تزوير الشهادات العلمية… ابحثوا عن الأسباب العميقة

0

عبدالرحمن المسفر

كثيرون ركزوا على جريمة تزوير الشهادات الكويتية بمختلف مراحلها ومستوياتها وضرورة معاقبة الفاعلين، وتركوا مربط الفرس، وهو البحث عن الأسباب التي أدت إلى نشوء الدافعية الاحتيالية في الحصول على الشهادة العلمية، ومن ثم تشكل الفعل الإجرامي وما ينطوي عليه من انعكاسات خطيرة تمس الأمن الوطني الكويتي، وسمعة هذا الوطن الذي ذاع صيت مؤسسيه ونخبته الثقافية والفكرية عربيا وإسلاميا كساحة خصبة للتنوير وتصدير الرؤى الخلاقة والإبداع والأصالة.
هي بكل تأكيد أسباب متشابكة ولدّت ظاهرة اسمها تزوير الشهادات والألقاب العلمية، منها على سبيل المثال التراخي التاريخي للمؤسسات العلمية والتربوية الحكومية، كوزارة التعليم العالي وجامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في وضع معايير صارمة ومنضبطة للجامعات المعتمدة المعترف بتعليمها، سواء أكانت خليجية أم عربية أم إسلامية أم عالمية، وكذلك تشديد الرقابة والمتابعة والتفتيش الميداني على الطلبة الدارسين في الخارج فضلا عن التقويم الدوري المستمر لقوائم الجامعات المسموح بالدراسة فيها من قبل الجهات الرسمية ذات العلاقة. وهذا التساهل والتعويم أسهم على نحو كبير في نشأة بذرة التزوير التي انعشها فساد الرشاوى الذي استطاع بدوره أن يتخطى بسهولة مصدات الرقابة الهشة،والقصور التشريعي في مسائل تغليظ العقوبات على مرتكبي جرائم التزوير العلمية. وعلاوة على ما سبق، فقد تفشت ثقافة التبجح باستعراض ألقاب ( الدال) والتباهي بها كوجاهة وواجهة اجتماعية وسبيل سريع المفعول يختصر الزمن للوصول إلى المناصب القيادية الحكومية ومجالس الإدارات للشركات الضخمة الرسمية والأهلية والبنوك والعمل السياسي، هذا عدا من يستغلها لنصب أفخاخ الاسترزاق منها تحت غطاء الاستشارات الأسرية وحل المشكلات الزوجية، إلى غير ذلك من تجارة الدورات وما يستتبعها من كمائن منح شهادات موقعة ومصدقة من مراكز بحثية وجامعات أميركية وغربية،وما كل ذلك في الواقع – مع استثناءات محدودة جدا- إلا بهرجة ترويجية كالفقاعات الخادعة على سطح الماء.
قضية معالجة تزوير الشهادات من وجهة نظري، يجب أن تتجه ناحية تصويب سلوك وثقافة اجتماعية،حتى وإن كان من يعتنقها قليلون قبل أن ننظر إليها كسلوك إجرامي جنائي خطير، وإلا ماذا يعني أن يتورط في هذه الطامة الكبرى أساتذة جامعة وضباط ومهندسون ومحامون وأطباء ورجال دين وما سوى ذلك ؟ وماذا نفسر دوران الشكوك حول بعض الأسماء الرنانة التي قد لا نصدق انزلاقها في هذا الوضع المريب ؟ ألسنا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في تهذيب من شذ سلوكه وتشوهت قيمه وثقافته ولم يعد قادرا على ضبط غريزة نيل المجد المزعوم بأساليب النصب والاحتيال دون تكبد العناء والمشقة وسهر الليالي ليفوز بمغنم العلم ويصبح في ركاب العلماء أو من حلّت عليه بركتهم.
ثمة من يريد أن يعوض النقص في الشخصية أو السلوك أو المكانة الاجتماعية أو يستر عيوبه التي لا تحتمل بحيازة لقب الدكتوراه، لعل ذلك كله أو بعضه يحقق له ذاته ويجعله يتميز عن غيره أو يقفز به إلى مبتغاه من دون عراقيل قد تواجه غيره من حملة الشهادات الجامعية وما دونها. وهناك من يتسابق على نيل الشهادات العلمية المزورة بأي ثمن وطريقة من باب ( تحسين الوضع المعيشي وكسب مزيد من الاحترام والتقدير) وكان أجدر بمؤسسات الدولة المعنية أن تُعلي من شأن فئة ( الخبراء) التي ليس بالضرورة أن تتمتع بمؤهلات عليا، وإنما لها رصيد كبير من الخبرة العملية والتأهيل الوظيفي النوعي الذي يمكنها من القيام بمهام ومسؤوليات قد لا يستطيعها حاملو شهادتي الماجستير والدكتوراه، ولذا فإن مصطلح ( خبير) يحظى بمساحة من العناية الفلسفية والأدبية لدى منظمات أممية مرموقة كاليونسكو وغيرها من الأكاديميات المتخصصة في الموارد البشرية والإدارة والتخطيط الستراتيجي، وعلي هذا الأساس، فإن المجتمعات التي يكثر فيها الخبراء مقارنة بالأكاديميين والأساتذة الجامعيين قد نجد فيها تناميا في معدلات الإنتاجية والتطوير المحسوس، فكم كنا نأمل أن نعتني بخبرائنا في مجالات التعليم والتربية والاقتصاد والأمن والطاقة، فهؤلاء وغيرهم هم من بامكانهم توظيف مهاراتهم وخبراتهم وقدراتهم في حل مشكلات المجتمع والإسهام بدفع عجلة التنمية والإزدهار في شتى مناحي الحياة.
ليس من السهل تضييق الخناق على مزوري الشهادات العلمية لسببين رئيسين: الأول النقص في التشريعات العقابية وضعف المنظومة التنظيمية الإجرائية والرقابية. والثاني عدم تعودنا على الحزم في مجازاة الكبار من المتورطين قبل الصغار، فلو حاسبنا مثلا خمس عينات بارزة ثابتة عليها تهم التزوير العلمي وتجريدهم من شهاداتهم ومناصبهم، لأرسينا مجددا ثقافة احترام القانون وهيبة الدولة، وأعدنا الثقة والأمل إلى نفوس الناس بأننا نجحنا بمواجهة أحد مظاهر الفساد والتغلب عليه، متسلحين بإرادة الشعب ووعيه،ثم برفضه تشويه مسيرته وتاريخه وتلويث بيئته العلمية والوظيفية والثقافية من قبل قلة أمنت العقوبة فأساءت الأدب.
أخيرا: تزوير الشهادات العلمية أو شراؤها أو الاحتيال في الحصول عليها، ناشئ عن سلوك منحرف وثقافة انتهازية لم يجدا من يردعهما، فأصبحا يشكلان وجها قبيحا من وجوه الفساد الأخلاقي الذي ينبغي التصدي له بكل حزم وقوة.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 − 8 =