواعين المطلعين على خفايا السياسة الدولية ولعبة المصالح المتحكمة بها، هو الشخصية الأقرب إلى هؤلاء العرب من خلال ما قدمه، وربما يكون روزفلت الآخر الذي أسس لتحالف تاريخي مع دول الخليج العربية لا تزال تحصد ثماره إلى يومنا هذا.
نعم، لولا ترامب لكنا اليوم، كما اسلفنا ضحايا إيران، ولكانت الحروب الأهلية تعم العالم العربي، ويكفي أنه مستمر في محاربة الإرهاب، وآخرها القضاء على الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في اليمن، وكذلك تصفية البغدادي وسليماني اللذين كانا قد عاثا إرهاباً في كل المنطقة.

You might also like