“تسونامي” جابر المبارك

0 1٬120

عبدالرحمن المسفر

لم يمض أسبوع على التحذير الذي وجهه سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك لقياديي الدولة، في ملتقى “نزاهة”، بتحمل مسؤولياتهم في محاربة الفساد، وأيام قليلة على تأكيده أمام مجلس الأمة، ان “لا حماية لفاسد ولا تستر على مسؤول منحرف”، حتى ترجم سموه ذلك واقعاً ملموساً، عندما سلّ سيف الحرب على الفساد، وأوقف ما تشهده وزارة الأشغال العامة من إهمال شديد يتكرر سنويا مع هطول الأمطار، فكان العقاب على قدر التجاوز والتقاعس.
المبارك لم ينم اول من أمس، وكان حاضرا من الفجر في “غرفة العمليات” بوزارة الداخلية للوقوف على واقع الشوارع مع هطول الأمطار، ورؤيته لما تسببت به الأمواج المطرية من أضرار كبيرة للمواطنين، والبنية التحتية، قاد “تسونامي اقتلاع الفساد” فأصدر توجيهاته لوزير الأشغال الذي لم يتأخر في الإعلان عن إجراءات تأديبية بحق قياديي الوزارة المسؤولين عن هذا الإهمال، ليعيد سمو الرئيس في هذا التوجه بريق الأمل والتفاؤل إلى المواطنين، وهم يرون مسؤولا كبيرا يتابع على الأرض حالة طارئة، ثم يتخذ خطوات أعلنها قبل وقت قصير، ليشكل ذلك نهجا جديدا يقوده المبارك بكل عزم، عندما خاطب كل قياديي الدولة يوم الأحد قبل الماضي انه لن يسمح بوجود الفساد في الأجهزة الحكومية، مطالبا القياديين بمساعدته لاجتثاث الفساد، وموجها تحذيره ان “المسؤول الذي لا يستطيع مواجهة الفساد فليتقدم بكتاب اعتذار عن الاستمرار في منصبه”، ليقرن ما قاله بالأمس القريب بأفعال أعادت الامل من جديد، ورسمت معالم التوجه الجديد للحكومة، ورئيسها الذي يبدو عازما على الانتقال بالعمل الحكومي إلى الضفة الأخرى التي لا وجود فيها لمتقاعس عن العمل أو فاسد.
لقد تابعنا ما جاء في بيان مجلس الوزراء أول من أمس، بدعوة رئيس ديوان المحاسبة للاجتماع المقبل بهدف مناقشة ما رصدته تقارير الديوان من ملاحظات على الوزارات والجهات الحكومية، لتحاسب الحكومة نفسها قبل أن يحاسبها الآخرون، وهو نهج سيعزز الشفافية في العمل الحكومي، ويجعل المسؤول رقيبا على نفسه، من جهة، ويؤكد احترام الجهات الرقابية وتقدير أعمالها وتحميل الوزراء مسؤولياتهم تجاه أي تقصير او ملاحظات.
أما ما حملته صورة سمو رئيس مجلس الوزراء في ساعات الفجر الأولى بغرفة العمليات بوزارة الداخلية، فهي مجموعة رسائل أراد إيصالها لكل مسؤول في هذه المرحلة من عمر الدولة، أولى هذه الرسائل أن لديه أجندة وخارطة طريق لتطبيق القانون بشكل صارم، وأن لا أحد فوق هذا القانون.
الثانية: أن المنصب القيادي تكليف وليس تشريفا، وعلى المسؤول أن يكون حاضرا في كل وقت متى اقتضى الأمر وجوده، وهو بهذه الخطوة ضرب مثلا حيا في تحمل المسؤولية للقياديين في الدولة، أضف إلى ذلك أنه أردا أن يوصل الرسالة الأهم بأن ما قاله عن محاربة الفساد، وعزمه على اجتثاثه من جذوره في الجهات الحكومية، هو نهج حقيقي وليس شعاراتيا.
لعل المبارك في خطوته تلك حقق عددا من الأهداف في وقت واحد، أهمها أنه أعطى المواطنين جرعة من التفاؤل والأمل بمرحلة جديدة ومهمة من تاريخ بلدهم تقوم على الإصلاح، ومحاربة الفساد، وعزز ذلك ما صرح به من موقعه في غرفة عمليات وزارة الداخلية، انه واثق من أن أجهزة الدولة بإمكاناتها قادرة على مواجهة أي أمر طارئ، وفي المقابل ستتم محاسبة كل متقاعس ومتخاذل، وهو الأمر الذي حدث بعد ساعات فقط من تصريحه، بقرارات عكست توجيهاته، تضمنت إقالة المدير العام لهيئة الطرق أحمد الحصان، وعدم التجديد لوكيل وزارة الأشغال عواطف الغنيم، وإيقاف الوكيلين المساعدين في الوزارة محمد بن نخي وعبدالمحسن العنزي عن العمل وإحالتهما للتحقيق، على خلفية ما أحدثته الامطار من أضرار.
هذا النهج الذي اختطه المبارك في المرحلة الحالية نأمل أن يستمر، وتستمر معه الجولات الميدانية للوقوف على واقع العمل الحكومي، الخدمي والإداري، ليشعر المسؤول بالمراقبة الفعلية عليه، وهو ما سينعكس على عمله، إضافة إلى أن يحرص سموه على اللقاء بنخب المجتمع من المثقفين والتكنوقراط، واستمزاج آرائهم، في العمل، ولا سيما أن خطوته الأخيرة اول من أمس فتحت شهية المحللين والمفكرين، ورفعت سقف التطلعات لترجمة الآمال والطموحات على الأرض، بعيدا عن حسبة المصالح التي عشناها حتى يومنا هذا، فليس خافيا على سموه ما يجري في ملف التعيينات القيادية والوظائف الإشرافية، من ضغوط ومحسوبيات وتعيينات “باراشوتية” تهضم حق الكفاءات في نيل فرصتها لإثبات وجودها وقدرتها على العمل.
ونحن أمام هذا النهج الجديد لسمو الرئيس، نجد أنفسنا، من باب الوفاء، وانسجاما مع هذا النهج نضع بين يديه مقترحات نرى من وجهة نظرنا المتواضعة أنها ستكون ذات أهمية كبيرة في ظل الأجواء الإيجابية التي نعيشها، وكلنا ثقة أنها ستجد طريقها إلى طاولة سموه لتحظى بالاهتمام والدراسة، وهي مقترحات أربعة نلخصها بالآتي:
أول المقترحات: دعوتنا إلى بلورة قانون للقياديين يفسح المجال للكفاءات لتأخذ فرصتها، ويحد من تعيينات المحسوبية والواسطات وتدخّل المتنفذين، وهو امر سينعكس بتقوية الجهاز التنفيذي من خلال قيادات كفؤة تحمل في جعبتها الكثير لتقدمه.
ثانيا: العمل على تطوير التشريعات والمنظومات الإجرائية المتعلقة بالجهات الرقابية الأربع، وهي ديوان المحاسبة، وجهاز المراقبين الماليين، وديوان الخدمة المدنية “مراقبو التوظيف” وجهاز متابعة الأداء الحكومي.
ثالثا: إفساح المجال للشباب، من خلال الحوار الفعال والبناء، وبرامج مبادرات جادة، ونحن نعلم أن هذا الامر موجود، ولكننا نريد تعزيزه باهتمام أكبر يشعر الشباب بوجودهم وأهميتهم لوطنهم.
رابعا: تسريع المشاريع وتقليل الدورة المستندية لها، للقضاء على “البيروقراطية” المعطلة للعمل والقاتلة لكل إبداع، إضافة إلى حل المشكلات المتعلقة بالمدن الإسكانية ومسائل الصحة والتعليم.
ونحن، إذ نقدم هذه المقترحات، فإنما نستجيب لدعوة سمو رئيس مجلس الوزراء عندما طلب من كل مواطن أن يعمل لمصلحة بلده، ونحن نطمح أن نرى كويتنا الغالية في أجمل صورة وأفضل موقع، ونتوقع أن تحقق قفزات مهمة وكبيرة في ظل التوجه الجديد الذي يقوده الشيخ جابر المبارك.
كاتب صحافي ومحلل سياسي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.