ترشح بشار الأسد… إذا لم تستح فاعمل ما شئت

مهى عون

هناك مثل فرنسي شهير يقول, إنه لو كانت المسخرة قاتلة, لكانت قتلت أناساً كثراً… في الحقيقة لا بد من التسليم, بأن مستوى المهزلة السوداء في ترشح الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة وصل الى حدوده القصوى, كونها تأتي على خلفية شلالات الدم التي تجري فوق الأرض السورية, ومع استمرار دك المنازل والدساكر, وتسوية مختلف المناطق المستهدفة بمختلف أنواع القذائف والأسلحة بالأرض, ناهيك عن الاستخفاف بكل ما تكتنزه المناطق السورية من آثار لحضارة تتجاوز الخمسة آلاف سنة, ورميها بالبراميل المتفجرة, زائد نزوح الشعب السوري وتهجيره بشكل غير مسبوق في تاريخه, حيث وصلت نسبة النازحين في الداخل والخارج إلى ما يناهز ثلث الشعب السوري.
وقررت الحكومة السورية, إضافة الى مشهدية المهزلة هذه, وربما بدافع كسب بعض المصداقية أمام العالم, المشدوه أمام حجم وقاحة نظام دمشق في مبادرته, فتح باب الترشيح لمن يرغب ضمن شروط محدودة وصارمة. ورغم أن الانتخابات ستكون أول “انتخابات رئاسية تعددية” (??), إلا أن قانونها يغلق الباب عملياً على ترشح أي من المعارضين المقيمين في الخارج. ويشترط القانون أن يكون المرشح قد أقام في سورية بشكل متواصل خلال الأعوام العشرة الماضية.
وفيما حذرت الأمم المتحدة, ودول غربية, النظام من إجراء مسرحية الانتخابات, معتبرة أنها ستكون “مهزلة” وذات تداعيات سلبية على التوصل إلى حل سياسي للنزاع المستمر منذ منتصف مارس ,2011 ما زال النظام ماضياً في ترشيح بشار الأسد, في مبادرة وقحة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية, حيث إن الأسد يصر على الظهور أمام العالم, من دون قناعة السوريين طبعاً, على أنه الرئيس المختار إلى الأبد, وإظهار اسم القطر السوري العريق مرتبطاً باسم عائلته من دون أي منازع.
لقد بادر الشعب السوري للتهكم والتندر من هذه المبادرة, فكثرت على ألسنة الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي التركيبات الساخرة على قاتل يريد أن يظهر نفسه بشكل المخلص, إذ كيف للناس أن تقارب غير المعقول بتحليل عقلاني? لذا يصبح التندر والمسخرة الوسيلة الفضلى للتعبير عن الرأي, فالعالم أجمع يعرف أن بشار الأسد وصل إلى حيث هو من طريق الوراثة, فيما يصر وطاقمه على تسمية إعادة انتخابه ب¯”العرس الديمقراطي”. أما قمة المهزلة, فكانت في دعوة بعض المراجع الحكومية ذات الصلة بالمبادرة الانتخابية, الناسَ إلى عدم الابتهاج وإطلاق النار بهذه المناسبة, “حفاظاً على الأرواح” من بعض الرصاص الطائش, واعجباه (!!!).
وسوف يصوت ما يسمى “مجلس الشعب”, في مشهد كوميدي معهود, وهو الذي بصم دائماً على تعديلات دستورية نزولاً عند رغبة النظام, مرتعداً على التعديل الذي يخول بشار الأسد الترشح, رغم كون زوجته تحمل الجنسية البريطانية, وقد ينتخب الشعب السوري في المناطق التي ما زال يسيطر عليها النظام بشارَ الأسد من جديد في نهاية شهر يونيو المقبل, لكن الغرض من وراء هذه الانتخابات, ليس وصول بشار من جديد إلى سدة السلطة بقدر إيصال رسالة مفادها: “إما الأسد أو نحرق البلد” و”الأسد إلى الأبد وإلى ما بعد الأبد”, وهذه ليست مجرد شعارات رفعت على الأبنية والسطوح بقدر ما هي عقيدة ديكتاتورية أين منها عقيدة هتلر الإلغائية العنصرية في زمانه. إنها “عقيدة” يؤمن بها نظام مستعد لتقديم القرابين من الشعب بشكل جماعي في سبيل تحقيقها, فسورية صاحبة الحضارة والتاريخ العريق, يريد بشار الأسد أن يختزلها في اسم عائلة الأسد, لتصبح في شكل معيب “سورية الأسد”, ومن أجل ذلك وظفت أجهزة الرعب والخوف لترحيل أبناء البلد غير القابلين بتحقيق هذا الهدف وتهجيرهم, أو القبول بالتعايش معه.
في الحقيقة لا يمكن ملامة الشعب السوري, بقدر ما يجب النظر في الانحراف الأخلاقي والإنساني المتمظهر في موقف المجتمع الدولي حيال مسرحية المسخرة الفاقعة هذه, فالعالم كله يلام على ما وصل إليه حال الشعب السوري الكريم حتى يضطر الى قبول مسرحية إجرامية اسمها انتخابات رئاسية من بطولة حاكم نظام مجرم قاتل لشعبه. كيف يمكن التبرير أمام الشعب السوري الشريف اليوم خذلانه من المجتمع الدولي وتركه نظاماً مجرماً تسانده قوى إرهابية, مثل “حزب الله” و”النصرة” و”داعش” و”كتائب أبو الفضل العباس”, يعيث فيه إجراماً ويحرم أطفاله ونساءه وشيبانه الأمن والأمان والكرامة?
لقد ساهم العالم أجمع بالوصول إلى هذا المشهد المخزي, وعلى رأسه العرب الذين لم يصدر عنهم حتى الساعة, أي موقف استغراب, أو استهجان, أو إدانة, لإعادة ترشح بشار الأسد. السكوت يعم كل وسائل الإعلام العربية, إضافة إلى التغييب المطبق لهذا الأمر المخزي والمربك.
ولكن في النهاية لن يصح سوى الصحيح, فقد يصفق الكثيرون اليوم لبشار, وقد ينادونه بالزعيم الأبدي, ولكن لا بد لهذه المسرحية من أن تُسدل ستارتها يوماً, لتَظهر من ورائها حقيقة المسرحيين ونذالتهم, مع من يقف وراءهم من المراجع الإقليمية والدولية, فحق الشعوب لا يموت مهما طال الزمن ومهما دمرت البلاد على رؤوس أهلها. إن احتمال وصول بشار الذي بات ممكناً ضمن أطر هذه اللعبة, لا يعني أن المشهد الأخير سيكون هو بطله, فالوقت والتاريخ سيسجلانه كأسوأ من دمر بلاده وحكم شعبه, وهذه الانتخابات التي ليست سوى مسرحية أبطالها قتلة, لن تطول فصولها إلى الأبد, وقد يتحول الحلم والخرافة المسرحية كابوساً, وينقلب السحر على الساحر, فمصير القتلة من الديكتاتوريين في التاريخ الحديث والقديم هو خير دليل, وكما اندثر صدام وهتلر وتشاوشيسكو وستالين والقذافي… واللائحة تطول, سوف يأتي يوم بشار, وسيعاين بطل هذه المسرحية الدموية واقعه الحتمي المرير, وعندها لن تنفعه عنترياته كما لم تنفع القذافي هلوساته في عدم السقوط في المجرور.

كاتبة لبنانية

Print Friendly