ترامب: احتضنوا قطر وإلا على قمة كامب ديفيد السلام

خلف أحمد الحبتور

خلف أحمد الحبتور

يبدو أن الدعوة التي وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى زعماء دول الخليج العربي للقدوم إلى منتجع كامب ديفيد من أجل تسوية الخلافات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين من جهة وقطر من جهة ثانية، باتت تترافق الآن مع شروط مسبقة. فقد كتب جوش ليدرمان من وكالة “أسوشييتد برس”: “إذا لم يتحقق اختراق في الأزمة القطرية، لن تنعقد قمة كامب ديفيد”.
الرسالة التي يوجّهها البيت الأبيض لكلا الجانبين مفادها أنه على الطرفَين التوصل إلى تفاهم في ما بينهما قبل أن يتم توجيه الدعوة لهما للاستمتاع بالضيافة الأميركية في كامب ديفيد وسط جبال مريلاند.
يُعيدني هذا بالذاكرة إلى أيام الدراسة عندما كان رفاقي في الصف يتوقّعون التأديب من المدرِّس عندما يندلع شجار بينهم. كيف تجرؤ، سيد ترامب، على معاملتنا كالقصّر!
يوم السبت المنصرم، تحدّثت تقارير عن قيام الرئيس الأميركي بإرسال مبعوثَين إلى منطقة الخليج، بهدف ليّ الأذرع كما يُعتقَد.
تحرص السعودية وحلفاؤها في منطقة الخليج العربي على الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، حليفتهم الأقوى في الغرب، إنما يجب ألا يسمح قادتنا بأن يرتهنوا، ويجب ألا يُضحّوا بمبادئهم إرضاءً للمصالح الأميركية في المنطقة.
تدرك قطر جيداً ما يجدر بها فعله من أجل الترحيب بها من جديد واحتضانها، لكنها لم تقم، حتى تاريخه، بأي خطوات إيجابية لفك ارتباطها عن عناصر متشدّدين معروفين، ومجموعات متطرفة، وجمعيات خيرية داعِمة للإرهابيين، رغم أن البيت الأبيض يؤكّد العكس، إنما ليست هناك أي أدلّة على صحة كلامه.
علاوةً على ذلك، لم تكتفِ قطر بتجاهل مطلب الرباعية إغلاق قناة “الجزيرة” الناطقة باسم “الإخوان المسلمين”، لا بل ذهبت القناة أبعد في أسلوبها الدنيء في تغطية أخبار السعودية والإمارات ومصر.
وما يزيد الطين بلة أن الدوحة تتواطأ الآن مع عدوّنا الأول، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك مع تركيا التي تزداد عدوانية وتضغط من أجل أن يكون لها موطئ قدم عسكري في الشرق الأوسط – مع العلم بأنها باتت عند أبواب قطر والسودان وسورية.
قبل بضعة أيام، صرّح المندوب الدائم لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة في جنيف باسم الرباعية التي تقودها السعودية، أن قطر تصوّر النزاع بأنه “أزمة دولية كبرى”.
وناشد قطر إقامة علاقات إيجابية مع جيرانها، بدلاً من “الاستمرار في انتهاك القانون الدولي” و”اتفاقات مكافحة الإرهاب” من خلال دعمها للأيديولوجيات المتطرفة ونشرها للكراهية عبر وسائلها الإعلامية.
لم يرضخ وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لإملاءات ترامب، والدليل على ذلك التصريحات التي صدرت عنه خلال زيارةٍ له إلى فيينا الشهر الماضي.
فقد اتّهم قطر بنشر الكراهية في بلدان عدة، قائلاً إنها عندما “تتوقّف عن تمويل الإرهاب، ستكون الرباعية العربية جاهزة حكماً لاستئناف العلاقات الطبيعية معها”.
لطالما ردّدتُ أن هذا الخلاف هو شأنٌ عائلي لا يمكن أن يلقى حلاً له إلا من خلال الأطراف المعنيّة. أعارض بشدّة التدخل من جانب الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى تسعى خلف مصالحها الخاصة.
في نهاية المطاف، الكرة في ملعب الدوحة. فهي تغرّد خارج سرب الدول المجاورة على جبهات كثيرة، وإذا أرادت أن تحظى بمعاملة الدولة الشقيقة، كما كان الحال سابقاً، فالحل يقع في يدَي أميرها، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
في غضون ذلك، ينبغي على السعودية وحلفائها أن يرفضوا الرقص على إيقاع الإدارة الأميركية، لا سيما وأن المؤشرات تُظهر بأنها متورّطة مع قطر. إذا رضخنا للإملاءات، فإن قطر، التي تسعى خلف المصالحة من دون تقديم شيء في المقابل، ستضحك في سرّها فيما نبدو نحن في موقع ضعيف. كما أن الإذعان لـ”أوامر” السيد ترامب سيشكّل سابقةً يُعتَدّ بها عندما يفرض علينا مزيداً من المطالب في المستقبل.
العام الماضي، وجّه ترامب انتقادات إلى قطر لقيامها بتمويل الإرهاب “على مستوى رفيع جداً”، وشجّع، كما أفيد، الجهود التي بذلتها الرباعية بقيادة السعودية لإقناع الدوحة بتعديل مسارها بما ينسجم مع موقف باقي الدول الأعضاء في “مجلس التعاون” الخليجي. إلا أنه يبدو أن ترامب هو مَن بدّل مساره.
فها هو الآن يحضّ السعودية والإمارات والبحرين – التي لا تألو جهداً لمكافحة الإرهاب والتطرف، وتشاركه موقفه من التهديد الإيراني – على الرضوخ.
لا وجود للصواب أو الخطأ، والأخلاق أو انعدام الأخلاق في قاموس المواقف الجيوسياسية الأميركية. فتقلّبات ترامب مدفوعة حصراً بالمنفعة التي تحققها قطر للولايات المتحدة في مجالات الاستثمار وشراء الأسحلة، والأهم من ذلك، استضافة الدوحة للمقرّ الأمامي للقيادة المركزية الأميركية الذي يشرف على العمليات الأميركية في أفغانستان والعراق وسورية وبلدان أخرى.
لسوء الحظ، لا يسعني سوى ملاحظة أن وسائل الإعلام التقليدية الأميركية تميل نحو قطر في تقاريرها. تُصوّر التقارير والمقالات الصحافية الدوحة بأنها ضحية بريئة اتُّهِمت زوراً وبهتاناً بأنها تقدّم التمويل للإرهاب.
كذلك يُبدي كتّابٌ لا يفقهون شيئاً في اللغة العربية تقديرهم الشديد لقناة “الجزيرة” التي يصوّرونها بأنها شبكة تلفزيونية محترفة وذات مناقبية، وغالباً ما يُعرب هؤلاء الكتّاب عن سخطهم إزاء ما يصفونه بالاعتداء على حرية التعبير. في الواقع، القناة هي أداةٌ للترويج الخبيث الذي يتخطّى ما يقوم به مروِّجو الدعاية المتطرّفة.
تُجيد قطر التلاعب بوسائل الإعلام الأميركية. تُخصَّص مبالغ طائلة لتبييض صورتها عن طريق الإعلانات والتقارير الدعائية والحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات العلاقات العامة. يستحق وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن جائزة “أوسكار” على ظهوره في طباعٍ دمثة وحفاظه على برودة أعصابه في المقابلات التي يُطلّ بها.
يقدّم نفسه بأنه صوت العقل المدافِع عن بلاده المظلومة في وجه أصدقائها السابقين الأشرار، فيما تُطلق وسائل الإعلام القطرية، باسم الحكومة التي ينتمي إليها، الافتراءات والأكاذيب والإهانات بحق السعودية والإمارات.
أود أن أناشد المملكة العربية السعودية التشاور مع الإمارات والبحرين والدول الخليجية الصديقة من أجل القيام بردّ موحّد على “وساطة” ترامب المنحازة تماماً مثل “وساطته” في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. يجب أن نتحلّى بالقوة، وأن تكون هناك ثقة متبادلة بيننا.
أدعو إلى أن يكون ردّنا على شكل “مردودٌ مع الشكر”. الذهاب إلى كامب ديفيد في الوقت الحالي أشبه بدخول عرين الأسد، عندما وجّه أوباما دعوة إلى رؤساء الدول في “مجلس التعاون” الخليجي للتوجّه إلى كامب ديفيد بعد توقيعه الاتفاق مع الشيطان الإيراني، لم تلقَ الدعوة استجابة سوى من أميرَي قطر والكويت. يجب التعامل مع ترامب بالطريقة نفسها.
أتطلّع شخصياً إلى اليوم الذي يتم فيه إصلاح الجسور من جديد. لطالما جمعت علاقات وطيدة بين شعوبنا. نتشارك جذوراً ثقافية وقبلية. بين أصدقائي عددٌ كبير من القطريين، وأنتهز هذه الفرصة كي أؤكّد لإخوتنا وأخواتنا في قطر أننا لسنا على خلاف معهم. كلما عادت الأمور إلى حالتها السويّة في وقت أسرع، كلما كان ذلك أفضل للجميع، إنما يجب أن يحدث ذلك بحسب توقيتنا نحن ووفقاً لشروطنا.