تشكيليون عرب… يُبهرون العالم لوحاتهم بيعت بملايين الدولارات

0

القاهرة – شريف حمّودة:
ليس صحيحًا أن قاعات العرض وصالات المزادات العالمية الكبرى المتخصصة بالفن التشكيلي تستقبل العرب فقط كراغبين في الاقتناء والشراء، وان كان الاعلام الغربي يركز على تصدير مثل هذه الصورة للعرب دون غيرها.الحقيقة التي لا يقف عندها كثيرون، أن أعمالًا تشكيلية مصرية وعربية لافتة، تُعرض وتباع بين الحين والآخر بملايين الدولارات في لندن وباريس ودبي وغيرها من العواصم والمدن التي تقام فيها المزادات الشهيرة. وقد سجلت لوحات الفنانين محمود مختار، وجواد سليم، ومحمود صبري، ومحمود سعيد، وحامد عويس، وعبد الهادي الجزار، وحسين بيكار، على سبيل المثال، أرقامًا قياسية، لم يحققها كثير من نظرائهم من فناني العالم الغربي.
على أن اقتران العرب بالاقتناء وهوسهم بالشراء أمر لا يخلو من صحة بطبيعة الحال، ومنذ أيام قليلة ارتبط اسم متحف اللوفر بأبو ظبي بأغلي لوحة في التاريخ تباع في مزاد على الاطلاق، حيث بيعت لوحة “المسيح- منقذ العالم” للفنان الايطالي ليوناردو دافنشي في مزاد بنيويورك بـ450 مليون دولار، لتنتقل إلى متحف أبو ظبي. على أن العرب ليسوا وحدهم من يدفعون مثل هذه الأرقام الخيالية، ففي ديسمبر 2017 أيضًا بيعت 12 لوحة للرسام الصيني الراحل تشي باشي “1864-1957” في مزاد أقيم بصالة “بكين” بحوالي 141 مليون دولار، وانتقلت ملكيتها إلى مشترٍ صيني غير معروف.
للمصريين والعرب حضورهم الكبير في المحافل التشكيلية الدولية كمبدعين، ولأعمالهم حظها في ابهار العالم واعادة الاعتبار للاسهام المصري والعربي في مسيرة الحضارة الانسانية. وها هي دار كريستيز اللندنية تشهد في أكتوبر 2017 مزادًا مخصصًا لفنون الشرق الأوسط الحديثة والمعاصرة، عُرضت فيه 57 لوحة وعملًا نحتيًّا لـ42 تشكيليًّا من تسع دول عربية وشرق أوسطية؛ هي: مصر، الكويت، العراق، الامارات العربية المتحدة، سورية، لبنان، فلسطين، ايران، تركيا. في هذا المزاد، حققت لوحة “بائع البطيخ” للتشكيلي العراقي جواد سليم “1921-1961” قرابة 877 ألف دولار، وسجلت لوحة “أسي” لمواطنه العراقي محمود صبري قرابة 670 ألف جنيه استرليني.
كذلك، سجلت لوحة “هانم” للمصري محمود سعيد “1897-1964” أكثر من 420 ألف دولار، وسجّلت لوحات “الغرفة الرأسية 1، الغرفة الرأسية 2؛ الغرفة الرأسية 3” للتشكيلي اللبناني شفيق عبود “1926-2004” حوالي 484 ألف دولار.
ويعد التشكيلي المصري محمود سعيد صاحب الحضور الأبرز في المزادات العالمية الكبرى خلال السنوات القليلة الماضية، وفي العام 2010 بيعت لوحته الشهيرة “الدراويش” في دار “كريستيز” بدبي مقابل حوالي 2.5 مليون دولار، وتم تسجيلها وقتها كأغلي لوحة عربية وشرق أوسطية لفنان معاصر.وفي ابريل 2017، حققت لوحة محمود سعيد عن نيل أسوان الهادئ صدي كبيرًا في قاعة المزادات اللندنية “بونهامز” بسعر تخطى 300 ألف دولار، كما حققت لوحته الأخرى، عن أسوان أيضًا، حضورًا مثمرًا، اذ بيعت “أسوان – جزر وكثبان” في دار “كريستيز” بدبي مقابل 685 ألفًا و500 دولار في مارس 2017.
ولعل مدينة “أسوان”، في جنوب مصر، هي أبرز كلمات السر المفتاحية في تجربة الرائد محمود سعيد التشكيلية، بالغة الخصوصية، حيث يبدو الطقس الكلي، في تلك المدينة، ملائمًا للسباحة اللونية الهامسة، وتأتي المشاهد والمرئيات، بما فيها من سكون وحركة، كموضوعات متسقة مع ترددات الفرشاة المحسوبة بدقة كايقاعات بسيطة تتناغم من دون تنافر، ومن غير ضجيج في العمل.

ملتقى البحر والسماء
في تجربة محمود سعيد، يأتي اللون الأزرق، بأثره الظاهر وعمقه الكامن، كملتقي للبحر والسماء، وهو في الوقت نفسه رداء الرجال البسطاء على القارب الشراعي. وهكذا يتوازن الدينامي والاستاتيكي، ويصير النسبي والمطلق وجهين لعملة فنية واحدة، جوهرها الثراء الحيوي وانصهار العناصر المكوّنة بتلقائية تُقصي حسابات اللوحة بعيدًا، ليستقر في النهاية للرائي منظر يتجاوز الفوتوغرافي إلى الأثر النفسي البعيد والتحليل التخييلي المفتوح على مساحات تتسع رويدًا رويدًا، كدوامات يحدثها حجر تلقيه يد بشرية في النهر.

حالات انسانية
الرهان دائمًا على كل ما هو انساني في لوحات محمود سعيد “الأسوانية”. وحتى هذه الجزر، وتلك الكثبان الرملية التي تشترك مع البيوت في اصفرارها، هي حالات انسانية، وان لم يظهر شخوص بالمعني المباشر. الكتل الصخرية كذلك، تتحدث بدون صوت. الأشجار تتنفس، وتتهامس، وتلبي نداء السماء متجهة اليها. ولم تكن علاقة محمود سعيد بأسوان علاقة عابرة، فقد دأب على زيارتها والاقامة فيها أكثر من مرة، قبل ثورة 1919، ثم في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. وأول لوحة مكتملة له عن البيئة الأسوانية كانت في عام 1947. لقد وجد ضالته في البيئة الأسوانية، فهو الساعي دائمًا إلى الخصوصية المصرية، بشعبيتها وتاريخيتها وبساطتها الحياتية، وطمي نيلها، وخصوبة شخوصها ذوي الملامح السمراء.

حس تعبيري
على جانب آخر، لم يهمل التشكيلي محمود سعيد مدارس الفن الغربية، التي درسها باتقان في أثناء اقامته في أوروبا، مثلما أنه لم يهمل الفن المصري القديم، والفن الاسلامي، والعربي، وتجليات الفنون لدي الحضارات القديمة، كذلك أفاد من دراسته القانون، التي أكسبته الاتزان في الرؤية وطرحها فنيًّا، لكن بصمته الأوضح تجلت في ذلك الحس التعبيري، الذي يفسح المجال للخروج عن تمثيل الطبيعة أو حتى التخييل الانطباعي، إلى فضاءات أرحب من الوهج التحليلي والتأملي، ليس بالمعني الذهني المجرد، انما بالمدلول الايحائي والتأثيري.
هذه التفاصيل، وغيرها، من سمات المدرسة المصرية لدي محمود سعيد، تمثلت على نحو أكثر وضوحًا في “البورتريهات”، التي أكسبها الفنان أبعادًا جديدة، فالأعماق النفسية للشخصية، أو ما يمكن تسميته بجوانياتها المتصارعة، هي جوهر القسمات التي يبرزها الفنان في اللوحة.
بتلك الرؤية رسم سعيد ذاته جالسًا في مرسمه، في حالة شحوب، كثيف الحاجبين، منكوش الشعر. وهكذا، استطاع الفنان أن يُنطق وجه بائع العرقسوس، بما يحمله من معاناة من الكد والكدح على مدار ساعات النهار الطويلة. وهذه الانبعاثات من داخل الشخوص، أو الانفعالات والطقوس النفسية والروحانيات، هي الأضواء السحرية، الظاهرة والسرية، في أعمال محمود سعيد.

اتجاه أصيل
ومن محمود سعيد إلى حامد عويس، حيث عرضت دار “كريستيز” بدبي في فبراير الماضي لوحته “أميركا” بقرابة 250 ألف دولار، كما عرضت لوحة “نادي الألعاب” للتشكيلي عمر النجدي بحوالي 70 ألف دولار.
وتمثل أعمال التشكيلي حامد عويس “1919-2011” اتجاهًا مصريًّا أصيلًا، بخاصة عندما يصور الوجوه وأصحاب الحرف والمهن البسيطة، كما في لوحاته الشهيرة “الأرض لمن يفلحها”، و”صيادون من الاسكندرية”، و”المطرقة والوعي”. وللفنان عويس القدرة دائمًا على استشفاف الأسرار وقراءة العلاقات الكامنة بين الانسان وبين ما يمارسه من عمل أو نشاط، وكذلك ما يلاقيه ويتعامل معه من كائنات وموجودات، كما في لوحاته عن الصيادين وعلاقتهم بالأسماك.
أما التشكيلي عبد الهادي الجزار “1925-1966″، فتتسم تجربته في التصوير بفرادة تكفل لها التحقق العالمي، وهي تجربة تنبني على سلامة الحس الفطري والقدرة على استدعاء الخيالات والأساطير والهواجس والأحلام، واستقصاء تفاصيل الحياة الشعبية في مصر، بتلقائية تنحّي بعيدًا كل القيود والمعطيات الأكاديمية الثابتة.
وقد شهد مزاد سوثبي بدبي، في نوفمبر الماضي، بيع تمثال سعد زغلول للنحات المصري الرائد محمود مختار بأكثر من 212 ألف دولار، ويعود تصميمه إلى العام 1937. وفي المزاد نفسه، بيعت لوحات التشكيلي حسين بيكار عن “النوبة” وغيرها بأكثر من 42 ألف دولار، كما بيعت لوحة “السيرك” للتشكيلي أدهم وانلي بحوالي 24 ألف دولار.
والمثال محمود مختار “1891- 1934″، هو أحد النابهين في فن النحت، وصاحب تمثال “نهضة مصر” الشهير، وله متحف يحمل اسمه في الجيزة. وقد نشأ مختار في مدينة المحلة الكبرى بدلتا مصر، ودفعت موهبته الأمير يوسف كمال إلى أن يبعثه وهو صبي إلى باريس كي يتم دراسته هناك. وقد أسهم محمود مختار في انشاء مدرسة الفنون الجميلة العليا، وشارك في ايفاد البعثات الفنية للخارج، واشترك في عدة معارض خارجية بأعمال فنية لاقت نجاحًا كبيرًا، وأقام معرضًا خاصًّا لأعماله في باريس في العام ‏1930، وكان ذلك المعرض سببًا في‏ التعريف بالمدرسة المصرية الحديثة في الفن أمام نقاد الفن العالميين.
أما التشكيلي حسين بيكار “1913-2002” فهو فنان مصري من أصل قبرصي تركي، ينتمي إلى الجيل الثاني من الفنانين، ويتميز ببصيرة نافذة، وذوق رفيع، وقد نبغ في الشعر والموسيقي كذلك، واليه تُنسب مدرسة في الفن الصحافي، ويتميز أسلوبه بالبساطة والوضوح، وتتجلي في لوحاته الزيتية القدرة على التكوين وقوة التعبير وتصوير المشاعر الانسانية بسلاسة وعمق.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

18 − إحدى عشر =